عاجل:

اليمن... من خاصرةٍ رخوة إلى لاعبٍ يعيد رسم خرائط البحر الأحمر

الثلاثاء ١١ أغسطس ٢٠٢٦
٠٣:٥٣ بتوقيت غرينتش
اليمن... من خاصرةٍ رخوة إلى لاعبٍ يعيد رسم خرائط البحر الأحمر بقلم: د. أكرم شمص - لبنان

لو سأل أحدٌ خبراء السياسة قبل عشرين عاماً: هل يمكن لليمن، الدولة التي أنهكتها الحروب والفقر والانقسام، أن تصبح لاعباً يؤثر في الاقتصاد العالمي؟ لكان الجواب، في الغالب، بالنفي.

لكن التاريخ لا يصنعه الأقوياء فقط، بل تصنعه أحياناً الشعوب التي تعرف كيف تحوّل نقاط ضعفها إلى أدوات قوة.

وهذا ما حدث مع اليمن.

فالدولة التي كانت تُقدَّم للعالم بوصفها أزمة إنسانية، أصبحت اليوم رقماً لا يمكن تجاوزه في معادلات الأمن البحري والطاقة والتجارة الدولية.

إن ما جرى في اليمن لم يكن مجرد تطور عسكري، بل تحول فلسفي في مفهوم القوة ذاته.

لقد أثبتت الحرب أن الدولة لا تحتاج دائماً إلى أكبر اقتصاد، ولا إلى أقوى جيش، حتى تصبح مؤثرة، بل تحتاج إلى أن تدرك أين تقع في الجغرافيا، وكيف تستثمر هذه الجغرافيا في السياسة.

باب المندب... حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح

في كتب الجغرافيا، يُعرَّف باب المندب بأنه مضيق بحري يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.

أما في كتب الاستراتيجية، فهو أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي.

تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة العالم، كما تمر من خلاله ناقلات النفط والغاز القادمة من الخليج الفارسي نحو أوروبا، والبضائع الآسيوية المتجهة إلى قناة السويس.

ولذلك، فإن أي اضطراب في باب المندب لا يؤثر في اليمن وحده، بل يهز أسواق الطاقة، وأسعار الشحن، وسلاسل الإمداد العالمية.

ولهذا السبب، فإن القوى الكبرى لا تنظر إلى اليمن بوصفه دولة فقيرة، بل بوصفه مفتاحاً لإحدى أهم البوابات البحرية في العالم.

من الدفاع إلى الردع

في بدايات الحرب، كان اليمن يقاتل دفاعاً عن نفسه.

لكن مع مرور الوقت، تطورت قدراته العسكرية بصورة لافتة.

فانتقل من الدفاع داخل حدوده إلى امتلاك وسائل تمكنه من التأثير في البحر الأحمر، واستهداف السفن، وتهديد الموانئ، والوصول إلى منشآت نفطية بعيدة.

وهذا التحول غيّر طريقة تفكير خصومه.

فلم يعد السؤال:

كيف نهاجم اليمن؟

بل أصبح:

كيف نحمي الملاحة الدولية من تأثير اليمن؟

وهنا يكون ميزان القوة قد بدأ بالتغير.

صنعاء لم تعد تتحرك فقط باعتبارها حليفاً لطهران، بل باعتبارها لاعباً يمتلك حساباته الخاصة أيضاً.

فهي تدرك أن موقعها الجغرافي يمنحها أوراقاً تفاوضية لا تملكها دول أكبر منها مساحةً وسكاناً.

الرسالة إلى السعودية

لم تعد المواجهة اليمنية تقتصر على الحدود البرية.

فالرسائل العسكرية التي وُجهت إلى منشآت الطاقة السعودية خلال السنوات الماضية حملت مضموناً سياسياً واضحاً:

لا يمكن فصل أمن الخليج الفارسي عن أمن اليمن.

