عاجل:

تكرار المكرر واعادة استنساخ المستنسخ

الخميس ١٢ يناير ٢٠١٢
١٠:٣٨ بتوقيت غرينتش
تكرار المكرر واعادة استنساخ المستنسخ 12/1/2012 بقلم علي بدوان bdwan60@aloola.sy?

من غير صعوبة كبيرة، نستطيع أن نطلق حكماً موثوقاً وسريعاً نؤكد فيه بأن موجات التطرف والانزياح نحو سياسات اليمين واليمين المتطرف داخل الدويلة العبرية الصهيونية، أخذة في الاتساع كل يوم عن اليوم الذي سبقه، في ظل جمود عملية التسوية، أو بالأحرى انهيارها على المسار الفلسطيني/الإسرائيلي، ووصولها إلى نقطة استعصاء غير قابلة للحل أو الاجتهاد على ضوء سياسات حكومة نتانياهو التي أحرقت كل الدروب الممكنة المؤدية إلى تسوية حقيقية على أساس الشرعية الدولية.

فاجتماع عمان الأخير، بين المفاوض الفلسطيني صائب عريقات والوفد «الإسرائيلي» الذي مثله اسحق مولخو مستشار نتانياهو لم يأت بالجديد، بل أعاد تكريس الموقف «الصهيوني» إياه، والرافض لوقف الاستيطان في مناطق القدس ومحيطها، حيث سلم مولخو صائب عريقات خريطة جديدة تتضمن إصرار «الكيان الصهيوني» على الضم الكامل للقدس الكبرى، والضم الكامل لمناطق الأغوار منعاً لقيام أي تواصل مستقبل بين الكيان الفلسطيني الموعود والأردن وبالتالي إبقاء هذا الكيان محصوراً ومطوقاً من كل جوانبه بـ «إسرائيل» ليصبح أشبه بمعزل وسجن بشري كبير في عودة لإنتاج سياسات الـ (أبارتهيد).

الاجتماع المذكور عقد تحت تأثير الضغط الأميركي، حيث عملت واشنطن وعبر وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون وعبر الرباعية الدولية على دفع الفلسطينيين للقدوم إلى طاولة الاجتماع، بالرغم من قناعات الطرف الفلسطيني الرسمي، التي لاترى جديداً في الموقف «الإسرائيلي» أو حتى في الموقف الدولي تجاه مسألة إعادة المفاوضات إلى سكتها.

مقدمات اجتماع عمان

تقول المعلومات المؤكدة، أنه قبل فترة ليست بالقصيرة، وتحديداً في معمعان الحراكات المتتالية الجارية في العالم العربي، وبعد توقيع حركتي حماس وفتح اتفاق المصالحة بخطوطه العريضة في القاهرة في الرابع من مايو 2011، تكاثفت جهود بعض الأطراف الدولية (الولايات المتحدة وبعض دول غرب أوربا) لاحتواء ماجرى من تحولات أخيرة في المنطقة، وإبعاد تلك التأثيرات عن مسار عملية «التسوية»، واحتواء اتفاق المصالحة الفلسطينية عبر إثارة البلبلة السياسية في صفوف الفلسطينيين، حيث جرت اتصالات متواترة طوال تلك الفترة بين ممثلي اللجنة الرباعية الدولية والطرف الفلسطيني الرسمي، بهدف إعادة إطلاق المفاوضات المباشرة. فاللجنة الرباعية طلبت من الطرف الفلسطيني الرسمي أكثر من مرة العودة إلى المفاوضات حتى دون تحقيق النقاط التالية التي طالما استند إليها بعد أن أوقف عملية التفاوض، وهي : تجميد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية خلال المفاوضات، واعتبار حدود العام 1967 مرجعية لعملية «السلام»، وضمان الأمن على الحدود الفلسطينية الاردنية عبر تواجد طرف ثالث غير «إسرائيل».

وفي ظل تلك الاتصالات، كان التناغم الأميركي مع الطرف «الإسرائيلي» كبيراً وملفتاً من حيث قيام الطرفين ببلورة ما يمكن أن نسميه بـ «خطة تحرك جديدة» أفصحت عنها لقاءات عمان بين عريقات/مولخو، وفيها إقرار «إسرائيلي» بموافقة تل أبيب على قيام «دولة للفلسطينيين» تفادياً من بروز خيارات بديلة ولو بعد حين، من نمط «دولة ثنائية القومية» باعتبارها كارثة على «إسرائيل».

