أحمد فوده- مركز النخبة للدراسات - القاهرة
الحرب الأخيرة .. يهودية الدولة وصهيونية الحلم
تتصاعد منذ فترة قضية الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية التي تصر عليها حكومة تل أبيب كشرط أساسي للاستمرار في المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين والتوصل إلى تسوية ما معهم.
ورغم الإعلان غير المباشر من قبل السلطة الفلسطينية للقبول بالشرط الإسرائيلي الجديد القديم، سواء عبر التصريحات التي أطلقها أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه الذي أكد أن المنظمة مستعدة للاعتراف بإسرائيل على أي شكل تريده مقابل خريطة أميركية لدولة فلسطينية في حدود عام 1967 تشمل القدس. أو تلك التي قالها الرئيس الفلسطينية أبو مازن والتي أكد فيها أن الاعتراف بيهودية الدولة الإسرائيلية أمر لا يهم السلطة الفلسطينية في شيء، مشيرا إلى أن "موقفنا اليوم أننا معترفون بإسرائيل، وإذا أراد الإسرائيليون تغيير ذلك عليهم أن يتوجهوا ويخاطبوا الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لأن هذا الموضوع ليس من شأننا"، متجاهلا العواقب الخطيرة المترتبة على هذا الأمر والتي في أقلها تتمثل في إلغاء حق العودة وطرد من تبقى من فلسطيني 48.
وبغض النظر عن موقف السلطة الفلسطينية المعروف سلفا من أي تنازل تطلبه إسرائيل، فإن الإصرار الإسرائيلي على بناء دولة يهودية خالصة للشعب الإسرائيلي لا يوجد فيها غير العنصر اليهودي فقط ومحاولة إجبار المحيطيين بهذه الدولة على الاعتراف بها هكذا .. دولة يهودية .. يثير هذا الإصرار علامات استفهام كبيرة تتعدى مسألة سعي إسرائيل الدائم للسيطرة على الأرض الفلسطينية وطرد سكانها الأصليين منها والعمل بشتى الطرق على عدم عودتهم إليها مرة أخرى.
فمنذ انعقاد المؤتمر الأول للحركة الصهيونية في مدينة بازل السويسرية قبل ما يزيد على 113 عاما وتحديدا في التاسع والعشرين من أغسطس 1897 والهدف الأول لهذه الحركة يتمحور حول بناء وطن قومي لليهود، يستطيعون أن يتطوروا فيه بشكل طبيعي .. لكن الأهم أن يحصلوا فيه على الأمن والأمان الذي فقدوه في مرحلة الشتات وفقا لما يدعون.
يقول دانيال غورديس نائب رئيس مؤسسة ماندل في مقالة كتبها بعد مرور حوالي ستة أشهر على الحرب العدوانية التي شنتها إسرائيل على لبنان في صيف العام 2006 بهدف القضاء على حزب الله وفكرة المقاومة التي يمثلها: "لا يجوز اعتبار إسرائيل مشروعا فاشلا. إن الدولة هي نجاح باهر، ولكني أعتقد مع ذلك أنها لا تعطي اليهود ما أمل به الصهاينة الأوائل. وإلى هذا بالذات يرجع جزئيا الاكتئاب القومي"، مشيرا إلى أن "الأيديولوجيين الصهاينة الأوائل وعدوا اليهود بأن تصبح الدولة اليهودية في حالة قيامها المكان الوحيد في العالم الذي يعيشون فيه في مأمن. وقد خيل فترة من الزمن وكأن الحركة الصهيونية وفت بوعدها. بيد أن صيف عام 2006 وضع حدا لهذا الوهم".
ويضيف أن "العديد من الإسرائيليين يتساءلون: لماذا بنينا بلدا وسط المستنقعات، وأرسلنا أبناءنا إلى القتال إذا فشلت الصهيونية ولم تبرر نفسها؟" ثم يجيب قائلا: "إن الهدف من إقامة إسرائيل لم يتمثل في الحصول على الدولة بعينها. وإنما في إعطاء هذا الأمل. وليس من قبيل الصدف أن الحركة الصهيونية ومن بعدها الدولة اليهودية تبنتا قصيدة بعنوان "الأمل" نشيدا لهما يعلن اليهود "شعبا حرا في أرضه التي هي أرض صهيون والقدس".
وهو لهذا لا يتردد في الدعوة إلى الدخول في حرب لا نهائية من أجل هذا الأمل حيث يقول في كتابه الصادر حديثا بعنوان: "إنقاذ إسرائيل: كيف يُمكن للشعب اليهودي أن يكسب حرباً قد لا تنتهي"، إنه على إسرائيل شن سلسلة لا نهاية لها من الحروب باعتبار أن تلك الحروب هي المنقذ في مواجهة الآخرين المحيطين بها الذين يسعون إلى القضاء عليها، مستشهدا بالتوراة والتلمود لإثبات أن إله اليهود كان يعاقبهم "إذا ما تلكئوا في مقاتلة جيرانهم أو في سفك الدماء".
