عاجل:

قصة الخلود ...

الأحد ١٩ أكتوبر ٢٠١٤
٠٦:٢٦ بتوقيت غرينتش
قصة الخلود ...

عشيَّة نهضة الحسين(ع)، كانت ظروف الأمَّة تبعث على اليأس من إمكانيّة أيّ تغيير، إذ كانت تسود حالة من اللامبالاة تجاه القضايا العامَّة، وكان هناك استعداد لتقديس كلّ ما يصدر عن السّلطة، باعتباره أمير المؤمنين!
لقد مارس الحكم الأمويّ بمهارة وذكاء عمليّات غسیل الأدمغة، وكانت تنجح ببساطة، لأنّ النّاس كانت تتخلّى عن مسؤوليّاتها بسهولة... لماذا؟ لأنّ المجتمع الذي يبيع دينه بدنياه كرهاً أو طوعاً، طمعاً أو شهوة، لا يمكن أن يمارس فيه الأفراد مسؤوليّاتهم ويتحمّلوها.
معاوية وغيره من الحكّام الأمويّين لم يكن يتردّد في استعمال السّيف لإسكات الأصوات الّتي تحاول أن تدلّ على مواطن انحرافه.. هكذا قتل حجر بن عدي وعمرو الخزاعي وأصحابهما، رغم كونهما من صحابة رسول الله، لأنّهما رفضا أن يبيعا كلمة الحقّ بحفنة من الدّنانير.
مالك السكوني غضب لمصرع حجر وأصحابه، وخرج يهيّئ للثّورة، فأسرع معاوية وأرسل إليه مئة ألف درهم، فأخذها وطابت نفسه!
ومعاوية، ويزيد من بعده، راحا يعملان على أصحاب النّفوس الضّعيفة، وعلى أصحاب القناعات المهتزّة الّتي لا تقف على أرض صلبة. ويبدو أنّها كانت الشريحة الأكبر في ذلك الوقت. لقد شُخّص الدّواء لأزمة الأمّة، وعُرف مكمن الدّاء في جسدها وروحها، إذ عرف معاوية كيف يفقد النّاس الإحساس بكرامتهم بعد أن غرسها الإسلام فيهم، وجعل الأمّة مجتمعات مسكونة بالطّمع والأنانيّة والخوف، والسّعي في طلب الدّنيا، الدّنيا الّتي طالما حذّر منها أمير المؤمنين عليّ(ع).
في ذلك الوقت، كانت الفكرة هي تحييد الدّين عن الدنيا: "الصّلاة خلف عليّ أقوم، والطّعام عند معاوية أدسم، والجلوس على التّلّ أسلم". وفي ما بعد: السيوف في مكان والقلوب في مكان آخر... وهكذا أفرغ الحكم الأمويّ الإسلام من محتواه، ووظّف لهذه الغاية رواة أحاديث، ومفسّرين، ووعّاظ سلاطين، يغيّرون ويبدّلون، ويُروّجون ما يُنتج من أحاديث مزوّرة، ومن أخطر هذه الأحاديث، ما رُوي كذباً عن النبيّ(ص) أنّه قال: من رأى من أميره شيئاً يكرهه، فليصبر عليه، فإنّ من فارق الجماعة شبراً ومات، مات ميتة جاهليّة!
هذه حال أفراد الأمّة قبل كربلاء..
أمّا بعد كربلاء فالحال ستتغيّر، لأنّ دماً جديداً سيُضخّ في الشّرايين، صدمة جديدة حدثت في المشهد الإسلاميّ والمشهد الرّساليّ ككلّ، وفي تجربة الحكم الإسلاميّة، هذه التجربة الّتي كانت ستُشرعن فسادها لولا أن ثار الحسين الّذي سحب عنها بساط الشرعيّة..
اسمعوا ما كان الإمام الحسين(ع) قد كتبه إلى أشراف البصرة:
"أدعوكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه، فإنّ السنّة قد أُميتت، وإنّ البدعة قد أُحييت... وأسير بسيرة جدّي وأبي، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ، ومن ردّ عليّ هذا أصبر حتّى يقضي الله بيني وبين القوم بالحقّ"، فالقضيّة لم تكن محدودة بشخص الحاكم، إنّما بنهجه كلّه.
بعد كربلاء، وإذا نظرنا إلى الواقع، نرى أنّ التّاريخ سجّل لنا بعض المواقف الّتي فهمت المصيبة الّتي حصلت وأبعادها، ولكن نتوقّع أن هناك الكثير أيضاً من المواقف الّتي لم تصلنا، ولا سيّما أنّ المجرمين كانوا في الحكم، وكان شغلهم إسكات أيّ حسينيّ أو أيّ شخص يمتّ إلى عليّ بصلة، أو كلّ من يتحدّث بمنطق رسول الله الإصلاحيّ الّذي استلهمه الحسين(ع).. فالجماعة صار لديهم منطقهم الخاصّ وفلسفتهم الخاصّة الّتي تقوم على القسوة وعدم الرّحمة. يذكر المؤرّخون أنّ السّجون، وخصوصاً في الكوفة والبصرة، امتلأت بمن لهم مواقع تأثير من محبّي آل البيت.
المهمّ بعد كربلاء، أو بالأحرى خلالها، حصل انقلاب الحرّ الرّياحي على نفسه، إذ آثر أن يتخلّى عن الإمرة والجاه والمنصب، والمال وملذّات الحياة. وكم عانى وهو يخيّر نفسه بين موقفين: موقف يودي به إلى النّار، وآخر يرفعه إلى مصاف العليّين. اهتزّت قناعات الحرّ للحظات، وعندما استعاد توازنه، وقف على أرض صلبة.. كانت إرادته صلبة، وقد حرّرتها كلمات الحسين ومواقف الحسين من عبوديّتها، فخلع عن نفسه ثوباً ما كان يليق بروحه، وبدّل موقعه.
في نظر البعض، اختار الحر الصّفقة الخاسرة، وهذه هي حسابات المنافقين والانتهازيّين وصيّادي الفرص، وهذه حال أحد سادات الكوفة ورجالاتها، ويدعى شبث بن ربعي.
تصوّروا.. أنّ شبث كان ممّن كتب للحسين(ع) بالقدوم إليهم، لكنّ ظهور ابن زياد في الكوفة، واستشهاد سفير الحسين إلى أهلها، دفع شبث إلى أن ينقل البندقيّة من كتف إلى كتف. وفي الوقت الّذي كان الحرّ الرّياحي يختار الجنّة على النّار، كان شبث يقف على رأس أربعة آلاف مقاتل لمحاربة الحسين، كان شبث يلخّص حال الأمّة عشيّة كربلاء، أمّا الحرّ، فقد جسّد الموقف الّذي ستصنعه ثورة الحسين عند من يخرجون من شرنقة خوفهم وتردّدهم مردّدين:

