محللون لـ"الاستقلال": "بلفور" جديد في انتظار الفلسطينيين
ما أشبه اليوم بالبارحة، "يعطى من لا يملك ما لا يستحق"، فقبل 93 عاما أطلق آرثر بلفور -وزير خارجية بريطانيا- وعده المشئوم ليعطي قيادة الحركة الصهيونية العالمية حقا بأن تكون فلسطين "وطنا قوميا لليهود" وليحل آلاف المهاجرين اليهود مكان أصحاب البلاد الأصليين وسط صمت العالم على هذه الجريمة، وما لحق بها من نكبات ومجازر، مثل: كفر قاسم ودير ياسين، وليس انتهاء بالعدوان البغيض على قطاع غزة وما تتعرض له الضفة الغربية والقدس المحتلة من عمليات تهويد وسرقة للتاريخ الإسلامي. واليوم، تجري خدعة دولية تحت رعاية أمريكية للسيطرة على ما تبقى من الأراضي الفلسطينية، لاسيما في القدس المحتلة التي تتعرض إلى أبشع محاولات التهويد عبر سياسة ممنهجة تمهيدًا لتثبيت سياسة الأمر الواقع القائم على الاحتلال وإعادة صياغة الخارطة الجغرافية والسياسية للمدينة، بل للمنطقة بأسرها.
ويرى محللون سياسيون أن ما تمر به القضية الفلسطينية هذه الأيام يشبه إلى حد كبير إرهاصات وعد بلفور 1917، حيث المؤامرات الكبيرة لتصفية القضية الفلسطينية تحت غطاء المفاوضات، ومسميات تبادل السكان والأراضي وغيرها.
وعد بلفور جديد
المتخصص بالشأن الصهيوني والمحلل السياسي عامر خليل، أوضح لـ"الاستقلال" أن وعد بلفور هو الذي وفّر البيئة السياسية والتحتية لإقامة مؤسسات كيان "إسرائيل" قبل أن تولد في العام 1948، وما سبق ورافق وتبع ذلك من مجازر ومذابح ارتكبتها الحركة الصهيونية وجيش الاحتلال ضد الشعب الفلسطيني. وقال خليل: "إن مرحلة ما بعد الوعد وحتى قيام "إسرائيل" شهدت أخطر موجات استجلاب عشرات آلاف اليهود إلى فلسطين ما بين الهجرتين الثالثة والخامسة".
وشدد خليل على خطورة سعي "إسرائيل" في الحصول على وعد جديد بالاعتراف بها كدولة يهودية، موضحا أن الخطورة تكمن في قبول الدول العربية والسلطة الفلسطينية بتصفية القضية الفلسطينية وإنهاء قضية اللاجئين، منوها إلى أن الجهود اليوم تسير في هذا الاتجاه، والكل مهيأ لذلك؛ لأن الطرف العربي ضعيف والوضع الفلسطيني متأزم بفعل الانقسام، وبذلك فإن الوحدة الفلسطينية تشكل ضمانة لعدم حدوث وعد جديد وإفشال المخطط الصهيوني الذي يتم بالتنسيق الكامل مع الولايات المتحدة الهادف لإنجاز وعد بلفور جديد.
استبعاد هجرة ثانية
وفيما يتعلق بسعي حكومة الاحتلال لتهجير فلسطينيي 48 حاليا، أضاف المحلل السياسي: "التهجير ليس هدفا فقط، بل مخطط صهيوني قائم منذ التفكير بإقامة دولة "إسرائيل" قبل الوعد وبعده"، منوها إلى أن الكيان الصهيوني قام على أنقاض تهجير 850 ألف فلسطيني عام 1948 بعد تدمير جزئي وكلي لـ 512 قرية فلسطينية تحول معظمها إلى مستوطنات وكيبوتسات.