ويؤكد بأن السلام سيكون خياراً انتحارياً للشعب اليهودي، واللاعنف هو "ترف" لا يستطيع هذا الشعب ممارسته، وأنه على كل الإسرائيليين أن يقبلوا الحقيقة بأن أطفالهم سيُدعون باستمرار إلى جبهات القتال.
وذلك لأنه إذا ما تحوّلت إسرائيل إلى دولة كبقية دول العالم الذي ينشد السلام فهذا يعني نهاية الصهيونية وتجلياتها المتمثلة في الدولة والكيان، ولذا فهو يرى ضرورة العمل على عدم تحول إسرائيل إلى دولة عادية لأنه حينها لن تستطيع تحقيق التميّز الذي يتطلبه صراع البقاء الإسرائيلي.
وربما هنا يمكن أن نتذكر ما قاله بن جوريون أول رئيس وزراء لإسرائيل، الذي دعا إلى حتمية أن يكون النصر حليف إسرائيل الدائم في أية مواجهة عسكرية تدخلها ضد أعدائها لأنها ستتجه للانهيار بعد أول هزيمة تلحق بها .. ذلك أن الكيان اليهودي يقتات على الحروب وسفك الدماء وهزيمته تعني أنه سيتحول إلى دولة عادية تطلب السلام.
وهذا ما أشار إليه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في خطابه عقب اغتيال عماد مغنية القائد العسكري للحزب، حيث أشار إلى أن تلك الهزيمة حدثت بالفعل في حرب العام 2006 بشهادة الإسرائيليين أنفسهم قبل غيرهم.
تلك الحرب التي قضت على الدور الذي كانت إسرائيل تلعبه لصالح الامبريالية الغربية ولم يتبقى سوى الكيان الذي يتجلى في صورة الدولة وهو يسير في طريقه إلى الاندحار خاصة في ظل التطورات التي تنتظر المنطقة والتي ستدفع إسرائيل إلى خوض حربها الأخيرة ضد أعدائها وفي المقدمة منهم حزب الله الذي أقسم أمينه العام أن تكون تلك الحرب هي الأخيرة التي تقضي على ما تبقى من الحلم الصهيوني وهو الكيان أو الدولة.
وربما من العجب أن نسمع رأيا مشابها من جنرالات إسرائيل، حيث أكد أحدهم في تصريحات صدرت في الشهور الماضية أن أية حرب قادمة مع حزب الله يجب أن تكون الحرب الأخيرة حيث ستستخدم تل أبيب فيها كل ما تملكه من قوة لسحق الحزب .. ذلك أن هؤلاء الجنرالات يعلمون جيدا أن هزيمة جديدة في حرب مع حزب الله تعني سقوط الدولة والكيان .. بعد سقوط الدور والحلم .. لذا فهم سيفعلون أي شيء لحدوث ذلك .. فهل ينجحون؟
بالتأكيد لن يستطيعوا تحقيق النجاح لأن عدوهم هذه المرة يختلف عن العدو الذي واجهوه طوال نصف قرن مضى حينما كان الجيش الإسرائيلي يستطيع إلحاق الهزيمة بعدة جيوش عربية في وقت واحد بالضربة القاضية كما حدث في العام 1967 ..
ربما هنا يمكن أن نفهم أسباب الحرص الإسرائيلي على عدم التصعيد مع كل حادثة تقع في جنوب لبنان أو حتى في قطاع غزة خوفا من اندلاع الحرب الأخيرة التي تخشاها لأنها تعلم مصيرها جيدا ..
فعندما أدّت المواجهة التي وقعت بين الجيشين الإسرائــيلي واللبناني في جنوب لبنان مؤخرا إلى مقتل ضابط من جيش الاحتلال، لم تصعد إسرائيل كما كانت تفعل بل تقدمت بشكوى رسمية إلى مجلس الأمن الدولي ضدّ لبنان وهو نفس في ردها على إطلاق المقاومة الفلسطينية من قطاع غزة الصواريخ والقذائف باتجاه جنوب إسرائيل، حيث توجهت مندوبة إسرائيل في الأمم المتحدة، إلى مجلس الأمن بشكوى ضدّ حماس، زاعمةً أنّها أطلقت القنابل الفوسفورية، المحرمّة دوليًا.
ذلك أن إسرائيل تعلم جيدا أن عدوها هذه المرة رغم أنه لا يملك جيشا نظاميا أو إمكانيات دولة قوية إلا أنه يملك إيمانا وقدرة غير عادية لتوجيه ضربة حاسمة إليها وتحقيق وعد زعيمه بتغيير مجرى الحرب القادمة وخارطة المنطقة، وعلى تحقيق "الانتصار التاريخي الحاسم".
لقد أصبحت إسرائيل تعيش في ظل متناقضات إستراتيجية تجمع ما بين حتمية الدخول في حروب مستمرة من أجل ضمان بقاءها وما بين استحالة تحقيقها الانتصارات التي تضمن عدم انهيارها في ظل موازين الرعب الجديدة التي حققتها المقاومة. والسؤال: إلى متى تستمر هذه التناقضات؟