عاجل:

عطوان : ما اسباب انقلاب الموقف السُّعوديّ تجاه الاردن ؟

الإثنين ١١ يونيو ٢٠١٨
٠٩:٣٧ بتوقيت غرينتش
عطوان : ما اسباب انقلاب الموقف السُّعوديّ تجاه الاردن ؟ فَجأةً.. وبعد سَنواتٍ عِجاف من التَّهميش السِّياسيّ والاستهداف الماليّ، والضُّغوط الإقليميّة والدوليّة الجَبّارة وغير المُحتَملة، تَحوَّل الأُردن إلى الرَّقم الصَّعب الأهَم في المِنطَقة، يَركُض مُهَمِّشينه لمُغازَلته، وتَفهُّم أزماتِه، والإعراب عن الاستعداد لإلقاء طَوق النَّجاة الماليّ له.. كيف حَدث هذا الانقلاب.. وكيف تغيّرت المَواقِف من النَّقيض إلى النَّقيض، وأصبَح الأُردن عَزيزًا غالِيًا؟ الإجابة يُمكِن حَصرُها في سِتّةِ أسباب:

العالم - الاردن

الأوّل: الرُّعب من انتقال عَدوى النَّموذج الاحتجاجيٍ الأُردني الشَّعبيّ الحَضاريّ السِّلميّ الذي جاء نُسخَةً “مُنقَّحةً” و”تصحيحيّة” لما يسمى بـ"ثَورات الربيع العربي" إلى السعوديّة والدُّوَل الملكيّة في الجزيرة العربيّة، وهو انتقالٌ واردٌ بشِدَّة في ظِل انهيار “الدَّولة الريعيّة”، وانخفاض أسعار النفط، وتصاعُد التَّوتُّر الطَّائِفي، وتَصاعُد المُعاناة الشعبيّة من الضَّرائِب العَلنيّة والسِّريّة.

الثاني: القَلق من تَطوير الأُردن سِياسات الاعتماد على النفس اقتصاديًّا، وتحقيق الاكتفاء الذاتي ماليًّا، وتَبنِّي مشاريع “استغنائيّة” عن مُساعدات دول الخليج(الفارسي) الماليّة، والسعوديّة والإمارات خاصَّةً، الأمر الذي سيُعَزِّز استقلاليّة قراره السِّياسي وإنهاء مظاهِر “التبعيّة” القَديمة.

الثالث: انهيار النظام الأُردني يعني نِهاية حقبة امتدت لمِئة عام تقريبًا، عُنوانها الاستقرار الإقليمي، وحُلول الفوضى على طُول 600 كيلومتر على الحُدود مع "إسرائيل"، وأطول مِنها مع الجزيرة العربيّة، واحتمال صُعود بدائِل ثَوريّة، فالأُردن هو “سُرَّة” “الشرق الأوسط”، وإذا انقطعت “حِبال” استقرارها امتد الخَراب إلى المِنطَقة.

الرابع: أدَّت السِّياسات الخليجيّة في وَقف المُساعدات الماليّة عن الأُردن لمُدَّة عامين تقريبًا، وانخراط السعوديّة ودول خليجيّة أُخرى في عمليّات تَطبيعٍ سِريّةٍ مع "إسرائيل" تتجاوز الأردن، وتسريب تقارير عن تأييد ولي عهدها الأمير محمد بن سلمان لصَفقة القرن، أدَّت إلى تصعيد حالة العَداء في أوساط الرأي العام الأُردني لهذه الدُّوَل، وبِشَكلٍ غير مسبوق مُنذ حرب الكويت عام 1991.

الخامس: تَزايُد الضُّغوط على القِيادة الأُردنيّة لتغيير تَموضُعِها الإقليميّ الاستراتيجيّ، والانتقال إلى معسكر المُقاومة بزَعامة إيران، وفتح المَزارات أمام الزُّوّار الإيرانيين والعِراقيين، وإقامَة علاقاتٍ استراتيجيّةٍ بَديلة مع المَرجعيّة السُّنيّة العُثمانيّة في إسطنبول، في مُوازاة الانفتاح على قَطر العَدو اللَّدود للمُثَلَّث السعودي الإماراتي البحريني.

