عاجل:

مستقبل المفاوضات بين إيران وأمريكا...بين فرص الانفراج وتحديات التصعيد

الإثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦
٠٧:٠٤ بتوقيت غرينتش
مستقبل المفاوضات بين إيران وأمريكا...بين فرص الانفراج وتحديات التصعيد تشهد مسألة مستقبل المفاوضات بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، نظرًا لما تحمله هذه العلاقة من تأثيرات مباشرة على أمن الشرق الأوسط، واستقرار أسواق الطاقة، وشكل النظام الدولي في مرحلة تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن يومًا علاقة ثنائية بسيطة، بل كانت على الدوام ساحة لتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية، وميدانًا لاختبار موازين القوة والدبلوماسية.

فعلى مدى العقود الماضية، تذبذبت المفاوضات بين طهران وواشنطن بين فترات انفتاح نسبي وفترات توتر حاد. هذا التذبذب لم يكن ناتجًا فقط عن الخلافات الجوهرية حول البرنامج النووي أو السياسات الإقليمية، بل أيضًا عن التحولات الداخلية في كلا البلدين. ففي إيران، تلعب التوازنات بين المؤسسات السياسية، والرأي العام، والاعتبارات الاقتصادية دورًا مهمًا في تحديد سقف المرونة التفاوضية. أما في الولايات المتحدة، فإن تغير الإدارات، وتبدل أولويات السياسة الخارجية، وضغوط الكونغرس والحلفاء، كلها عوامل تؤثر بعمق في مسار أي حوار محتمل.

عند النظر إلى المستقبل القريب، يمكن القول إن فرص استئناف المفاوضات أو تطويرها ستظل قائمة، لكنها ستكون محكومة بشروط معقدة. فمن جهة، تدرك إيران أن استمرار العقوبات الاقتصادية يفرض ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الوطني، ويؤثر في معيشة المواطنين، ويحد من قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد. ومن جهة أخرى، ترى الولايات المتحدة أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يحقق أهدافًا تتجاوز الملف النووي، ليشمل قضايا الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، وهو ما تعتبره طهران خطوطًا حمراء تمس سيادتها وأمنها القومي.

أحد السيناريوهات المحتملة لمستقبل المفاوضات يتمثل في العودة التدريجية إلى مسار دبلوماسي محدود، يقوم على خطوات متبادلة صغيرة تهدف إلى بناء الثقة. في هذا الإطار، قد نشهد تفاهمات جزئية تتعلق بتخفيف بعض العقوبات مقابل التزامات تقنية أو رقابية معينة. هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حلًا شاملًا للخلافات، لكنه قد يساهم في خفض مستوى التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل حساسية الأوضاع الإقليمية.

في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو الجمود الطويل، حيث تستمر الاتصالات غير المباشرة دون تحقيق اختراق حقيقي. هذا الجمود قد يكون مريحًا نسبيًا لبعض الأطراف التي ترى في إدارة الأزمة، بدل حلها، خيارًا أقل كلفة سياسية. إلا أن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر تراكمية، إذ إن أي حادث أمني أو تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى انهيار قنوات التواصل الهشة، ويفتح الباب أمام تصعيد يصعب احتواؤه.

العامل الإقليمي يشكل بدوره عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح المستقبل. فالتطورات في الشرق الأوسط، سواء ما يتعلق بالصراعات القائمة أو بجهود التهدئة والمصالحة، تؤثر بشكل مباشر في حسابات طهران وواشنطن. كما أن مواقف القوى الإقليمية الأخرى، التي قد ترى في أي تقارب إيراني-أمريكي تهديدًا أو فرصة، تلعب دورًا في تسريع أو إبطاء المسار التفاوضي. لذلك، فإن أي مفاوضات مستقبلية لن تكون معزولة عن السياق الإقليمي الأوسع.

على الصعيد الدولي، يزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. هذا الواقع يمنح إيران هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها تحديات تتعلق بتجنب التحول إلى ساحة صراع بالوكالة. أما الولايات المتحدة، فهي تسعى إلى إدارة ملف إيران ضمن أولويات عالمية متعددة، تشمل التنافس مع قوى أخرى، والحفاظ على تحالفاتها التقليدية، ومنع انتشار الأزمات.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مستقبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لن يكون خطيًا أو سهل التنبؤ. فهو مسار يتأثر بتفاعل عوامل داخلية وخارجية، وبقدرة الطرفين على تقديم تنازلات محسوبة دون المساس بجوهر مصالحهما. النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية بعيدة المدى تدرك أن البديل عن الحوار ليس الاستقرار، بل مزيد من عدم اليقين.

