لم تعد الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي بحاجة إلى خوض الحروب المفتوحة وحدها لفرض إرادتهما على المنطقة. فحين تعجز القوة عن تحقيق الحسم، تتحول السياسة إلى سلاح، وتصبح المماطلة جزءاً من المعركة، ويغدو إبقاء الأزمات معلّقة وسيلة لإدارة الصراع بدل إنهائه.
في فلسطين ولبنان والعراق وسوريا واليمن وإيران، تتكرر المشهدية نفسها: أزمات تُدار ولا تُحل، مفاوضات تُفتح بلا أفق واضح، وضغوط تتصاعد كلما اقتربت الأطراف من استحقاقات سياسية يفترض أن تقود إلى حلول حقيقية. وفي خلفية هذا المشهد، تبدو واشنطن وتل أبيب متمسكتين بإبقاء المنطقة في حالة استنزاف دائم، بما يحفظ لهما هامش النفوذ والقدرة على فرض الشروط.
فالمسألة، في جوهرها، لا تبدو مجرد خلافات على ملفات منفصلة، بل صراعاً على مستقبل المنطقة ومن يملك قرارها. وحين تعجز المشاريع الخارجية عن فرض الهيمنة بالقوة المباشرة، فإنها تلجأ إلى أدوات أكثر تعقيداً: المناورة، المماطلة، العقوبات، الضغوط السياسية والاقتصادية، وإبقاء أبواب التسويات مفتوحة بالقدر الذي يسمح بإدارة الخصم واستنزافه، لا بالضرورة الوصول إلى تسوية عادلة.
من الحرب المباشرة إلى حرب الاستنزاف
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التفوق العسكري والمادي لا يعني بالضرورة القدرة على فرض الإرادة السياسية. فبالرغم من الفارق الهائل في الإمكانات، استطاعت قوى المقاومة في المنطقة، وفق هذا المنظور، أن تعرقل مشاريع الهيمنة وتفرض معادلات جديدة، وأن تمنع تحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة أمام القرار الأمريكي والإسرائيلي.
ومن هنا يمكن فهم التحول المتزايد من القوة الخشنة إلى أدوات الضغط والاستنزاف. فحين لا تكفي الحرب لتحقيق الأهداف، تصبح المفاوضات نفسها ساحة مواجهة، وتتحول المهل الزمنية إلى أوراق ضغط، ويصبح الانتظار جزءاً من الخطة، فيما يُترك الخصم أمام معادلة قاسية: تنازل الآن، أو دفع ثمن أكبر لاحقاً.
وهنا تحديداً تكمن خطورة المماطلة؛ فهي لا تعني غياب القرار، بل قد تكون هي القرار نفسه.
السلاح هو العنوان... والسيادة هي الهدف
ما يجمع بين المطالب الأمريكية والإسرائيلية تجاه عدد من دول وقوى المنطقة هو التركيز المتكرر على السلاح وقدرات الردع. فالمطلوب، بحسب هذا الطرح، ليس فقط تغيير سلوك سياسي هنا أو تفكيك قدرة عسكرية هناك، بل إعادة تشكيل موازين القوة بما يجعل المنطقة أكثر قابلية للنفوذ الخارجي.
وفي إيران، يتدرج الضغط من الملف النووي إلى القدرات الصاروخية وغيرها من عناصر القوة. وفي فلسطين، يبرز مطلب نزع سلاح المقاومة. وفي لبنان والعراق واليمن، تتكرر الدعوات بأشكال مختلفة إلى حصر السلاح وإعادة تعريف أدوار القوى التي تمتلكه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ماذا يبقى من السيادة إذا جرى تجريد الدول والشعوب من أدوات القوة التي تمنحها القدرة على الدفاع عن قرارها؟
فالقضية، وفق هذا المنطق، لا تتعلق بالسلاح وحده، بل بمن يملك قرار الحرب والسلام، ومن يحدد مستقبل المنطقة، ومن يمتلك القدرة على حماية ثرواتها وحدودها وقرارها السياسي.
إسقاط المقاومة... أم إسقاط موازين المنطقة؟
المعادلة تبدو أكثر وضوحاً عندما توضع الملفات المتفرقة في سياق واحد: إضعاف قوى المقاومة يعني، عملياً، إعادة رسم موازين القوة بما يخدم الطرف الأكثر تفوقاً عسكرياً وسياسياً.
ومن هنا، فإن معركة السلاح ليست منفصلة عن معركة السيادة، ومعركة فلسطين ليست بعيدة عن معركة لبنان، كما أن ما يجري في إيران أو العراق أو اليمن لا يمكن، وفق هذا الطرح، قراءته بمعزل عن الصراع الأكبر على شكل المنطقة ومستقبلها.
فإذا سقطت موازين الردع، تصبح المنطقة أكثر انكشافاً أمام الاحتلال والتدخل الخارجي، ويصبح القرار السياسي والاقتصادي والأمني أكثر عرضة للابتزاز. وعندها لا يعود الخطر محصوراً في خسارة معركة أو موقع، بل يمتد إلى الثروة والحدود والقرار والسيادة وحتى الحق في رسم المستقبل.
بين المقاومة والتنازل
في نهاية المطاف، تجد قوى المقاومة نفسها أمام خيار شديد الوضوح: الاستمرار في مواجهة الضغوط، عسكرياً وسياسياً وإعلامياً، أو القبول بشروط تُفرض تحت وطأة الحصار والتهديد والاستنزاف.
أما الضغوط العسكرية والإنسانية والاقتصادية التي تُمارس على شعوب المنطقة، فيمكن قراءتها، وفق هذا التصور، باعتبارها جزءاً من معركة أكبر هدفها دفع الخصوم إلى تقديم تنازلات لا يستطيع الضغط السياسي وحده انتزاعها.
وهنا تصبح المعركة أبعد من حدود السلاح. إنها معركة على من يملك القرار، ومن يرسم الحدود، ومن يحمي الثروة، ومن يكتب مستقبل المنطقة.
فالمماطلة ليست فراغاً سياسياً، والمفاوضات ليست دائماً طريقاً إلى السلام، والهدوء الذي يسبق التسويات ليس بالضرورة نهاية للصراع. أحياناً، يكون الهدوء مجرد مساحة لإعادة ترتيب أدوات الضغط.
وفي منطقة اعتادت أن تُرسم خرائطها على طاولات الآخرين، يبقى السؤال الأكبر: هل تُترك شعوب المنطقة لتكون موضوعاً للمفاوضات، أم تتحول إلى طرف يملك شروطه وقراره ومستقبله؟