السادس: الخِشية من خُروج الحِراك الاحتجاجي الأُردني من طابَعِه الاقتصادي، وتَحوُّله إلى حِراكٍ سياسيٍّ بطابعٍ اجتماعيٍّ مدنيّ، وقد أدرك العاهل الأُردني خُطورَة مِثل هذه النَّقلة، وبادَر فَورًا إلى “إجهاضِها” من خلال إقالة حكومة هاني الملقي، واستبدالها بحُكومة أكثر قُبولاً من قبل المجتمع المدني الأُردني بقِيادة الدكتور عمر الرزاز، الذي يُوصَف بالنَّزاهة ونظافَة اليَد، والعُمق الأكاديمي والخِبرة الإداريّة.

العاهِل الأُردني في المَوقِف الأَقوَى مُنذ تَولِّيه العَرش قبل 20 عامًا لماذا؟

العاهِل الأُردني، وربّما للمَرّة الأُولى منذ تَولِّيه العَرش خَلفًا لوالده الراحل عام 1999، يذهب إلى الحجاز ومدينة مكّة المكرمة دُرّتها من مَوقِعٍ قويٍّ مَدعومًا بإرادةٍ شعبيّةٍ وبإدارةٍ مُتميِّزةٍ للأزمة نَجحَت في امتصاص الجُزء الأكبَر من احتقانٍ داخليٍّ كان من المُمكن أن يُؤدِّي انفجاره على المِنطَقةِ بأسْرِها.

الأُردن يعيش حاليًّا حالةً من الصَّحوة السِّياسيّة والاجتماعيّة، تَرتَكِز على وِحدَة وطنيّة ذابت في مصهرها كل المَنابِت والأعراق، الفِلسطيني والشَّرق الأُردني، والشمال والجنوب وبينهما الوسط، بيضة القبان، أي العاصِمة عمّان، وهذه وحدة وطنيّة غير مَسبوقة، عمودها الفِقريّ مُحارَبة الفساد والفاسِدين، والوقوف في خندق القضايا العَربيّة الوَطنيّة، وعلى رأسِها قضيّة فِلسطين.

القِيادة السعوديّة الجديدة أرادت أن يكون الأُردن ضَعيفًا تابِعًا مُتسَوِّلاً، يَلتزِم بشُروط الكَفيل، ويَرضَخ لعَضلاتِه الماليّة، وإملاءاته بالتَّالي، ولهذا انتظرت أكثر من عشرة أيّام قبل أن تتحرَّك لإنقاذِه، أو حتى التفكير في مُحاوَلة الإنقاذ هذه، وربّما كانت تنتظر أن تَصرُخ القِيادة الأُردنيّة “مُستغيثةً” راضِخةً للشُّروط المَطلوبة، ولكن هذهِ القِيادة لم تَذهب إلى الرياض، ولا إلى ابو ظبي، وظَلَّت في مكانها راسِخةً، (الحَجر في مَطرحِه قنطار)، وفَضَّلت التَّنازُل للشَّعب ومَطالِبه، وقَد أحسَنت الخَيار والتَّوجُّه.

دول الخليج (الفارسي) ضخّت 50 مِليار دولار لدعم حكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي في مِصر، لتَطويق آثار الثورة المِصريّة، ومنع انتقالها إلى دول الخليج( الفارسي)، ولم تقدم للأُردن إلا فُتات الفُتات لأنّها كانت مُطمَئنّة لفَشل حِراكِه الشَّعبيّ المُماثِل، وقُدرَة الدَّولة على امتصاصِه “مَجَّانًا”، في سُوءِ تَقديرٍ غير مُتوَقَّع، وقِراءةٍ “حولاء” للخَريطة الإقليميّة الجَديدة، ومخاضاتها الشعبيّة، فجاء الحِراك الحاليّ الذي أطاح بالحُكومة ليَخلِط الأوراق، ويَكْشِف الغِطاء، ويَفرِض شُروطه، ويُطَوِّر أدوات أكثر فاعِليّةً، فهل سيَحصُل الأُردن على نِصف ما حصلت عليه مِصر على الأقل؟

***

الأُردن يَتغيّر وبِسُرعة، وباتَ في وضع يُؤهِّله للتَّمرُّد على إرْث الإملاءات الأمريكيّة و"الإسرائيليّة" وحُلفاء جاريد كوشنر، صِهر الرئيس ترامب، وتابِعه نتنياهو في مِنطَقة الخليج (الفارسي )، إملاءات فَرْضْ صفقة القرن، وتَهويد القُدس ونَزع الوِصاية الهاشميّة كُليًّا عن المُقَدَّسات.