لبّيك يا حسين، تلبية حقيقيّة واعية ومدركة لحجم التّضحيات.
ومن المواقف الّتي وصلتنا عن عبدالله بن عفيف الأزدي الغامدي، وكان كفيف البصر، وكان في عداد من كان في قصر ابن زياد، لرؤية الخوارج الّذين انتصر عليهم جيش أمير المؤمنين، حسب الأبواق والدعاية الأمويّة آنذاك..
وبدأ العرض بخطاب لابن زياد، حاول أن يمرّر فيه كذبة تخدع النّاس، إذ قال وهو يشير إلى رأس الحسين الّذي وضع أمامه: "الحمد لله الّذي أظهر الحقّ وأهله، ونصر أمير المؤمنين يزيد وحزبه، وقتل الكذّاب ابن الكذّاب الحسين وشيعته".
لم يستطع ذلك الرّجل أن يتحمّل افتراءات ابن زياد. كانت أخبار كربلاء، وكلمات زينب في أسواق الكوفة قد بدأت تفعل فعلها.

فيصرخ الأزدي في وجه الطّاغية: "يا بن مرجانة، إنّ الكذّاب ابن الكذّاب أنت وأبوك، ومن استعملك وأبوه، يا عدوّ الله، أتقتلون أبناء النبيّين، وتتكلّمون بهذا الكلام على منابر المؤمنين؟".
وبعد ثلاث سنوات من ثورة كربلاء، كانت الثورات تندلع وتتوالى، وتهزّ العروش. وصار الحسين مزاراً لكلّ من يريد التبرّؤ من الظّلم والطّغيان.وفي عهد المتوكّل العباسيّ، تم هدم قبر الإمام، وحرثت الأرض حوله، لمحوِ أيّ أثر له. لقد خاف المتوكّل من ظاهرة نموّ زيارة الحسين(ع)... وكم كان واهماً، فقد زاد التفاف النّاس حول الحسين، لأنّه جعل مقامه في كلّ قلب يتطلّع إلى الحقّ والحريّة والعدل والحبّ والكرامة، وَصْيحة عبدالله بن عفيف الأزدي لم تكن الصّيحة اليتيمة الّتي أسقطت حاجز الخوف، فالحسين تحوّل إلى رمز، اخترق الزّمان والمكان، وصار له الامتداد الإنساني الّذي يلهم الأحرار والمفكّرين.
لقد نافس الحسين سلطة الأمويّين شهيداً أكثر بكثير ممّا نافسهم وهو حيّ، ودم الحسين بات يرعب الطّغاة، بعد أن تحوّل إلى نداء لا يكفّ عن التّذكير: حيّ على الفلاح، حيّ على خير العمل.
وإنّنا نرى اليوم ما فعلته كربلاء في أوطاننا، كانت الزّاد الرّوحيّ لمقاومة العدوّ، وما فعلته من قبل في الثّورة الإسلاميّة في إيران، حيث أعلنها الإمام الخمينيّ: كلّ ما لدينا من عاشوراء...

 

 

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

عيد الغفران اليهودي.. الغفران عن ماذا؟


الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد: 1,678 مستوطنًا اقتحموا الأقصى يومي 20 و21 سبتمبر


الهيئة المقدسية لمناهضة التهويد: إقتحامات الأقصى خلال الأعياد اليهودية هذا العام سجلت مستويات غير مسبوقة


وزير الطاقة الإيراني: العدو استهدف أكثر من 2000 بنية تحتية


إيران.. مستشار قائد الثورة محمد مخبر: أي مغامرة جديدة ستواجه رداً نادماً ومدمراً عسكرياً واقتصاديا


مدفعية الاحتلال الإسرائيلي تستهدف بلدة كفرتبنيت في جنوب لبنان


قصف مدفعي صهيوني استهدف المنصوري وصربين وعمليات تمشيط تجاه الخيام وصربين جنوبي لبنان


وزارة الصحة في قطاع غزة: إجمالي الشهداء 73,919 شهيدا و إجمالي الإصابات 174,977 مصابا منذ بداية العدوان


وزارة الصحة في قطاع غزة: إجمالي الشهداء 1,399 والإصابات 4,863 وحالات الانتشال 834 منذ وقف إطلاق النار (11 أكتوبر 2025)


وزارة الصحة في قطاع غزة: وصول 5 شهداء و 25 مصابا إلى مستشفيات قطاع غزة خلال الـ24 ساعة الماضية