وهذا يعني أن أي مشروع اقتصادي ضخم في المنطقة، سواء كان متعلقاً بالنفط أو بالموانئ أو بالمدن الذكية أو بالسياحة، سيبقى بحاجة إلى استقرار البحر الأحمر.

ومن هنا، فإن اليمن أصبح شريكاً في معادلة الأمن، حتى لو رفض البعض الاعتراف بذلك.

البحر الأحمر... الجبهة التي لم تكن في الحسابات

عندما كانت الاستراتيجيات الأمريكية والإسرائيلية تُبنى قبل سنوات، كان الاهتمام الأكبر يتركز على الخليج الفارسي ومضيق هرمز.

لكن الحرب الأخيرة كشفت أن هناك جبهة أخرى لا تقل أهمية.

فإذا أُغلق هرمز، يمكن التفكير في بدائل بحرية.

أما إذا أصبح البحر الأحمر نفسه منطقة توتر، فإن البدائل تضيق كثيراً.

وهنا، لم يعد باب المندب مجرد ممر مساعد، بل أصبح مساوياً في أهميته لهرمز.

ولهذا، فإن اليمن فرض نفسه على خرائط القرار الدولي، ليس لأنه أصبح قوة عظمى، بل لأنه أصبح يمسك بمفتاح جغرافي لا يستطيع العالم تجاهله.

واشنطن أمام معضلة جديدة

الولايات المتحدة تستطيع إرسال حاملات الطائرات إلى البحر الأحمر.

وتستطيع تنفيذ غارات جوية.

وتستطيع حماية عدد من السفن.

لكن هل تستطيع ضمان أمن آلاف السفن التي تعبر سنوياً؟

الإجابة ليست سهلة.

فالتهديدات غير التقليدية، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ البحرية والزوارق السريعة، تجعل كلفة الحماية أعلى بكثير من كلفة الهجوم.

وهنا تتجسد واحدة من أهم قواعد الحروب الحديثة:

أحياناً، تصبح كلفة الدفاع أكبر من كلفة الهجوم.

إسرائيل واليمن... المسافة التي سقطت

في الماضي، كانت إسرائيل تنظر إلى اليمن بوصفه بلداً بعيداً.

لكن تطور القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة جعل المسافة الجغرافية أقل أهمية.

وأصبحت إسرائيل مضطرة إلى إدخال البحر الأحمر واليمن ضمن حساباتها الأمنية اليومية.

وهذا تطور استراتيجي كبير.

لأن أي توسع في عدد الجبهات يعني توزيعاً أكبر للموارد، وزيادة في الضغط على منظومات الدفاع، وإطالة في زمن الحرب.

هل يستطيع اليمن تغيير ميزان الحرب؟

من غير الواقعي القول إن اليمن وحده قادر على حسم الصراع الإقليمي.

لكن من الواقعي جداً القول إنه أصبح قادراً على تغيير كلفة هذا الصراع.

وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي.

ففي السياسة الدولية، لا يشترط أن تهزم خصمك حتى تؤثر في قراراته.

يكفي أحياناً أن تجعل كلفة تجاهلك أعلى من كلفة التفاوض معك.

وهذا ما يبدو أن اليمن يحاول فرضه.

الفلسفة الجديدة للقوة

لقد علّمتنا الحروب التقليدية أن القوة تُقاس بعدد الدبابات والطائرات.

لكن اليمن قدّم نموذجاً مختلفاً.

فالقوة في القرن الحادي والعشرين أصبحت أيضاً:

  • قدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي.
  • قدرة على تعطيل سلاسل الإمداد.
  • قدرة على فرض معادلات سياسية من خلال الجغرافيا.
  • وقدرة على تحويل الممرات البحرية إلى أوراق تفاوض.

وهذا التحول سيجعل كثيراً من الأكاديميات العسكرية تعيد النظر في تعريفها لمفهوم القوة.

هل أصبح اليمن جزءاً من النظام الإقليمي الجديد؟

هذا هو السؤال الأهم.

