قليلة هي الدراسات التي خصصت لتصورات المفكر فرانز فانون حول مستقبل القارة الإفريقية ثقافة وسياسة، ومجتمعات. فالبعد الإفريقي في إنتاج فانون بارز في مؤلفاته ذات الطابع الفكري النظري والعملي، ويمكن المجازفة بالقول بأن فرانز فانون يملك نظرية مبعثرة في كتاباته، هنا وهناك، وهي تصلح بعد لمّ عناصرها أن تكون بمثابة برنامج عمل فكري للقارة الإفريقية.
ففي كتابه "جلود سوداء، أقنعة بيضاء" يطرح فانون مشكلة اللغة الكولونيالية وتأثيراتها على صياغة التبعية الوجدانية والثقافية للبلدان المستعمرة، أو تلك المستقلة التي تتشبث بلغات المراكز الاستعمارية سابقا، والمهيمنة لاحقا. وفي كتابه "معذبو الأرض" يطرح قضية الثقافة الوطنية في البلدان الإفريقية، ومشكلات ومخاطر الإنغلاق، أو النكوص إلى الماضي البعيد، وقيمه واعتبارها النموذج النهائي.
أما في كتابه "من أجل إفريقيا"، فإنه يناقش مشكلة التبعية والعنصرية، ويقدم دعما لمشروع بناء الوحدة الإفريقية، كما يحلل السبل المؤدية لإحداث فك الإرتباط بمضامين الاستعمار. وفي هذا الإطار يوضح بأن عمليات فك هذا الإرتباط مسألة كلية ومركبة، وليست جزئية، أو إصلاحية سطحية "إنه ليس في الإمكان الإنفصال عن الاستعمار إن لم يتم في الوقت نفسه الإنفصال عن الفكرة التي يكونها المستعمر عن نفسه من خلال عصارة الثقافة الاستعمارية". بمعنى أن التخلص من الشكل الخارجي للإستعمار لا يحل المشكلات، ولا يؤدي إلى التحرر الحقيقي، بل إن عملية التحرر على هذا المستوى السطحي تبقى غير عميقة، ولا تمس الجوهر.
إن أطروحة "الإنفصال عن الفكرة التي يكونها المستعمر عن نفسه من خلال عصارة الثقافة الاستعمارية" متعددة الأبعاد والعناصر الفلسفية والمادية والإدارية، وكذلك الأيديولوجية الاقتصادية التي تمثل المحتوى الكولونيالي، أو الشخصية الكولونيالية القاعدية.
نقض الثقافة الكولونيالية
بالنسبة لـ"فانون"، فإن الكولونيالية ليست مجرد احتلال جغرافي، أو إحلال نظامها الاقتصادي الرأسمالي محل نموذج الاقتصاد الإفريقي المؤسس تاريخيا ووجدانيا واجتماعيا على الأخلاقيات الجماعية المتميزة بالشراكة وبعدم التراتبية، وإنما هي في الجوهر ظاهرة ثقافية؛ فإحلال نظام اقتصادي كولونيالي محل النموذج المعرض للاحتلال، ثم للطمس يمهد له ثقافيا أولا، حيث إنه بتغيير القيم الثقافية تسهل فيما بعد الممارسات الهادفة إلى إلغاء شخصية البنيات الاقتصادية، وطرائق التنظيم المادي والاجتماعي.
منذ البداية يدعونا فانون إلى إعمال التفكير النقدي في البعد الثقافي "يستحق التفكير في بعض الثقافات المفروزة بكيفية انفرادية، كثيرا من الاهتمام. ومن بين التناقضات التي سجلها التفكير، في هذه القضية هو الرجة التي يحدثها رد فعل التحديدات الأنانية. فتلك التحديدات تحاول أولا تأكيد وجود كتلات بشرية دون ثقافة، ثم تحاول تحديد ثقافات متدرجة، ثم تطلع بنظرية النسبية الثقافية".
