عاجل:

أوروبا تتفكك إلى مجموعة متشابكة من المصالح الوطنية

الثلاثاء ٠٤ مايو ٢٠١٠
٠٣:٠٥ بتوقيت غرينتش
تثير مراقبة تطورات أزمة الدين اليونانية التي تشبه مشاهدة تحطم قطار بالحركة البطيئة، تساؤل حول ما حدث للتضامن الأوروبي. والاستماع إلى السياسيين في برلين وهم يوضحون أن الناخبين الألمان المقتصدين لن يتقبلوا إنقاذ أبناء عمومتهم القاريين المبذرين، لا يقدم سوى نصف الإجابة. القصة أكبر من مجرد تصادم غاضب بين التبذير اليوناني والتفوق الأخلاقي الألماني. فهناك حقيقة أكثر إرباكا وراء التهديد المباشر. والأزمة عبارة عن عرَض بقدر ما هي سبب. وعلى الرغم من الاضطرابات التي أثارتها، كان هناك شيء حتمي بشأن الاتحاد الأوروبي. الآن بدأت المؤسسة في التفكك.

تثير مراقبة تطورات أزمة الدين اليونانية التي تشبه مشاهدة تحطم قطار بالحركة البطيئة، تساؤل حول ما حدث للتضامن الأوروبي. والاستماع إلى السياسيين في برلين وهم يوضحون أن الناخبين الألمان المقتصدين لن يتقبلوا إنقاذ أبناء عمومتهم القاريين المبذرين، لا يقدم سوى نصف الإجابة.

القصة أكبر من مجرد تصادم غاضب بين التبذير اليوناني والتفوق الأخلاقي الألماني. فهناك حقيقة أكثر إرباكا وراء التهديد المباشر. والأزمة عبارة عن عرَض بقدر ما هي سبب. وعلى الرغم من الاضطرابات التي أثارتها، كان هناك شيء حتمي بشأن الاتحاد الأوروبي. الآن بدأت المؤسسة في التفكك.

وينطوي مأزق اليونان، وكذلك استجابة شركائها في منطقة اليورو، على مخاطر على عدة مستويات: تخلف عن سداد الديون السيادية داخل منطقة العملة الواحدة، والعدوى إذ تختبر الأسواق قوة ومرونة البرتغال وإسبانيا وإيرلندا، وانهيار الثقة السياسية وآليات الدعم المتبادل التي يعتمد عليها الاتحاد النقدي.

وكما أشار زميلي في فاينانشيال تايمز ، ألان بيتي، في مقال لاذع الأسبوع الماضي، فقد سلطت الأحداث الأخيرة الضوء أيضا على عدم كفاءة أولئك المسؤولين عن الإشراف على منطقة اليورو.

وبالنظر إلى الدور المحوري لأنجيلا ميركل، ربما لم يكن ينبغي أن نستغرب هذا التذبذب. فقد وفرت استجابة برلين المتعثرة لانهيار بنك ليمان برا ذرز أنموذجا للحماقة، ما جعل السلطات تحاول ثانية اللحاق بركب الأسواق التي لا ترحم.

وخشية أن يتم اتهامي من قبل أصدقائي الألمان بأني منحاز إلى الطرف المخطئ ضد الطرف المظلوم، يمكن القول إن ميركل كانت محقة في القول إنه لا تجب مكافأة أثينا على ازدراء التزاماتها تجاه شركائها. فمن غير المجدي تقديم المال إلا إذا كان لدى اليونان خطة مالية ذات صدقية.

لكن كما تعلمت برلين، تأتي مرحلة يصبح معها توجيه اللوم أمرا يضر بمصالح المرء، حين يتبين أن ثمن الصواب هو الفوضى، والفوضى لا تميز - كما ستدرك البنوك الألمانية التي تحتفظ بمليارات اليورو من الديون السيادية اليونانية. وعلينا أحيانا أن نتعايش مع المخاطر الأخلاقية.

والأكثر مدعاة للقلق هو ما يكشفه كل هذا عن التماسك الأساسي للاتحاد. فحتى وقت قريب، لو سألني أحد كيف سيبدو الاتحاد الأوروبي بعد 20 سنة من الآن مثلا، كان ردي سيكون هو أن معالمه الأساسية لن تتغير كثيرا، وكنت سأقول أيضا إن الهدف التوجيهي تغير بالتأكيد مع نهاية الحرب الباردة وإعادة توحيد ألمانيا والتوسع إلى أوروبا الوسطى والشرقية. إلا أن مجموعة من القوى المتوسطة التي لها حدود وقيم ومصالح مشتركة أدركت أن من الأفضل لها أن تكون معا بدلا من أن تكون متفرقة.

إلا أن ارتقاء قوى جديدة - الصين والهند والبرازيل والبقية - كان نذيرا بالدور المتقلص لأوروبا على الساحة العالمية. ولن تتخلى الدول الفخورة بنفسها، مثل فرنسا، أو ألمانيا، أو بريطانيا، أو إسبانيا عن هويتها، لكنها ستواصل السعي لتحقيق مصالحها معا. وبقدر ما يبدو ذلك مزعجا، إلا أن أوروبا ستظل دائما موجودة.

هذا ما كنت أعتقده. ولا أزال حتى الآن أؤمن أن هذا المنطق مقنع. خذ أي مشكلة تمس شعوب أوروبا - من الأزمات التي أصابت النظام المالي العالمي إلى الاحتباس الحراري، ومن الإرهاب والهجرة الخارجة عن السيطرة إلى روسيا التي ازدادت قوة في الآونة الأخيرة - وستجد أنها تروي نفس القصة. على الأوروبيين أن يعملوا معا إذا أرادوا امتلاك النفوذ وممارسته.

