ليس من الإنصاف السياسي أن تُحمَّل المعارضة البحرينية مسؤولية بناء الأجيال الرافضة لسياسات السلطة، أو حتى الأجيال التي تختار الوقوف في موقع المعارضة؛ فالحقيقة التي ينبغي أن تُقال بوضوح هي أن السلطة، من خلال سياساتها وممارساتها، تتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عن اتساع الفجوة بينها وبين المجتمع، وعن تشكّل أجيال لم تعد تجد في الوعود الرسمية ما يقنعها، ولا في الخطاب الحكومي ما يبدّد مخاوفها، ولا في إدارة الشأن العام ما يمنحها الثقة بمستقبلها.
إن الأجيال المعارضة لا تولد بالضرورة نتيجة تحريض سياسي، ولا تحتاج دائماً إلى جهة تتولى تربيتها على الرفض. ففي كثير من الأحيان، يكفي أن يعيش الإنسان واقعاً يناقض ما يسمعه، وأن يرى أبواب الحلول مغلقة أمامه، وأن يشعر بأن صوته لا يجد طريقاً إلى مؤسسات القرار، حتى يبدأ بنفسه في طرح الأسئلة والبحث عن بدائل.
وهنا تكمن المفارقة البحرينية: سلطة تريد مجتمعاً مطيعاً، لكنها تتبع سياسات توسّع دائرة السخط؛ وتطالب الأجيال بالولاء، لكنها لا تقدّم دائماً ما يجعل هذا الولاء خياراً نابعاً من القناعة والثقة: وتشتكي من المعارضة، بينما تتجاهل أن بعض ممارساتها هي التي تمنح الخطاب المعارض مادته اليومية.
من يصنع المعارضة؟
من الخطأ اختزال المعارضة البحرينية في تنظيمات أو شخصيات أو شعارات سياسية. فالمعارضة، في معناها الأوسع، ليست مجرد موقف تتبناه القوى السياسية، بل هي أيضاً حصيلة تجربة اجتماعية يعيشها المواطن، ويقيس من خلالها المسافة بين حقوقه المعلنة وواقعه الفعلي.
حين تتراكم الأزمات المعيشية، وتتراجع فرص الشباب في بناء مستقبل مستقر، ويشعر المواطن بأن الوصول إلى حقوقه يحتاج إلى أبواب استثنائية أو علاقات خاصة، فإن بذور الاعتراض تبدأ بالنمو داخل المجتمع نفسه. وحين تتراجع الثقة بجدوى الشكوى، أو يشعر الناس بأن مطالبهم لا تجد استجابة جادة، يصبح السؤال عن أسباب الاحتقان أكثر إلحاحاً من السؤال عن هوية من يتحدث باسم المحتجين.
إن الجيل الجديد لا يعيش على ذاكرة الماضي وحدها، ولا يكتفي بما يُقال له عن الإنجازات. إنه يقارن، ويراقب، ويسأل عن فرص العمل والسكن والعدالة وتكافؤ الفرص، وعن قدرته على المشاركة في تقرير مصيره ومستقبل وطنه. وهذا الجيل، مهما حاولت أي جهة التأثير فيه، يمتلك أدواته الخاصة في تكوين الوعي، وفي تقييم التجربة التي يعيشها.
لذلك، فإن تصوير كل حالة تذمّر على أنها نتاج تحريض من المعارضة ليس سوى محاولة للتهرّب من مواجهة الأسباب الحقيقية للمشكلة.
الهروب من الأزمات لا يلغيها
المشكلة الأعمق ليست في وجود معارضة تنتقد السلطة، بل في وجود أزمات لا تُعالَج بالجدية المطلوبة، وفي ميل الخطاب الرسمي، أحياناً، إلى التعامل مع مظاهر الاحتقان بدلاً من معالجة جذوره.
فالأزمة المعيشية لا تُحلّ باتهام المنتقدين، والبطالة لا تتراجع بتجاهل شكاوى الشباب، وأزمة الثقة لا تُعالج بتكرار الشعارات، والمطالب السياسية لا تختفي لمجرد تضييق المساحة المتاحة للتعبير عنها.
إن الدولة التي تريد الاستقرار مطالبة بأن تسأل نفسها: لماذا تتراجع ثقة بعض المواطنين بمؤسساتها؟ ولماذا يشعر بعض الشباب بأن المستقبل الذي ينتظرهم أقل اتساعاً من طموحاتهم؟ ولماذا تتكرر المطالب نفسها من دون أن يشعر أصحابها بأن هناك مساراً واضحاً للاستجابة لها؟
هذه الأسئلة ليست عداءً للوطن، ولا خروجاً على مصلحته، بل هي جوهر المسؤولية السياسية. أما تحويلها إلى اتهامات، أو التعامل معها باعتبارها تهديداً ينبغي احتواؤه، فلن يؤدي إلا إلى تأجيل الأزمات وإعادة إنتاجها بأشكال أكثر تعقيداً.
فالاستقرار الحقيقي لا يقوم على الصمت وحده، ولا يُقاس بغياب الأصوات المنتقدة، بل بمدى شعور المواطنين بأن حقوقهم مصانة، وأن كرامتهم محفوظة، وأن أبواب الإصلاح ليست موصدة أمامهم.