تَوقُّف المُساعدات الخليجيّة جاء في اعتقادنا خَيرًا للأُردن، لأنّه أعاد الوَعي والثِّقة بالنَّفس إلى الأُردنيين شَعبًا وقِيادة، وقد أصاب الملك عبد الله الثاني كبد الحقيقة في خِطابِه تَجاوبًا مع مَطالِب المُحتَجِّين بقَولِه “لا بُد من الاعتماد على النَّفس.. لن يُساعِدنا أحد إذا لم نُساعِد أنفسنا.. ولا بُد من الاعتماد على أنفُسنا أوّلاً وأخيرًا”، وربّما كانت هذه العِبارات كَلِمة السَّر التي عَجَّلت بالدَّعوة لانعقادِ قِمّة مكّة.

الأُردن لن يَقبَل، ولا يَجِب أن يَقبَل، إلا بالخُبز المَجبول بالكَرامة، فقد اكتشف شارِعُه أهم مَصادِر قُوّته، وسَيمضِي قُدُمًا في تَطويرِها في إطار وِحدةٍ وطنيّةٍ تَزداد تَرسُّخًا.. وهذا مُلخَّص رسالته، أي الشَّعب، لقِمّة مكّة التي تُعقَد تحت ظِلال الكَعبة المُشَرَّفة، وإرث الدَّعوة المُحَمَّديّة الإسلاميّة الهاشِميّة التي جاءَت رَحمةً للعالَمين.

عبد الباري عطوان - رأي اليوم

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

اللواء محبي: مضيق هرمز بالنسبة لنا ليس مجرد ممر مائي اقتصادي، بل هو أحد عناصر القوة الجغرافية والاستراتيجية


المتحدث باسم حرس الثورة الإسلاميّة اللواء محبي: إعادة فتح مضيق هرمز تخضع للآلية والظروف الخاصة بالجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولا علاقة لها بالمفاوضات بين إيران وعُمان


حماس: شعبنا أبقى وأقوى من كل هذه المخططات التي ستزيد من حالة الغضب الشعبي والمقاومة بكافة أشكالها


8 أغسطس.. يوم الصحفي في إيران


حماس: إصدار الاحتلال عشرات أوامر الهدم والتهجير لأكثر من 100 عائلة فلسطينية في الولجة، هي جزء من مخطط ممنهج يستهدف تطويق المنطقة


بزشکیان: عقلية مرتكبي جريمة هيروشيما وناغازاكي تحكم واشنطن اليوم


حماس: نحذر من تصاعد الهجمة الاستيطانية في بيت لحم وشعبنا أقوى من كل مخططات الاحتلال


نيوزويك: مخزونات الأسلحة الأمريكية تتآكل


الدفاع الروسية: إسقاط أكثر من 800 مسيرة أوكرانية في منطقة العمليات العسكرية خلال اليوم الماضي


وكالة ريا نوفوستي عن وزارة الدفاع الروسية: قواتنا سيطرت على منطقة إيفانيفكا في مقاطعة خاركيف


الأكثر مشاهدة

ترامب: لا أحد يرغب في المخاطرة بسفنه التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات والتعرض لاصطدام عرضي بلغم في مضيق هرمز


مصادر فلسطينية: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف محيط مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة


صحيفة "غلوبس" الاقتصادية الإسرائيلية: دبي لم تعد آمنة، وأثرياء العالم يبحثون عن وجهات جديدة للاستقرار فيها


هكذا يرد قاليباف على تصريحات ترامب بشأن إيران


اللواء محسن رضائي: لن نسمح مطلقًا بفتح ممر ثانٍ في مضيق هرمز


قصف مدفعي إسرائيلي شمال شرقي مدينة غزة


مصادر فلسطينية: قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي تنسحب من مخيم قلنديا بعد عدوان عسكري استمر يومين


محادثات هاتفية بين وزيري الخارجية الايراني والموريتاني.. هذا ما بحثاه


محافظة القدس: قوات الاحتلال اعتقلت واحتجزت أكثر من 70 فلسطينيًا في مخيم قلنديا شمالي القدس


السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز: علينا وقف دعم حكومة "إسرائيل" المتطرفة التي نفذت إبادة جماعية بحق الفلسطينيين


واس: ولي العهد و ماكرون بحثا خلال الاتصال الهاتفي جهود تعزيز الاستقرار بالمنطقة وتحقيق أمن وحرية الملاحة البحرية