وعلى الرغم من هذا، لم تعد أوروبا تحمل طابع الحتمية. فقد أصبح فجأة من السهل التنبؤ بمستقبل يتمزق فيه الاتحاد. ولا ينطوي الخطر على قطيعة كبيرة - مع أن الصدمات المباشرة ستكون عميقة إذا تخلفت اليونان عن السداد - بقدر ما ينطوي على التدهور الذي ينبع من غياب القيادة السياسية.

ولا تزال الحكومات الأوروبية موالية لمنطق التعاون، ولم تعد راغبة أو قادرة - وأحيانا الاثنين معا - على الاعتراف بمعانيه الضمنية. فهي تعلم أين تكمن مصالحها الاستراتيجية الوطنية، ومصالح القارة أيضا، لكنها تفتقر إلى الهدف الذي يجمع بينها.

وبدلا من ذلك، تستسيغ ألمانيا فرصة أن تصبح دولة طبيعية ، تفصل بين ما تعتبره مصلحتها الوطنية والمصلحة الأوروبية. وتم تناسي رؤى هلموت كول التاريخية من خلال الإصرار على أنه لا يجب أن يطلب من دافعي الضرائب الألمان الاستمرار في إنفاق المال على القارة. وتم أيضا تناسي مصالح برلين طويلة الأجل في الاستقرار السياسي على المستوى الأوروبي وفي الأسواق المفتوحة لصادراتها.

وتعاني فرنسا صعوبات في التعامل مع القوى المحركة للاتحاد الذي لم يعد فيه توسيع أوروبا يعني دوراً أكبر لفرنسا. والنشاط المثير للإعجاب الذي يبديه نيكولا ساركوزي لا يرتبط بالهدف الاستراتيجي. أما بريطانيا، فهي كالعادة تقف على الهامش دون مشاركة فاعلة. وإيطاليا تحت قيادة سيلفيو بيرلسكوني انسحبت من دائرة النفوذ.

لقد كانت هناك فترات جمود من قبل، إلا أن قواعد اللعبة تغيرت. فقد أدى سقوط جدار برلين وانهيار الشيوعية إلى تحويل المؤسسة النابعة من الضرورة إلى مؤسسة نابعة من الخيار. وإذا تعطل الاتحاد سيخسر الجميع، إلا أن الخطر لم يعد خطراً وجودياً.

لقد وقع الاتحاد الأوروبي ضحية إحدى أكثر مفارقات العولمة إرباكا. ففي الوقت الذي يجرد فيه الترابط العالمي الدول القومية من سلطتها، يزيد فيه الضغوط الداخلية على السياسيين المحليين لحماية الناخبين من عدم الاستقرار في العالم المترامي الذي لا حدود له.

وكانت استجابة السياسيين في أوروبا هي التضحية بالاستراتيجية لصالح التكتيك. فهم يتفاخرون بقدرتهم على استعادة السلطة من الاتحاد الأوروبي - ويعدون بأنهم لن يخضعوا لضغوط بروكسل. ويفسر هذا نهج ألمانيا بقيادة ميركل تجاه العملة الواحدة، وتردد قادة آخرين في ربط إيمانهم بدور أوروبا في العالم بقبولهم أي شيء يشبه السياسات المشتركة.

وليس هناك شيء غريب أو خاطئ في محاولة السياسيين تحقيق المصالح الوطنية، فهذه هي وظيفتهم التي يتقاضون راتبهم للقيام بها. المشكلة بالنسبة للاتحاد الأوروبي هي أن الحكومات الآن تعتبر هذا لعبة محصلتها صفر.

وخلال حقبة المصالحة بعد الحرب، والحرب الباردة، كان التقاء المصالح الوطنية والأوروبية يتحدث عن نفسه. فالنفوذ المتضائل لأوروبا في العالم الذي لم يعد مملوكا للغرب يعني أن التقارب أقوى من أي وقت مضى. لكن دون وجود تهديد الحرب أو الغزو من الصعب تحديد ذلك. وإقناع الناخبين يتطلب قادة أقوياء. وإذا نظرت في أنحاء القارة لن تجد مثل هؤلاء السياسيين.

* فاينانشال تايمز- فيليب ستيفنز

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

أنصار الله: الشعب اليمني لايزال يخوض معركة السيادة حتى وقف العدوان ورفع الحصار


وزير الداخلية الباكستاني يصل إلى طهران


بيان مشترك من "CNN" و"MS NOW" و"POLITICO": عدم التصدي لهذا الإجراء سيشكل تهديداً لحرية الصحافة وحق الجمهور في صحافة مستقلة


الطماطم الطازجة أم المعلبة.. أيهما أكثر فائدة للصحة؟


بيان مشترك من "CNN" و"MS NOW" و"POLITICO": بشكل مفاجئ ودون سابق إنذار سحب البيت الأبيض تراخيص صحافيينا لاعتراضه على تقاريرنا


بيان مشترك من "CNN" و"MS NOW" و"POLITICO": الدعوى ستُرفع دفاعاً عن مبدأ عدم تدخل الحكومة في تحديد ما تنشره الصحافة


بيان مشترك من "CNN" و"MS NOW" و"POLITICO": أبلغنا الحكومة هذا الصباح بأننا سنرفع دعوى قضائية اليوم لحماية حقوقنا المكفولة بموجب التعديل الأول للدستور


بيان مشترك من "CNN" و"MS NOW" و"POLITICO" رداً على ترامب


بيانات التداول: سعر بيتكوين يتجاوز 85 ألف دولار للمرة الأولى منذ 29 يناير


استطلاع: استياء متزايد بين الأمريكيين من تداعيات سياسات ترامب الاقتصادية


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان