حققت إدارة الرئيس أوباما في القمة النووية التي استضافتها واشنطن بحضور زعماء وممثلي (47) دولة - (12 - 13 نيسان الجاري) - مكسباً كبيراً دشن الطريق نظرياً لـ(استراتيجية نووية دولية جديدة)، تحت عنوان (التصدي للإرهاب النووي)، ومن شأن هذه الاستراتيجية أن تبقي على سطوة الولايات المتحدة الأمريكية في القدرات النووية.
وسبق انعقاد القمة النووية العالمية التوقيع على اتفاقية (ستارت الجديدة)، بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية، خلفاً لاتفاقية (ستارت 2) (تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية)، ونجحت واشنطن في الاتفاقية الجديدة بالمحافظة على ترسانة نووية فعالة وآمنة، وكسر إصرار موسكو على الربط في رزمة متكاملة بين تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية والأسلحة الاستراتيجية الدفاعية؛ مثل الدرع الصاروخية الأمريكية في أوروبا الشرقية، ولم تستبعد واشنطن إمكانية العودة إلى نشر الدرع الصاروخية بعد التصديق على اتفاقية (ستارت الجديدة)، وينظر إلى هذا كإنجاز كبير لإدارة أوباما.
ويفتح البيان الختامي للقمة النووية الباب أمام التوقيع على اتفاق جديد بين الدول الكبرى يرسم خارطة القوة النووية في العالم لعشرات السنوات القادمة، وهو ما فشلت فيه الإدارة الأمريكية السابقة، التي وضعت هذه الاستراتيجية على طاولة النقاش بشكل متواصل ومكثف منذ بداية ولايتها الأولى، لكن سياساتها الصقرية، وتصلب مواقف الأطراف الدولية المعنية، أفشلت في العام (2005) مؤتمر مراجعة (اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية).
ومن القضايا التي كانت مثيرة للجدل، وساهمت في إفشال مؤتمر العام (2005)، رفض واشنطن اتخاذ خطوات عملية فيما يخص القرار الصادر في العام (1995)، والذي ينص على إنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل والأسلحة النووية في الشرق الأوسط، وستكون هذه القضية مطروحة بقوة كبند رئيس على جدول أعمال الاجتماع الذي ستعقده الأمم المتحدة الشهر القادم، لمراجعة اتفاقية (الحد من انتشار الأسلحة النووية).
إلا أن الغموض يلف مصير هذا الاجتماع بسبب مواصلة واشنطن لسياسة الكيل بمكيالين في مسألة منع انتشار السلاح النووي، فرغم تأكيد إدارة أوباما على أن تقليص الأسلحة النووية على الصعيد العالمي (ثابت من ثوابت الاستراتيجية النووية الدولية الجديدة)، لم تخرج هذه الإدارة في قمة واشنطن عن المواقف الأمريكية التقليدية، التي تضع الإرهاب النووي الإسرائيلي تحت مظلة الحماية الأمريكية، وعبر عن ذلك رئيس الوفد الإسرائيلي في القمة (وزير الاستخبارات دان مريدور) بالقول: (إن الخشية التي سادت «إسرائيل» من تحوّل القمة إلى مناسبة لتطويقها، لا تنعكس في الأجواء هناك.. إلخ).
ونجحت واشنطن والدول الأوروبية في تسليط الأنظار المؤتمر إعلامياً على الملف النووي الإيراني، وتجاهل الدعوات العربية والإسلامية الداعية إلى إخضاع المنشآت النووية الإسرائيلية للرقابة الدولية، والمطالبة بتنفيذ قرار إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية، وانضمام (إسرائيل) لمعاهدة (الحد من انتشار الأسلحة النووية)، لتكتمل دائرة ضبط المنظومة النووية العالمية، التي تحتل فيها (إسرائيل) الموقع السادس في إنتاج وامتلاك أسلحة نووية استراتيجية، ويبلغ عدده الأسلحة النووية الإسرائيلية حسب ما أوردته مجلة (جينس) - البريطانية المختصة بالشؤون العسكرية- (ما بين 100-300 رأس متفجر نووي - من إنتاج المشروع النووي الإسرائيلي - قابلة لأن تركب على صواريخ أرض من نوع «يريحو1»، و»يريحو2»، و»يريحو3» الذي يصل مداه إلى مسافة 7.800 كم، ما يُمَكنه من ضرب أي نقطة في أوروبا أو أفريقيا).
