تحاول الولايات المتحدة تحدي إعصار التغيير العربي وتطويقه أثناء مروره بمصر، لتحول دون تقدمه وانتقاله – بعد الإطاحة بنظام مبارك – إلى دول عربية أخرى تحكمها أنظمة مستبدة فاسدة تدين لواشنطن بالتبعية والولاء وتخضع لنفوذها ، وذلك عبر الالتفاف على أهداف الثورة المصرية من جهة ، ومن جهة أخرى إقناع الأحزاب المصرية وخصوصاً الإخوان المسلمين بإنهاء الثورة والدخول في مفاوضات مع نظام مبارك قبل خلعه في مقابل إجراء تعديلات شكلية محدودة عليه .
لا يمكن عند الحديث عن الثورة الشعبية المصرية تجاهل محاولات الولايات المتحدة الأميركية لإجهاضها ، ولا يمكن إغفال دورها في إفشالها، فالإدارة الأميركية نفسها لا تنكر قلقها الشديد مما يجري في مصر والمنطقة العربية ، ولا تخفي حرصها على إنقاذ نظام مبارك بطرق ملتوية . ولا يمكن لمن يتابع الأحداث التي تجري في مصر أن ينكر تدخل الإدارة الأميركية فيها . وقد حرك الأميركيون اليوم قطعاً من أسطولهم الحربي السادس نحو البحر الأحمر ؛ حسبما اوردت صحيفة " لوس أنجلوس تايمز " تحسباً لأي طارئ ، وربما استعداداً للتدخل العسكري ، ولمنع إغلاق قناة السويس في وجه سفنها ؛ كما صرح بذلك قبل يومين الجنرال "جيمس ماتيس" قائد القيادة المركزية الأميركية .
التحدي الأمريكي لإعصار التغيير العربي يتمثل في العمل على جبهتين في آن واحد ؛ إنقاذ نظام مبارك ، و إفشال تجربة الثورة المصرية العظيمة .
فعلى الصعيد الأول ، تريد الولايات المتحدة قطع الطريق على الشعب المصري العظيم في مسعاه للتحرر من النظام الحاكم بالتبعية العمياء لها ، وأمام إقامة نظام وطني صالح يحترم كرامة الشعب المصري ، ويمثل إرادته الحقيقية ، ويسعى إلى تحقيق تطلعاته وطموحاته وأهدافه الوطنية ، ويعيد مصر إلى مكانتها الإقليمية التي تليق بها . ولذلك تتدخل الولايات المتحدة في أحداث مصر من أجل تغيير شكل نظام مبارك والإبقاء على جوهره وأزلامه الموالين لها والخاضعين لإملاءاتها وأخطرهم عمر سليمان .
ويعبر الأميركيون عن موقفهم هذا بقولهم إنهم يريدون انتقالاً سلسا للسلطة ، وتشاركهم في هذا الموقف بريطانيا وألمانيا .
وعلى الصعيد الآخر ، تحرص الولايات المتحدة على إفشال تجربة الثورة الشعبية المصرية ، كي لا تصبح محفزاً للشعوب العربية الأخرى ودافعاً لها من أجل تحقيق طموحاتها في التغيير عبر ثورات تجتث الأنظمة المستبدة والشمولية من جذورها . وبعبارة أخرى، تسعى الولايات المتحدة بكل الوسائل – القذرة – إلى منع انتقال إعصار التغيير العربي إلى دول عربية أخرى خاضعة لنفوذها .
