لا مبرر للاستعانة بحلف الناتو في بلادنا مهما كانت الأسباب، لأنه حلف محارب لأمتنا العربية والإسلامية، ولديه أطماع استعمارية لا حدود لها في بلادنا، ولان الاستعانة به لا تعني سوى تفويض أمورنا وشئوننا الداخلية والخارجية إليه، ومنحه فرصة لتحقيق مآربه الاستعمارية وإعادة صياغة منطقتنا بالطريقة التي تحقق المطامع الصهيونية والغربية والأمريكية.
إن الاستعانة لا يمكن تبريرها إلا إذا كانت بجهة محايدة، أو حليفة لنا، أو تمثل المجتمع الدولي برعاية نظام دولي حريص على حماية المظلومين وإنصافهم ونشر السلام في العالم. أما ما يحدث الآن في ليبيا، وهو مرشح لأن يحدث في دول عربية أخرى مثل سوريا ولبنان، فهو استعانة بجهة تسيطر بالقوة على المجتمع الدولي من أجل تحقيق أطمعاها الاستعمارية.
فنحن عندما نستعين بحلف الناتو، لا نستعين بجهة محايدة بريئة، وإنما نستعين بحلف محارب أستباح أرضنا وحرماتنا في العراق وليبيا وأفغانستان ولبنان وفلسطين وغيرها، متذرعاً أحياناً بمحاربة القاعدة، وأحياناً أخرى بالحرب على الإرهاب، وهو يحرص دائماً على حماية الكيان الصهيوني. ولا يزال هذا الحلف الشرير يطمع في سفك مزيد من دمائنا وغزو مزيد من بلادنا وتمزيق أمتنا إرباً إرباً ونهب ثرواتها والتمكين للكيان الصهيوني. ولذلك من الحماقة والخيانة أن نتعامل مع الولايات المتحدة، وهي التي تقود هذا الحلف وتسخره في تحقيق أطماعها والنيل من أمتنا، على أنها صديقة لنا أو أنها حريصة على الديمقراطية والحريات الإنسانية في بلادنا! فهي حريصة فقط على تمزيق أمتنا ونهب ثرواتها وتدمير حضارتها.
كما أن الاستعانة يجب ألا تؤدي إلى تعيين أنظمة حكم عميلة للغربيين والأمريكيين والصهاينة في بلادنا، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، ولا إلى زيادة النفوذ الأمريكي والغربي في منطقتنا، ولا إلى تمكين الأعداء من بلادنا ورقاب شعوبنا العربية، أو إلى تغيير واقع عربي سيئ بواقع أسوأ. فإذا كانت الشعوب العربية عاجزة عن تغيير واقعها السيئ بنفسها، فإن التغيير في هذه الحالة يتحول إلى تهلكة، إذ كيف تستطيع هذه الشعوب التحرر من أذناب الأمريكيين وهي تمد يدها إليهم سائلة الأموال والمساعدات! لقد أصبت بالصدمة عندما علمت أن أكثر من 600 منظمة مصرية قدمت طلبات للحصول على مساعدات أمريكية، فما قيمة الثورة والتغيير إذا بقيت يد التسول العربية ممدودة إلى مصاصي دماء البشر الأمريكيين والغربيين! إن مما لا شك فيه أننا إذا لم نغير أنفسنا، فإننا لن نغير واقعنا المأساوي، وسنظل نتسول ونتوسل إلى أعدائنا، وسنبيع كرامتنا وأوطاننا وأنفسنا.
إن أمتنا العربية عندما تستعين بحلف الناتو لا تفعل ذلك من ضعفها، فهي أمة قوية، ولكنها تفعل ذلك لأنها تفتقر إلى القيادة الواعية والحكيمة، فهي كالسفينة التي تبحر في محيط مائج دون قبطان، أو كالطائرة التي تحلق في السماء دون ربان، أو كالجسد الذي يتحرك دون رأس. كل ذلك يجعلني أقول إن ما يحدث اليوم لأمتنا العربية يدل على أنها فاقدة للوعي، أو مخدرة العقل، أو مصابة بالشلل الرباعي، أو كل هذا جميعاً. إن نجاح التغيير في بلادنا العربية يقاس بمدى تخلصنا من النفوذ الأمريكي والغربي، وبمدى رفضنا للكيان الصهيوني وكل ما يتعلق به من معاهدات أمنية واقتصادية وسياسية، وبمدى اهتمام الشعوب العربية بقضيتهم المركزية، وهي قضية فلسطين، التي استولى عليها الصهاينة بمساعدة الأمريكيين والغربيين ليستولوا على أمتنا كافة، وليحولوا دون وحدتها ونهضتها، وليدمروا حضارتنا وثقافتنا وديننا.
ولذلك، لا بد من الخروج من حالة التردد العقيم وحسم موقفنا الشعبي، العربي والإسلامي، من قضية تدخل الناتو في بلادنا وتدميرها وتمزيقها بسلاح اليهود والصهاينة والصليبيين الجدد، ولا بد من العمل على عدم تكرار ما حدث في ليبيا في سوريا ولبنان، فالصمت لا يجدي، بل يدمر أمتنا، والحماقة لا تغير واقعنا إلا إلى ما هو أسوأ منه وأكثر مأساوية وكارثية.