لكن النجاح الذي حققته إدارة أوباما في (القمة النووية العالمية)، وما سبقه من نجاح في اتفاقية (ستارت الجديدة)، مازال محفوفاً بانتكاسة طالما بقيت المخاوف من السياسات الأمريكية، فالولايات المتحدة لم تلتزم فعلاً بتقليص ترسانتها النووية، لأن التقليص يسري على الأسلحة النووية القديمة التي أصبحت خارج الخدمة، مثل صواريخ كروز، ومقابل إخراج هذه الصواريخ من الخدمة زادت الإدارة الأمريكية الموازنة المخصصة لتحديث مخزونها النووي بما نسبته (13 %).
ولن تضمن واشنطن أن تشاركها موسكو في تحرك دولي لتنفيذ قرارات القمة النووية، إلا إذا استجابت واشنطن لمجموعة المطالب التي مازالت تطرحها موسكو، وفي مقدمتها وقف تام ونهائي لـ(خطة نشر الدرع الصاروخية الأمريكية)، التي ترى فيها روسيا الاتحادية تهديداً لقوة ردعها النووية، وإخلالاً في موازين القوى العالمية.
ولوحت موسكو بعد التوقيع على (ستارت الجديدة) باحتمال الانسحاب من الاتفاقية مستقبلاً إذا وجدت فيها ما يهدد قوة ردعها وأمنها الوطني، وأكد على ذلك وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، فيما أعلن رئيس مجلس النواب الروسي بوريس غريزلوف أن البرلمان لن يصادق على المعاهدة الجديدة إذا لم تشمل الاتفاق على الدرع الصاروخية الأمريكية.
ودق الرئيس الروسي ديمتري ميدفيدف ناقوس الخطر في القمة النووية العالمية من احتمال إقدام( كيان إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية على شن هجوم عسكري ضد إيران، ووصف ميدفيدف هذا الاحتمال بـ(أسوأ سيناريو في المنطقة)، وأكد في مقابلة مع قناة (إي. بي.سي) الأمريكية أن (مثل هذه الخطوة قد تؤدي إلى استخدام الأسلحة النووية، وبالتالي حدوث كارثة عالمية). وحذر الرئيس الروسي من أن (وقوع حرب في منطقة الشرق الأوسط سيعني أن هذه الحرب ستمس الجميع هناك، واشتعال الحرب في المنطقة قد يقود إلى استخدام السلاح النووي، الأمر الذي سيؤدي بدوره إلى وقوع كارثة عالمية ومقتل أعداد كبيرة من الناس).
وجاءت تحذيرات ميدفيدف على خلفية ما سبق وأعلن عنه رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، الجنرال نيكولاي ماكاروف، في مؤتمر صحافي عقده في موسكو، عشية القمة النووية، وكشف فيه عن علم القيادة الروسية بوجود خطط لدى الولايات المتحدة و(كيان إسرائيل) لتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، كإجراء أخير لوقف برنامجها النووي.ولمنع هذه الكارثة يجب أن ترقى المواقف العربية إلى مستوى المواقف الدولية الرافضة لشن أي عدوان عسكري إسرائيلي - أمريكي على إيران.
وإذا لم تتوقف سياسة الكيل بمكيالين، لن يستطيع المشاركون في قمة واشنطن تنفيذ تعهدهم بأن تكون الوكالة الدولية للطاقة الذرية الهيكل الرئيسي لمكافحة الانتشار النووي، والعمل من أجل (ضمان أن تواصل هذه الوكالة امتلاك الهيكل والموارد والخبرات الملائمة للقيام بعملها).
فمنع انتشار الأسلحة النووية في الشرق الأوسط، يضمنه فقط توقيع (إسرائيل) على الحد من انتشار الأسلحة النووية، ويرتبط ذلك بممارسة ضغوط دولية جدية على (إسرائيل) والولايات المتحدة الأمريكية، ركيزتها موقف عربي وإسلامي موحد في الاجتماع الذي ستعقده الأمم المتحدة في الشهر القادم لمراجعة اتفاقية (الحد من انتشار الأسلحة النووية).
عامر راشد