فإذا استمرت صنعاء في امتلاك القدرة على التأثير في البحر الأحمر، وإذا بقيت الحرب الإقليمية مفتوحة، فإن تجاهل اليمن في أي ترتيبات أمنية مستقبلية سيصبح أمراً بالغ الصعوبة.

وهذا يعني أن الدولة التي كانت تُستبعد من مؤتمرات رسم مستقبل المنطقة، قد تصبح أحد الأطراف التي لا يمكن تجاوزها في أي تسوية كبرى.

خاتمة الفصل

ربما لم ينجح اليمن في أن يصبح قوة عظمى.

لكنه نجح في شيء آخر أكثر أهمية.

لقد أجبر القوى العظمى على أن تضعه داخل حساباتها اليومية.

وهذا بحد ذاته إنجاز استراتيجي.

ففي التاريخ، ليست كل الدول التي غيّرت العالم كانت غنية أو كبيرة.

بل إن بعضها غيّر التاريخ لأنه كان يقف في المكان الذي لا يستطيع العالم تجاوزه.

واليوم، يقف اليمن على باب المندب...

ويقف العالم كله أمام السؤال نفسه:

هل تستطيع الجغرافيا، مرة أخرى، أن تهزم الحسابات العسكرية؟

0% ...

آخرالاخبار

قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر منزل فاروق رمضان بقرية تل بدعوى تنفيذه عملية إطلاق نار شهر يوليو الماضي


عشرات المصابين بقنابل غاز ورصاص العدو الإسرائيلي في قرية المغير شمال شرق رام الله بالضفة المحتلة


قوات الاحتلال تطلق الرصاص باتجاه الفلسطينيين خلال اقتحامها المتواصل لقرية تل جنوب غربي نابلس


قوات الاحتلال الإسرائيلي تطلق الرصاص الحي في قرية المغير بقضاء رام الله


قوات الاحتلال تجبر الصحفيين على الابتعاد عن منطقة سهل قرية المغير الشرقي في رام الله


قوات الاحتلال تطلق الرصاص المطاطي وقنابل الصوت على الصحفيين والمسعفين في قرية المغير برام الله


قوات الاحتلال تبدأ عمليات هدم في قرية عنزا جنوب مدينة جنين بالضفة الغربية


الأوضاع المضطربة في العالم ومسؤولية الحكومات والشعوب


عراقجي يهنئ بمناسبة التعيين الجديد للقادة الستة في القوات المسلحة


أقل من 300 مليون برميل.. الاحتياطي النفطي الأميركي عند أدنى مستوى منذ 1983


الأكثر مشاهدة

مصدر عسكري يمني: تجدد استهداف مراكز التحشيد التابعة للسعودية ومخازن أسلحته وغرف عملياته في المخا


وزير الدفاع الايراني بالوكالة: نعمل على احداث ثورة صناعية دفاعية


مدفعية الاحتلال تستهدف المناطق الشمالية الشرقية لمخيم البريج وسط قطاع غزة


مصادر إعلامية: استهداف سفينة قرب السواحل العُمانية


وسائل إعلام سورية: ما لايقل عن 9 انتهاكات ارتكبتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في محافظتي القنيطرة ودرعا خلال الـ24 ساعة الماضية


حصيلة جديدة لضحايا العدوان الإسرائيلي على لبنان


دوي صفارات الإنذار في العاصمة الأوكرانية كييف ومقاطعة كييف وعدد من المناطق الأخرى


"نيويورك تايمز": أدت 5 أشهر من الحرب مع إيران إلى خفض مخزونات الأسلحة الحيوية لدى الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها


هيئة شؤون الأسرى والمحررين: ارتفاع شهداء الحركة الأسيرة إلى 91 منذ بدء حرب الإبادة


مصادر فلسطينية محلية: قوات الاحتلال تعتقل 11 فلسطينيًا خلال اقتحامها قرية مراح رباح جنوب بيت لحم


"النجباء": عائدات بيع النفط العراقي تستلم من قبل أمريكا