ختامًا، يبدو أن الخيار التفاوضي، رغم كل ما يحيط به من صعوبات، يظل أقل كلفة من خيارات التصعيد والمواجهة. فالتاريخ القريب يثبت أن الأزمات المعقدة لا تجد حلولًا دائمة إلا عبر الدبلوماسية والصبر الاستراتيجي. ومن هنا، فإن مستقبل المفاوضات سيعكس في النهاية مدى استعداد إيران والولايات المتحدة للانتقال من إدارة الخلاف إلى محاولة معالجته، في عالم لم يعد يتحمل أزمات إضافية.

بقلم سجاد عابدي الخبير في الشؤون الأمنية - لموقع العالم

0% ...

مستقبل المفاوضات بين إيران وأمريكا...بين فرص الانفراج وتحديات التصعيد

الإثنين ٢٣ فبراير ٢٠٢٦
٠٧:٠٤ بتوقيت غرينتش
مستقبل المفاوضات بين إيران وأمريكا...بين فرص الانفراج وتحديات التصعيد تشهد مسألة مستقبل المفاوضات بين إيران و الولايات المتحدة الأمريكية اهتمامًا واسعًا في الأوساط السياسية والإعلامية، نظرًا لما تحمله هذه العلاقة من تأثيرات مباشرة على أمن الشرق الأوسط، واستقرار أسواق الطاقة، وشكل النظام الدولي في مرحلة تتسم بتعدد الأزمات وتشابكها. فالعلاقة بين الطرفين لم تكن يومًا علاقة ثنائية بسيطة، بل كانت على الدوام ساحة لتقاطع الحسابات الإقليمية والدولية، وميدانًا لاختبار موازين القوة والدبلوماسية.

فعلى مدى العقود الماضية، تذبذبت المفاوضات بين طهران وواشنطن بين فترات انفتاح نسبي وفترات توتر حاد. هذا التذبذب لم يكن ناتجًا فقط عن الخلافات الجوهرية حول البرنامج النووي أو السياسات الإقليمية، بل أيضًا عن التحولات الداخلية في كلا البلدين. ففي إيران، تلعب التوازنات بين المؤسسات السياسية، والرأي العام، والاعتبارات الاقتصادية دورًا مهمًا في تحديد سقف المرونة التفاوضية. أما في الولايات المتحدة، فإن تغير الإدارات، وتبدل أولويات السياسة الخارجية، وضغوط الكونغرس والحلفاء، كلها عوامل تؤثر بعمق في مسار أي حوار محتمل.

عند النظر إلى المستقبل القريب، يمكن القول إن فرص استئناف المفاوضات أو تطويرها ستظل قائمة، لكنها ستكون محكومة بشروط معقدة. فمن جهة، تدرك إيران أن استمرار العقوبات الاقتصادية يفرض ضغوطًا كبيرة على الاقتصاد الوطني، ويؤثر في معيشة المواطنين، ويحد من قدرة الدولة على التخطيط طويل الأمد. ومن جهة أخرى، ترى الولايات المتحدة أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يحقق أهدافًا تتجاوز الملف النووي، ليشمل قضايا الصواريخ الباليستية والدور الإقليمي، وهو ما تعتبره طهران خطوطًا حمراء تمس سيادتها وأمنها القومي.

أحد السيناريوهات المحتملة لمستقبل المفاوضات يتمثل في العودة التدريجية إلى مسار دبلوماسي محدود، يقوم على خطوات متبادلة صغيرة تهدف إلى بناء الثقة. في هذا الإطار، قد نشهد تفاهمات جزئية تتعلق بتخفيف بعض العقوبات مقابل التزامات تقنية أو رقابية معينة. هذا السيناريو لا يعني بالضرورة حلًا شاملًا للخلافات، لكنه قد يساهم في خفض مستوى التوتر ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، خاصة في ظل حساسية الأوضاع الإقليمية.