الأجيال الجديدة ليست نسخة من الأجيال السابقة
قد تختلف الأجيال البحرينية الجديدة عن سابقاتها في أدوات التعبير، وفي طريقة فهمها للسياسة، وفي قدرتها على الوصول إلى المعلومات ومقارنة التجارب. وقد لا تتبنى جميعها خطاب المعارضة التقليدية أو برامجها، لكنها تستطيع، في الوقت نفسه، أن تصل إلى مواقف نقدية مستقلة انطلاقاً من تجربتها اليومية.
وهذا ما ينبغي أن تدركه السلطة: ليس كل معارض عضواً في تنظيم، وليس كل ناقد متأثراً بقيادة سياسية، وليس كل شاب يطالب بالتغيير يتحرك وفق توجيهات أحد.
إن اختزال المجتمع في ثنائية الولاء والمعارضة يُفقِد السلطة القدرة على فهم التحولات الجارية داخله. فهناك مواطنون قد لا ينتمون إلى أي تيار سياسي، لكنهم يرفضون بعض السياسات، وهناك شباب لم يشاركوا في محطات الاحتجاج السابقة، لكنهم يطرحون أسئلة جديدة عن العدالة والفرص والمشاركة والمستقبل.
وإذا كانت السلطة ترى في اتساع هذه الأسئلة مشكلة، فإن واجبها ليس البحث عن جهة تلقي عليها اللوم، بل مراجعة السياسات التي جعلت هذه الأسئلة حاضرة في حياة الناس.
المسؤولية تبدأ من الحكم
لا يعني ذلك إعفاء المعارضة من مسؤوليتها عن خطابها وبرامجها وخياراتها، فكل قوة سياسية مطالبة بأن تكون واضحة في أهدافها، ومسؤولة في مواقفها، وقادرة على تقديم تصورات واقعية لمستقبل البلاد. لكن ثمة فرقاً جوهرياً بين مسؤولية المعارضة عن تطوير مشروعها السياسي، ومسؤولية السلطة عن إدارة الدولة ومعالجة أزماتها.
فالسلطة تمتلك أدوات القرار ومؤسسات التنفيذ والقدرة على تغيير السياسات العامة، ولذلك لا يجوز أن تتساوى مسؤوليتها مع مسؤولية قوى لا تمتلك الأدوات نفسها. ومن يتولى الحكم لا يستطيع أن يطالب المجتمع بتحمل نتائج إخفاقات لا يملك قرار معالجتها.
إن بناء الثقة يحتاج إلى خطوات ملموسة: معالجة الأزمات المعيشية، وتوسيع فرص الشباب، وترسيخ تكافؤ الفرص، واحترام الحريات العامة، وفتح المجال أمام المشاركة السياسية الجادة، والتعامل مع النقد بوصفه فرصة لتصحيح المسار لا ذريعة لمعاقبة أصحابه.
أما مطالبة الأجيال بأن تكون راضية قبل أن ترى تغييراً في واقعها، فهي مطالبة بوضع النتائج قبل الأسباب، وبانتظار الثقة من دون تقديم ما يستحقها.
الخلاصة أن السلطة لا تستطيع أن تصنع أسباب الاعتراض، ثم تتبرأ من نتائجها.
فإذا كانت الأجيال البحرينية الجديدة أكثر نقداً، وأكثر تمسكاً بأسئلتها، وأقل اقتناعاً بالخطاب التقليدي، فإن مواجهة هذه الحقيقة لا تكون باتهام المعارضة بأنها صنعتها، بل بفهم الظروف التي أسهمت في تشكيل وعيها.
إن المعارضة قد تعبّر عن الغضب، وقد تنظّمه، وقد تمنحه لغة سياسية، لكنها ليست بالضرورة مصدره الأول. وفي أحيان كثيرة، تكون السياسات الرسمية هي التي تمنحها حججها، وتوسّع قاعدتها الاجتماعية، وتدفع مواطنين لم يكونوا معارضين إلى إعادة النظر في مواقفهم.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن تواجهه السلطة البحرينية هو: ما الذي يجعل أجيالاً جديدة تصل، من تلقاء تجربتها، إلى الاقتناع بأن الواقع يحتاج إلى تغيير؟
ذلك هو السؤال الحقيقي، والإجابة عنه لا توجد في ملاحقة الأصوات الناقدة أو تحميل المعارضة مسؤولية كل أزمة، بل في مراجعة السياسات، وتصحيح الأخطاء، وإعادة الاعتبار لحقوق المواطن وكرامته.
فالأجيال لا تحتاج دائماً إلى من يدعوها إلى الاعتراض: أحياناً يكفي أن تعيش الواقع كي تبدأ بالسؤال. وحين يصبح السؤال عاماً، فإن تجاهله لا يوقفه، بل قد يحوّله إلى موقف أكثر رسوخاً.
فالسلطة التي تريد تقليص المعارضة لا تبدأ بمهاجمة المعارضين، بل بإزالة الأسباب التي تجعل الناس يعارضونها.