ويوضح فانون نتائج هذه التحديدات على مستوى الشخصية "إنها تبدأ بالإنكار المطلق للشخصية وتصل في آخر الأمر إلى نوع من الاعتراف الخاص المقيد. هذا هو التاريخ المجزأ والدامي الذي يجب علينا أن نستعرضه على مستوى الأصول الثقافية".
وهنا يلاحظ فانون ملاحظة مهمة متصلة بالهيمنة الثقافية التي تؤسس رويدا رويدا لمختلف أشكال الهيمنات الأخرى "ذلك أن التطور الفني الذي بلغ درجة رفيعة عند الكلتة الاجتماعية التي برزت بهذا الشكل يسمح لها أن تنظم السيطرة في جميع الميادين، وعلى هذا الأساس تعد عملية القضاء على الشخصية الثقافية ممثلة للجانب السلبي من عملية أضخم تهدف إلى الاستعباد الاقتصادي، بل والبدني".
إذا تأملنا هذا التحليل الذي يولي فيه فرانز فانون أهمية بالغة للبنية الثقافية، وللتطور الفني باعتباره ركنا جوهريا في لعبة الإخلال بالتوازنات بين المستعمر، وبين المستعمر في الحقبة الاستعمارية، فإنه يمكن لنا أن ننقل هذا المنظور إلى واقع العلاقات بين المراكز الغربية المسيطرة الآن وبين البلدان الموعودة بالأطراف منها الدول الإفريقية التي تتلقى التأثير تلو الأخرى.
فالسيطرة التي تمارسها هذه المراكز ليست مادية بحتة، وإنما هي سيطرة كلية حيث إن البدايات الأولى لظاهرة الهيمنة بدأت أشكال ثقافية، وفنية، وقيمية ومن بعد توسعت الرقعة لتشمل الشركات متعددة الجنسيات، وهلم جرا. يثير فرانز فانون قضية مهمة لا تزال تشغل مساحات كبيرة في النقاش الفكري المعاصر، وهي قضية النسبية الثقافية. إن نظرية النسبية الثقافية لها وجهان: فالوجه الأول سلبي يتمثل في الإصرار على تفوق ثقافة معينة بالنسبة إلى أخرى.
وبهذا الخصوص قد وجدنا كلود ليفي ستروس في كتابه "الفكر البري" ينتقد جان بول سارتر نقدا صارما وقويا جراء "التمييز بين البدائي والحضاري" الذي دافع عنه هذا الأخير في كتابه "نقد العقل الجدلي". وبهذا التمييز يعتقد سارتر بأن الثقافات البدائية أقل شأنا من الثقافات الغربية التي توصف غالبا بالثقافات البدائية أقل شأنا من الثقافات الغربية التي توصف غالبا بالثقافات العقلانية، إذا كان الأمر كذلك، فلماذا تورطت هذه الثقافات المدعوة بالعقلانية في ارتكاب المجازر، والجرائم، والإبادات في العديد من الفضاءات، وعلى وجه الخصوص في البلدان المستعمرة في العالم الثالث، أليست هذه الجرائم قمة اللاعقلانية؟
ولكن لنظرية النسبية الثقافية جانب منطقي وإيجابي، ويتمثل في اعتبار عقلانية الثقافات مسألة غير مطلقة، بل هي نسبية بمعنى أن الثقافة الفرنسية، مثلا، تتضمن عناصر عقلانية، وغير عقلانية أيضا، وينسحب هذا على مجمل الثقافات البشرية جمعاء. فالثقافة هي صورة للإنسان، ثم إن هذا الإنسان حيثما كان مكون من عناصر غريزة حيوانية غير عقلانية، ووعي عقلاني معا.