في هذا الصدد ، يحاول نظام مبارك ، ومن وراء الكواليس الإدارة الأميركية ، إضفاء صفة العنف والهمجية على الثورة المصرية عبر إطلاق العنان للغوغائيين والبلطجية واللصوص والمخربين للنهب والعربدة والسرقة والتخريب في الممتلكات الخاصة والعامة ، وكذلك إخراج الثورة الشعبية المصرية من طور السلم والعصيان المدني المشروع إلى طور العنف والفوضى العارمة التي يحرص نظام مبارك على إشعالها ، وذلك لتشويه الثورة ودفع الشعب العربي إلى الإحجام عن تأييدها واتخاذها نموذجاً للتغيير في تحقيق طموحاته ، ولتبرير قمع الأنظمة المستبدة والفاسدة لها . ويحاولون استفزاز المتظاهرين عن طريق أعمال البلطجة مثل الدهس والقنص والاعتداء بالسلاح الأبيض والهجوم عليهم باستخدام البغال والإبل .
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن تصريحات البيت الأبيض حول حماية المتظاهرين من الاعتداءات ما هي إلا وسيلة مكشوفة لذر الرماد في العيون وإخفاء الصورة الحقيقية المقززة للولايات المتحدة .
وحتى تنجح الثورة المصرية في إفشال التآمر الصهيوأميركي والغربي عليها ، لا بد للأحزاب والقوى السياسية المصرية من رفض خفض سقف مطالب الشعب وعدم التنازل عن شرط خلع مبارك وإسقاط نظامه وإجباره على الرحيل صاغراً ، وليس طالباً للعلاج في دول غربية . فالجلوس على طاولة المفاوضات مع نظام مبارك في حد ذاته يمثل ضربة لطموحات الشعب المصري الثائر، ومطب خطير لثورته ، وطوق نجاة لنظام مبارك مهما اختلفت الأقنعة التي يظهر بها أمام الناس . كما لا بد من الانتباه إلى أن الأميركيين يحاولون الآن شق صف الأحزاب والقوى السياسية المصرية بين مصرة على رحيل مبارك وإسقاط نظامه قبل النظر في عرض التفاوض معه ، وهي الأكثر شعبية وحضوراً ، وبين مؤيدة للتعديلات الشكلية التي يقترحها نظام مبارك وتؤيدها الولايات المتحدة وموافقة على التفاوض مع النظام قبل رحيله .
ولذلك فإن من الحكمة التوحد على مطلب واحد على الأقل في هذه المرحلة ، وهو خلع مبارك ونظامه ، فعدم خلع مبارك هدف مهم للتدخل الأميركي في أحداث مصر ، فالأميركيون لا يريدون استمرار مبارك في الحكم ، ولكنهم في الوقت ذاته يرفضون نجاح الثورة المصرية في خلعه ، لأن هذا النجاح سيحفز الشعوب العربية الأخرى على تغيير أنظمتها الفاسدة والمستبدة والخانعة للأميركيين ، تماماً كما تحاول الولايات المتحدة منذ سنوات عديدة إفشال خيار المقاومة لحل قضية فلسطين ومحق كل إنجازات المقاومة في مقابل تعزيز خيار التسوية الاستسلامية وفريقها .
كما يحاول نظام مبارك والولايات المتحدة ومن يروج دعاياتهما تثبيط عزيمة الشعب المصري عن الاستمرار في ثورته ، وذلك عبر الادعاء بأن الاقتصاد المصري يخسر مليار دولار أميركي كل ثلاثة أيام . وللرد على مثل هذه الحسابات السخيفة ، فإن كرامة الإنسان المصري لا تخضع لحسابات الربح والخسارة الاقتصادية ، فما قيمة للإنسان إن لم يعش حراً كريماً . والشعب المصري الذي يضحي بأرواح أبنائه وبدمائهم ، لا يهمه الآن الخسارة الاقتصادية وهو يخوض عملية التحرر من الظلم ، فما يهمه الآن هو التخلص من نظام مستبد وفاسد هو بمثابة جرح نازف في جسم الشعب المصري منذ ثلاثين عاماً .
وأين كان هؤلاء الذين يتظاهرون بالحرص على الاقتصاد المصري طيلة ثلاثين عاماً من الفساد والخسائر على جميع الصعد !
بقلم - محمد اسحق الريفي