(كل القلوب إلى الحبيب تميل
ومعي بذلك شاهد ودليل)
بدأت تباشير قدوم شهر ربيع الأول، الذي به ولدت الإنسانية، واستقرت رحمة الله في الأرض، وولد من أخجل نوره الشمس والقمر، ورفرفت الأرواح، وقد نفخت الروح بسيد الأرواح، وازداد نبض القلوب بمولد حبيب القلوب. فقد خلقنا الله، وجعل لنا قلوبا رسول الله نبضها، ومنحنا أجسادا ورسول الله هو الروح التي فيها، وأعطانا مقلًا ورسول الله ضياؤها، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله.
ومن عظيم حبه الذي قد شغف قلوب أمته في اليمن، ترى أن كل عام يكون الابتهاج والاستعداد للاحتفال بمولده فرحة، وكأنه أول احتفال، وهكذا في كل عام منذ عرفناه وآمنا به، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. فهم يعرفون أنه في ربيع الأيام والشهور ولد ربيع الأرواح والقلوب، وأنه في هذا التاريخ قد أينعت الشجرة المباركة، وطرحت ثمرتها المباركة، فتبركت ببركته الأرض، وهنأتها السماء، وغارت منها الجنان لعظيم ما تشرفت به، وقد ولد فيها سيد الثقلين وحبيب رب العالمين. وأضاءت الأرض، وأصبح نهارها نورا، وليلها نورا بولادة سيد النور. وتزينت المجرة، وازدانت الدنيا بميلاد سيد الكائنات وأشرف المخلوقات، محمد المحمود، صاحب الحوض المورود، واللواء المعقود، عليه من ربي أفضل الصلوات وأزكى التحيات، وعلى آله الأتقياء وأصحابه النجباء.
هذا هو اليمن، وهؤلاء هم أهل اليمن الذين لهم بحبه والاحتفال بمولده ما تعجز الألسن عن وصفه. ويحتار من حرم معرفة قدر هذا النبي في فهمه، وكيف لهم أن يفهموا وهم محرومون من معرفة فضله؟ ولو عرفوه حق معرفته، لهاموا بحبه وعشقه، ولعرفوا كم أهل اليمن في نعيم، وقد هاموا بحبه، وأدمنت ألسنتهم وقلوبهم الصلاة عليه. فتراهم في ذكرى مولده لا يتأخر منهم أحد، ولسان حالهم يقول: لبيك يا رسول الله، أينما كنا، وكيفما كنا، في سلم أو في حرب، في بيوتنا أو في جبهاتنا. فنحن نعرف أنك أنت أمننا في السلم، وأنت سلاحنا في الحرب، وأنت نور بيوتنا، وأنت قائد جبهاتنا، فكيف لا يكون حبك والاحتفال بمولدك هو أول اهتماماتنا، وسر سعادتنا، وإكسير قوتنا؟
فبالصلاة عليك نوصي جندنا، وبذكرك ندمل جراحاتنا، وبك ننتصر في حربنا، وبك نقوى رغم حصارنا.
سيدي يا رسول الله، أنصارك في اليمن ما تراجعوا عن حبك، وما نقضوا بيعتك منذ بايعوك. أنصارك في اليمن ما زالوا على عهدك، ما نكثوا عهدهم، فما زلت معشوقهم، وما زال ميلادك عيدهم، وما زال عدوك عدوهم.
ولن ترى في اليمن إلا ما تقر به عينك، فلك فيها رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولك في اليمن نساء فاطميات المعاني، زينبيات الصبر. ولك في اليمن من ما زال القرآن منهجهم ومدرستهم، وما زلت يا سيدي يا رسول الله حبيبهم وقائدهم ومرشدهم. ولك في اليمن من ما زالوا هم المجاهدين في سبيل الله، المدافعين عن حرمات الله، المعتزين بالله، غير الخائفين ولا المذعنين لأعدائك وأعداء الله، ليسوا بالمداهنين في قول كلمة الحق، ولا المتقاعسين عن إغاثة المظلومين ومجابهة الظالمين.
سيدي يا رسول الله، أنصارك في اليمن ما زال نفس الرحمن فيهم كما قلت عنهم، فأنفاسهم ما زالت تعشقك وتعشق مولدك، وتوالي من أمرت بموالاتهم، وتعادي من أمرت بمعاداتهم، وهم الأسود الضارية في وجه من حاربوا دينك، وفي وجه من لم يعرفوا قدرك.
فهذا هو العشق المحمدي، وأنت يا سيدي معشوقنا الأزلي، وحبنا الأبدي، فعليك منا الصلاة والسلام ما تعاقب الليل والنهار، وما سجع في أيكه الحمام، ولا جعله الله آخر العهد بيننا وبينك حتى نلقاك.