عاجل:

من مأرب إلى حضرموت..

سقوط الجغرافيا الآمنة وولادة معادلة ميدانية جديدة: لا حصار بلا كلفة، ولا تحشيد بلا ردع

السبت ٠٨ أغسطس ٢٠٢٦
٠٤:٢٨ بتوقيت غرينتش
سقوط الجغرافيا الآمنة وولادة معادلة ميدانية جديدة: لا حصار بلا كلفة، ولا تحشيد بلا ردع
بقلم: طوفان الجنيد كاتب وناشط سياسي

تتسارع أحداث الميدان، وتتشابك تفاصيلها لتسرد حكاية تحوّل استراتيجي فارق في تاريخ المواجهة. فلم تعد معركة اليمن مجرد مجاراة لضربات العدوان أو الاكتفاء بصد هجماته عند الحدود التقليدية، بل تحولت إلى ملحمة ردع متكاملة تُكتب فصولها بمداد المبادأة والمفاجأة، وتستند إلى حقّ سيادي لا يقبل المساومة في الدفاع عن النفس وكسر خناق الحصار الجائر الذي أثقل كاهل الشعب اليمني لسنوات.

وفي هذا السرد الميداني المتصاعد، تتداعى صور الحصار القديمة لتفسح المجال أمام معادلة جديدة؛ فلم يعد الحصار يُمرَّر كملف سياسي مؤجل على طاولات التفاوض، بل بات يُعامل، وفق هذه الرؤية القتالية، باعتباره عملاً عدائيًا مباشرًا يستوجب الرد. ومع فرض معادلة «أمن مقابل أمن، واقتصاد مقابل اقتصاد»، استطاعت القوات المسلحة أن تجعل من المنشآت الحيوية والموانئ التابعة لقوى العدوان نقاطًا حرجة تحت مرمى الاستهداف، محوِّلة خطوط الملاحة والشرايين الاقتصادية للخصم إلى أوراق ضغط في مواجهة المعتدي، بما يرفع كلفة استمرار العدوان إلى مستويات يصعب تجاهلها.

ولم تكن جبهات القتال بمعزل عن هذا التحول الاستراتيجي؛ إذ امتدت عين الرصد والاستخبارات لتسقط خطوط الأمان التي توهّم العدو وجودها في الخلف. وقد أعلن الميدان، وفق هذه المعادلة الجديدة، بطلان قواعد الاشتباك القديمة؛ فلم تعد التجمعات العسكرية في معسكرات التحشيد بمنأى عن الاستهداف.

وفي قلب هذا التحول، تبرز العمليات العسكرية في جبهات مأرب وحضرموت بوصفها شواهد على اتساع نطاق المواجهة. ففي مأرب، حيث سعى الخصوم إلى جمع قواتهم واتخاذ الصحراء والنقاط الحيوية منطلقًا لشن الهجمات، أصبحت التحركات العسكرية هدفًا للرصد والاستهداف، بما أربك خطط التحشيد وأفشل كثيرًا من رهانات الميدان.

أما حضرموت، التي توهّم الخصم أمنها وبعدها عن مدى النيران، فقد دخلت هي الأخرى دائرة الرصد، مع تصاعد التحركات العسكرية ومحاولات إعادة ترتيب الصفوف، لتؤكد المعادلة الجديدة أن اتساع الجغرافيا لا يعني بالضرورة حصانة المواقع، وأن أي تحشيد عسكري قد يتحول إلى نقطة ضعف متى أصبح جزءًا من خطة هجومية.

إن هذه القدرة على رصد تحركات الخصم وإجهاض مخططاته لم تكن وليدة المصادفة، بل جاءت، وفق ما يطرحه هذا المسار، نتيجة تراكم خبرات عسكرية وتطور في القدرات الدفاعية والهجومية والتصنيع العسكري المحلي. وقد أظهرت سنوات المواجهة تطورًا في توظيف الطائرات المسيّرة والقوة الصاروخية، بما في ذلك الصواريخ الباليستية والمجنحة، في إطار منظومة عسكرية أكثر تعقيدًا وقدرة على الوصول إلى أهداف بعيدة.

غير أن المحرك الأساسي لهذه القدرات لا يكمن في التكنولوجيا وحدها، بل في العامل البشري؛ في إرادة المقاتل اليمني، وصلابة قراره، وقدرته على الاستمرار في مواجهة ظروف قاسية، مستندًا إلى قناعة راسخة بعدالة قضيته وحق شعبه في الدفاع عن أرضه وسيادته.

وتتجه الرواية الميدانية اليوم نحو فصل أكثر حساسية؛ حيث لم تعد التفاهمات تُبنى، في نظر أطراف الصراع، على وعود الدبلوماسية وحدها، بل أصبحت موازين القوة على الأرض عنصرًا أساسيًا في تحديد مساراتها.

إن استمرار العدوان والحصار لم يعد خيارًا بلا كلفة، وفق المعادلة التي تطرحها صنعاء؛ فكل تحشيد عسكري في مأرب أو حضرموت أو غيرهما يحمل معه احتمال الرد، وكل محاولة لإبقاء اليمن تحت وطأة الحصار والتجويع ستواجه بخيارات تصعيدية متدرجة وفق تطورات الميدان.

وهكذا، لا تبدو المعركة اليوم مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل صراعًا على الإرادة والسيادة وفرض معادلة جديدة في الإقليم. وبينما تتبدل خرائط المواجهة وتتسع ساحاتها، يبقى الرهان الحقيقي على قدرة اليمن على حماية أرضه، والحفاظ على قراره المستقل، وتحويل سنوات الحرب والحصار إلى خبرة متراكمة تعيد تشكيل موازين القوة.

ففي الميدان تُختبر الإرادات، وبقدر ما تتغير قواعد الاشتباك تتغير حسابات الخصوم؛ وما كان يُنظر إليه بالأمس على أنه جغرافيا بعيدة أو ساحة آمنة، قد يصبح غدًا جزءًا من معادلة الردع الجديدة.

0% ...

آخرالاخبار

أميركا وإيران: صراع العقول قبل صراع السياسة


نادي الأسير الفلسطيني: قوات الاحتلال تعتقل نحو 25 فلسطينيًا من الضفة الغربية اليوم


مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: الأسر المحاصرة قالت إن الشرطة الإسرائيلية لم تتدخل ومنعت دخول المسعفين


مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان: محاصرة المستوطنين لمنازل العائلات الثلاث جاءت بعد قطع المياه والكهرباء عنها


مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالأراضي الفلسطينية: محاصرة 3 عائلات فلسطينية داخل منازلهم ببلدة قصرة بالضفة


مصادر مقدسية: 584 مستوطناً اقتحموا المسجد الأقصى خلال فترة الاقتحامات الصباحية عشية مطلع "الشهر العبري"


وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي: الله أكبر، أعظم من أي قوة على وجه الأرض.. توكلنا على الله


وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي: الأخبار الكاذبة أسوأ من الأخبار الزائفة.. فاحذروا


طهران: الجولان جزء لا يتجزأ من الأراضي السورية وأوهام الصهاينة لن تغير الحقيقة


وزير الخارجية الإيرانية عباس عراقجي: لطالما أخطأت الولايات المتحدة في حساباتها بسبب قصور في الاستخبارات.. خير مثال على ذلك: الحرب على إيران.. والآن، خطأ أكبر في مضيق هرمز