في المقابل، لا يمكن استبعاد سيناريو الجمود الطويل، حيث تستمر الاتصالات غير المباشرة دون تحقيق اختراق حقيقي. هذا الجمود قد يكون مريحًا نسبيًا لبعض الأطراف التي ترى في إدارة الأزمة، بدل حلها، خيارًا أقل كلفة سياسية. إلا أن استمرار هذا الوضع يحمل مخاطر تراكمية، إذ إن أي حادث أمني أو تصعيد غير محسوب قد يؤدي إلى انهيار قنوات التواصل الهشة، ويفتح الباب أمام تصعيد يصعب احتواؤه.

العامل الإقليمي يشكل بدوره عنصرًا حاسمًا في رسم ملامح المستقبل. فالتطورات في الشرق الأوسط، سواء ما يتعلق بالصراعات القائمة أو بجهود التهدئة والمصالحة، تؤثر بشكل مباشر في حسابات طهران وواشنطن. كما أن مواقف القوى الإقليمية الأخرى، التي قد ترى في أي تقارب إيراني-أمريكي تهديدًا أو فرصة، تلعب دورًا في تسريع أو إبطاء المسار التفاوضي. لذلك، فإن أي مفاوضات مستقبلية لن تكون معزولة عن السياق الإقليمي الأوسع.

على الصعيد الدولي، يزداد المشهد تعقيدًا مع تصاعد المنافسة بين القوى الكبرى. هذا الواقع يمنح إيران هامشًا أوسع للمناورة الدبلوماسية، لكنه في الوقت نفسه يفرض عليها تحديات تتعلق بتجنب التحول إلى ساحة صراع بالوكالة. أما الولايات المتحدة، فهي تسعى إلى إدارة ملف إيران ضمن أولويات عالمية متعددة، تشمل التنافس مع قوى أخرى، والحفاظ على تحالفاتها التقليدية، ومنع انتشار الأزمات.

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن مستقبل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة لن يكون خطيًا أو سهل التنبؤ. فهو مسار يتأثر بتفاعل عوامل داخلية وخارجية، وبقدرة الطرفين على تقديم تنازلات محسوبة دون المساس بجوهر مصالحهما. النجاح في هذا المسار يتطلب إرادة سياسية حقيقية، ورؤية بعيدة المدى تدرك أن البديل عن الحوار ليس الاستقرار، بل مزيد من عدم اليقين.

ختامًا، يبدو أن الخيار التفاوضي، رغم كل ما يحيط به من صعوبات، يظل أقل كلفة من خيارات التصعيد والمواجهة. فالتاريخ القريب يثبت أن الأزمات المعقدة لا تجد حلولًا دائمة إلا عبر الدبلوماسية والصبر الاستراتيجي. ومن هنا، فإن مستقبل المفاوضات سيعكس في النهاية مدى استعداد إيران والولايات المتحدة للانتقال من إدارة الخلاف إلى محاولة معالجته، في عالم لم يعد يتحمل أزمات إضافية.

بقلم سجاد عابدي الخبير في الشؤون الأمنية - لموقع العالم

0% ...

آخرالاخبار

بزشكيان: الشعب الإيراني الصامد سيظل مدافعاً عن وطنه ومبادئه دائماً


تراجع احتياطي النفط الأمريكي لأدنى مستوى منذ 1982


الرئیس بزشكيان يتوجه الى نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة


عراقجي: بالمقارنة مع الجرائم التي ارتُكبت، حيث قُتل 168 طفلاً بريئاً عمداً في لحظة، فإن هذه الدول لا تُصدر حتى إدانةً بسيطة


الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبيل توجهه إلى نيويورك: سنستعرض في الأمم المتحدة الجرائم التي تعرض لها الشعب الإيراني


بعد وصوله نيويورك.. عراقجي يتباحث هاتفيا مع الأمين العام للأمم المتحدة


حرس الثورة الاسلامية: تقنيات الغواصة المسيرة الأمريكية ستخضع للهندسة العكسية


الرئيس الإيراني قبل مغادرته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة: الجمعية العامة للأمم المتحدة فرصة لإيصال رسالة الشعب الإيراني إلى العالم


عراقجي: تعتبر بعض الدول نفسها ودولها التابعة في مأمن من المساءلة؛ ولذلك، نشهد اليوم أن أيدي نظام إجرامي كالكيان الصهيوني مفتوحة تمامًا لفعل ما يحلو له


عراقجي: وللأسف، تلتزم الدول الغربية والأوروبية، التي تُعتبر نفسها حامية حقوق الإنسان والحقوق الإنسانية، الصمت إزاء هذا الوضع