ويشرح الشيخ خير الدين قرمان، المقرب من حزب العدالة والتنمية الحاكم، فتواه المثيرة للجدل كما يلي: «سألني الكثير من الأشخاص قائلين هل نستطيع توجيه من يربح المناقصات من الدولة والبلديات بشكل محق ومشروع إلى الجمعيات الخيرية حتى يساعدها؟ فكان جوابي كالتالي: من تشجعوه وتدفعوه إلى عمل الخير إن كان مسلما ولم يكن ليقدم هذه المساعدة لولا رغبتكم وأو يقدم هذه المساعدة مخافة ألا يربح المناقصات مرة أخرى، فإنه لن يأخذ أجرا عليه. غير أن بإمكان الجمعيات الخيرية أن تستفيد من ذلك شرط أن تكون مسجلة وشفافة، إذ لا يوجد هناك جبر أو ضغط من قبلها».
الإطار العام لهذه الفتوى هو أنه إن كانت هناك جهة ما تريد التقدم لمناقصة حكومية فإن رجل الدين المذكور يجيز للنافذين داخل الحكومة إلزام الجهة المتقدمة للمناقصة على تقديم تبرعات إلى جمعيات وصناديق خيرية تابعة لهؤلاء النافذين مقابل التعاقد معها.
وقصة الفتوى تعود بحسب إدريس إمين، من صحيفة راديكال، إلى الفترة التي كان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان رئيسا لبلدية اسطنبول، حيث أنه توجه إلى الشيخ قرمان بالقول: «يا خوجه أفندي، يجب أن نصبح أقوياء وندعم قضيتنا. هل نستطيع أخذ عمولة من الأشخاص الذين نعطيهم المناقصات؟» علما بأن قرمان نفى أن يكون أردوغان هو من طلب الفتوى شخصيا.
وأعادت صحيفة زمان، المقربة من الداعية الإسلامي (الخوجه أفندي) فتح الله غولن، تسليط الضوء على الفتوى المريبة، معتبرة أنها تعطي المشروعية لمن يبحثون عن إطار يؤطرون به الفساد والرشاوى. حيث أشار كاتب الصحيفة ممتازير توركونيه إلى عنصر الجبر في هذا التبرع، إذ أن المناقصة لن يربحها الشخص المعني إلا إن تبرع لجمعية خيرية معينة مقربة من النافذين في الحكم، رابطا الأمر بما سماه تقصير العدالة في التحقيق في مناقصتين عملاقتين، هما الجسر المعلق الثالث والمطار في اسطنبول، إضافة إلى ملابسات بيع قناة ATV وصحيفة صباح إلى مجموعة يملكها برات ألبيرق، صهر أردوغان.
وكان أردوغان قد حاول التملص من تهم تلقي الرشوة عبر تحوير مفهوم الرشوة نفسه، إذ قال في تصريح لقناة الجزيرة التركية: «عندما يتم الحديث عن الرشوة فأنا أفهم ما يلي: هل تم السطو على خزنة الدولة أم لم يتم السطو»، معتبرا أن الرشوة هي «الربح الذي يحققه موظف مع مدني».
أي بكلمة أخرى يريد أردوغان أن يقول أن المناقصات التي يربحها رجال الأعمال المقربون منه لا تعد رشوة كون من يقبض النقود منهم ليس موظفا وإنما صناديق وجمعيات تسمى بالخيرية. فعندما تكشف التحقيقات عن قيام بلدية اسطنبول بتعديل المخطط العمراني لقطعة أرض يملكها ملياردير وثيق الصلة بـأردوغان مقابل تبرعه بقطعة أرض ثانية لصالح جمعية يملكها بلال أردوغان نجل رئيس الوزراء، عندها لا يعتبر هذا رشوة وإنما عملا خيريا يثاب عليه أردوغان الابن بينما قد لا يثاب عليه رجل الأعمال.
ولربما يكون هناك سؤال هام عن الجمعيات والصناديق الخيرية التي تقبض هذه المساعدات؛ كيف تصرف هذه المساعدات وفي أي الأوجه تذهب؟ ولكن قبل هذا السؤال هناك سؤال آخر يتعلق بالمقدم الحقيقي للتبرع. أي إذا تقدم شخص ما لمناقصة، وألزمه أحد المسؤولين النافذين بالتبرع لجمعية خيرية معينة نظير ربحه هذه المناقصة، فمن جيب من يخرج التبرع؟.
من المعلوم في المناقصات أن المتقدم يعد جدولا بالتكاليف ليبدأ بناء عليه عملية التسعير وإعداد عرض السعر. وهكذا فإن التبرع للجمعيات الخيرية يكون بندا يضاف إلى التكاليف ومن ثم يزداد السعر المعروض وتزداد تكلفة العمل التي ستتحملها الدولة، ومن ثم فإن المقدم الحقيقي للعطاء هو الدولة نفسها، وليس رجل الأعمال.
وبالعودة إلى السؤال الأول حول ماهية هذه الجمعيات وأوجه صرف التبرعات، يستحضرني هنا مشهدان؛ أولهما طوابير المواطنين الذين يوزع عليهم الفحم والمعكرونة قبيل الانتخابات نظير انتخابهم لمرشحي حزب العدالة والتنمية؛ وثاني المشهدين هو شاحنات السلاح المتوجهة إلى سورية بتمويل من صناديق مقربة من النظام الأردوغاني.
وهنا لا يمكن إلا الاتفاق مع أردوغان في عبارة أطلقها، وإن قصد بها خصمه الداعية غولن، حيث قال: «هذه الحضارة (الإسلامية) رمت الأنبياء المزورين والعلماء فارغي المحتوى في مزبلة التاريخ، وستفعل ذلك أيضا. هذه الحضارة نبذت العلماء فارغي المحتوى كما ينبذ الجسد الفيروسات».