وأوضح خليل أن فلسطينيي 48 الذين يشكلون 20% من سكان "إسرائيل" باتوا يشكلون أزمة وعقدة كبيرة سماها نتنياهو عام 2002 بالقنبلة الديمغرافية الموقوتة، مشيرا إلى أن جميع الخطوات الصهيونية تدفع باتجاه تهجيرهم طوعا عبر مخططات سياسية فيما يسمى تبادل السكان وتشريع قوانين على غرار قانون المواطنة والولاء؛ لنزع هويات الإقامة وبعد ذلك طردهم بالقوة في سياق حرب قادمة.
وفي الوقت ذاته أردف قائلا: "إن مثل هذه المخططات تبدو أكثر تعقيدا مما سبق، فهناك إدراك لهذه المخططات من جهة، وصعوبة في تنفيذها في عالم اليوم، حيث الإعلام المفتوح والحدود المغلقة وما قد تسفر عنه هذه الخطوة من أزمات مع الدول العربية المجاورة لها".
لا تهجير جديد
بدوره، يعتقد أستاذ العلوم السياسية والكاتب د.أحمد قطامش أن "إسرائيل" تدرك أن فلسطينيي 48 عقبة كبرى أمام المشروع الصهيوني الهادف لإضفاء صفة اليهودية الخالصة على دولة الكيان، "لذا وضعت ضمن أجندتها السياسية الرسمية طردا جماعيا للفلسطينيين". مستبعدا في الوقت ذاته حدوث هجرة ثانية لفلسطينيي 48، ومشيرا إلى أن "إسرائيل" تمهد لذلك وتسعى لانتزاع موقف فلسطيني مفاوض ولكن لن تنجح، لأن ذلك يتصادم مع الإرادة الفلسطينية التحريرية. كما نوه في حديثه لـ"الاستقلال" إلى الوحدة الشعبية لدى فلسطينيي 48 ورفضهم القبول بالتهجير بسهولة لاستكمال المشروع الصهيوني.
ويرى الكاتب قطامش أن وعد بلفور هو أحد الترجمات التي تعتبر امتدادا لـ"سايكس بيكو" بتجزئة المنطقة العربية، مشيرا إلى أن قيام دولة الاحتلال سنة 1984 جاء كارثة للشعب الفلسطيني باقتلاعه من وطنه، وأصبحت "إسرائيل" تتناقض مع النهوض العربي والمحيط الإقليمي.
وأضاف قطامش: "(إسرائيل) جسم غريب زرع في المنطقة بالقوة والقهر، أسستها بريطانيا وتحميها أمريكا الآن على جميع الأصعدة في مشروعها التوسعي الاستيطاني لابتلاع أراضي الفلسطينيين وطمس الهوية الفلسطينية وضرب المقاومة". واعتبر أن كل ما يردد حول سعي أوباما لإقامة دولة فلسطينية هو لعبة وخدعة أمام للعالم، لتستكمل أمريكا سياستها الامبريالية الاحتلالية في المنطقة.
وأكد د. قطامش على ضرورة تشبث الشعب الفلسطيني بحقوقه وذاكرته التاريخية وبخيار المقاومة بكل أشكالها وعدم قبول التطبيع والاعتراف بالغازي الصهيوني على أرض فلسطين، ونبذ الخلافات السياسية والبحث عن قواسم مشتركة، وتكوين مرجعية موحدة في الداخل والخارج للتحدث بلسان واحد.
التاريخ يعيد نفسه
ويوافقه الرأي المحلل السياسي والكاتب أكرم عطا الله، الذي قال لـ"الاستقلال": "إن الانقسام الفلسطيني شلّ الفلسطينيين وحال بينهم وبين التقدم أي خطوة للأمام ومخاطبة العالم، في ظل غياب البرنامج السياسي والإعلامي والاجتماعي والاقتصادي الموحد". مؤكدا على ضرورة إنهاء الانقسام وإيجاد إعلام فلسطيني وعربي يذكر العالم بالخطأ الذي ارتكبه عندما وهب فلسطين للكيان الصهيوني. ويرى عطا الله أن التاريخ يعيد نفسه ولكنه يختلف في التعبير، "فبلفور الذي لا يملك، أعطى من لا يستحق، واليوم توجد مؤامرة وتواطؤ وصمت عالمي لإعطاء الفلسطينيين دولة مستقلة"، وفق قوله.