حين تُعلن الضمانات الدولية عن "وقف إطلاق النار"، يتبادر إلى أذهان العواصم الكبرى أن المدافع قد سكتت، وأن شلال الدم الفلسطيني قد توقف. غير أن الواقع الميداني في قطاع غزة، بعد مرور 300 يوم على سريان هذا الاتفاق المفترض، يكشف عن أكبر عملية تضليل استراتيجي وإنساني يشهدها القرن الحادي والعشرون. لقد حوّلت إسرائيل "الهدنة" برعاية أممية وصمت دولي إلى غطاء سياسي لإدارة الإبادة والتجويع بدم بارد، بعيداً عن صخب التغطيات الإخبارية المكثفة.
إن نظرة واحدة على الأرقام الحقيقية تُعرّي هذه "الهدنة المزعومة"؛ فخلال ثلاثمئة يوم من السكون الصوري، سجلت الميدانيات أكثر من 4,091 خرقاً عسكرياً مباشرًا، استُهدف خلالها القطاع في 272 يوماً، مما يعني أن غزة عاشت تحت القصف والتخوم المشتعلة في 90% من أيام الاتفاق. لم يتوقف حصاد الأرواح لحظة واحدة؛ حيث ارتفع ارتقاء الشهداء ليضيف أكثر من 1,254 شهيداً جديداً إلى القائمة، من بينهم مئات الأطفال والنساء، فضلاً عن إصابة ما يزيد على 4,100 جريح جديد، لتتجاوز الحصيلة التراكمية المأساوية أكثر من 73,000 شهيد و174,000 جريح.
ولم تقتصر الحرب الصامتة على البارود والحديد، بل امتدت لتخنق مليوني إنسان في شريط ساحلي ضيق لا يتجاوز 30% من مساحة القطاع، بعدما اقتطع الاحتلال أكثر من 70% منها تحت مسمى "الخط الأصفر" والأحزمة الأمنية. ومن أصل 180,000 شاحنة مساعدات نص عليها الاتفاق المفترض لإنقاذ القطاع المنكوب، لم يُمحسَب لدخول سوى 35% فقط من القوافل، مما دفع بأكثر من 67% من السكان إلى شفا المجاعة الحادة والتجويع الممنهج.
وعلى مستوى الأسرى والملفات الإنسانية، وبينما التزمت الأطراف الفلسطينية بتعهُّدات التسليم والتفريغ، واصل الاحتلال شن حملات الاعتقال اليومية واحتجاز أكثر من 10,000 أسير ومحتجز داخل أقفاص الاعتقال والمسالخ السرية في ظروف تتنافى مع أدنى قواعد القانون الدولي الإنساني ومعاهدات جنيف.
إن الـ300 يوم الماضية لم تكن فترة سلام ولا استراحة محارب، بل كانت إعادة تنظيم لآلية العدوان وتقنين جريمة الإبادة الجماعية. إن السكوت على هذه الخروقات وتحويل الاتفاقات الدولية إلى مجرد حبر على ورق يفرض على الضمير العالمي الإنساني والمؤسسات الدولية التوقف عن دور الشاهد العاجز، والاعتراف بأن ما يجري ليس خرقاً لهدنة.. بل هو استمرار واعي وممنهج لقتل شعب بأكمله أمام مرأى ومسمع العالم أجمع.