إن صورة الثقافة الإفريقية، أو لنقل بصيغة الجمع الثقافات الإفريقية، تصنف من قبل شرائح معينة بداخل المراكز الغربية بأنها بعيدة عن العلم والمنهج، بل إنها ذات مكونات دونية، وأسطورية وخرافية ترفض المعقولية، وتعادي العقل.
إن هذا ما يقصده فرانز فانون بالتحديدات التي "تحاول أولا تأكيد وجود كتلات بشرية بدون ثقافة"، وهي تحديدات عنصرية بالدرجة الأولى، وغير علمية أيضا. وهكذا ندرك دلالات الظاهرة التي تطفح إلى السطح وتتمثل في التوجه الغربي إلى تخصيص الدعم للبلدان الإفريقية للحفاظ على ثقافة الشعوذة والسحر، وكل ما يدعى بالأنماط الثقافية الغرائبية التي تجمد المجتمعات الإفريقية عند نقطة اللاعقل، وأكثر من ذلك فإن هذه الغرائبية السحرية والشعوذية كثيرا ما تمجد وتعد جزء أصيلا من الهوية الثقافية الإفريقية، وأحيانا توصف بأنها صفة ملزمة للعرق الإفريقي.
وبهذا الخصوص يرى فانون بأن هذا التوجه يخلق إنحرافات منها أنه قد "سبق للكتلة المضطهدة أن سلمت بقوة الحجة بأن مصائبها منجرة مباشرة من خصائصها العرقية والثقافية، وعن هذا الإقتناع يتولد مركب النقص، وحينئذ يحاول المضطهد أن يتخلص من هذا الوضع بإعلانه انضمامه غير المشروط للأساليب الثقافية الجديدة من جهة، وبإدانة أسلوبه الثقافي الخاص إدانة مطلقة" من جهة أخرى. وبذلك يتحقق الإنسلاخ الثقافي، ثم التماهي كلية مع ثقافة المراكز الغربية المسيطرة.
وفي الحقيقة فإن فرانز فانون يطرح مشكلة كبيرة جدا وينبغي الخوض فيها بقوة، وتحليلها نقديا، وتتمثل في البحث عن سبيل للتحرير الثقافي المزدوج في إفريقيا، أي التحرير من البنيات الثقافية الذاتية المتخلفة، والتحرير من التماهي غير الواعي، وغير المشروط مع الثقافات الكولونيالية، وما بعد الكولونيالية.
مشروع "أكرا" لإنشاء الولايات المتحدة الإفريقية
يولي فرانز فانون لقضية الوحدة الإفريقية اهتماما خاصا ومعبرا؛ ففي 24/ 12/ 1958م ذكّر قراءه بأن الغرب قد قرر في عام 1884م "اقتسام القارة الإفريقية"، وذلك في الاجتماع الذي انعقد ببرلين/ ألمانيا. ولقد رأى فانون في اجتماع أكرا/غانا بعد اجتماع باندونغ وبعد المؤتمر الإفريقي الآسيوي في القاهرة بداية لوضع خريطة طريق للوحدة الإفريقية.
وبهذا الخصوص كتب فانون قائلا "ولذلك قررت الشعوب الإفريقية" بعد باندونغ، والقاهرة أن "تجتمع في أكرا عاصمة غانا المستقلة، لتضبط تكتيك وإستراتيجية الكفاح على أساس تكوين ولايات متحدة إفريقية على المدى البعيد". ثم يضيف فانون ما يلي: "وقد أبت الجمهورية العربية المتحدة وتونس وغانا، والحبشة إلخ.. إلا أن توفد رجالا ونساء يشهدون ويؤكدون مساندة هذه الدول المطلقة لمختلف الشعوب المكافحة".
إن فكرة إنشاء الولايات المتحدة الإفريقية مرتبطة تاريخيا بالكفاح التحرري لدول القارة السمراء، وهو المشروع الذي دعمه فرانز فانون فكريا وعمليا من خلال مواقفه المطالبة بإزالة الاستعمار في إفريقيا.
*أزراج عمر