وعليه، الاجتماع في العاصمة الأردنية بين عريقات ومولخو برعاية وترتيب اللجنة الرباعية وبحضور حشد منها كان أبرزهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون والأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون (الحاضر الغائب دوماً)، كان في جانب منه استعراضياً، وقد صُوِّر فلسطينيًّا على أنَّه ليس بـ«استئناف لمفاوضات السلام» على ضوء الأصوات النقدية التي خرجت من بين الفلسطينيين بما في ذلك من صفوف حركة فتح ذاتها، ومن بين صفوف باقي القوى الفلسطينية التي اجتمعت معاً قبل فترة قصيرة في القاهرة في إطار الهيئة القيادية العليا والمقدر لها أن تكون في المستقبل القريب الجهة المسؤولة عن إعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير وعن صياغة الموقفين التكتيكي والاستراتيجي على المستوى الوطني الفلسطيني العام.

ماذا عُرض في اجتماع عمان

ووفق المعلومات التي سربتها بعض الجهات «الإسرائيلية»، فان الأفكار أو الخطة العتيدة الجديدة المقدمة «إسرائيليا» وبالتوافق مع الولايات المتحدة تركز على مسألتي : الأمن والحدود، وتعرض على الفلسطينيين «خطوات محدودة على الأرض» في غياب المفاوضات المباشرة، في إطار ما اسماه «منهجا تدريجيا» بخطوات تبدأ بتسليم مزيد من أراضي الضفة الغربية المحتلة لسيطرة الفلسطينيين أو إزالة بعض الجيوب الاستيطانية اليهودية. وأن الخطة هدفها حل انتقالي طويل الأمد على (50%) من مساحة الضفة الغربية (دون القدس الكبرى التي تساوي مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية البالغة بحدود 5880 كيلومترا مربعا ... !)، وأن الانتقال للمرحلة الثانية مرهون بنجاح التجربة الأولى، وبالتالي فان الذي يقرر النجاح هو «إسرائيل».

لكن، رب سائل يسأل، كيف لهذا «الاجتماع» ألاَّ يكون استئنافًاً لمفاوضات السلام (كما خرج علينا بعض الفلسطينيين الرسميين ومنهم صائب عريقات) وهو الذي يُراد له أنْ ينتهي باتِّفاق الطرفين على حلِّ مشكلتيِّ «الأمن» و«الحدود»، وعلى التأسيس، من ثمَّ، لـ«أرضية مشترَكة» لاستئناف مفاوضات السلام؟!

في حقيقة القول، إن الغاية «الإسرائيلية» ـ الأميركية الكامنة في هذا الحل (لمشكلتي «الأمن» و«الحدود») وفي ما بُذِل، ويُبْذَل، من جهود للتوصل إليه، قبل، ومن أجل، استئناف مفاوضات السلام، إنَّما هي إزاحة موضوع الاستيطان جانباً، وأنْ يَكُف عن كونه «عقبة»؛ فـ«الحدود» يجب أنْ تُحل مشكلتها بما يُنْقل «الأراضي»، التي يتَّخِذها النشاط الاستيطاني مسرحًا له، من «المِلْكية الفلسطينية» إلى «المِلْكية الإسرائيلية»، عملًا بمبدأ «تبادُل الأراضي» بين الطرفين. حيث طرح الطرف «الإسرائيلي» تبادل (400) ألف دونم من أراضي النقب تقع على طول الحدود المصرية مقابل مناطق مأهولة في الضفة الغربية تريد «إسرائيل» الاحتفاظ بها. ومنها المنطقة المحيطة بمدينة القدس والتي تبدأ على طول خط العام 1948 من (بيت حورون) في الشمال حتى (غوش عتسيون) في الجنوب على حدود مدينة الخليل. إضافة لضم كتل المستوطنات الكبرى المحيطة بالقدس والتي تم إقامتها بعد العام 1967 وهي مستعمرات :جبعات زئيف، فيسجوت، بسجات زئيف، عانوت، آدام، معاليه ادوميم، غيلو، بيتار عليت، وصولاً لأغوار الأردن وتخوم أريحا. وبذلك يتم عمليا فصل الكتل الفلسطينية ـ الجنوبية والوسطى دون ان يبقى بينهما تواصل، مع الاصرار على بقاء غور الأردن وقمم الجبال المطلة عليه تحت السيطرة «الإسرائيلية» (وهو أمر مقصود لجعل الكيان الفلسطيني المرتقب كياناً ممزقاً يفتقد للوحدة الجغرافية والبشرية).

فيما يقترح مولخو ويزيد من كرمه بمنح الفلسطينيين ممر من مناطق السيادة الفلسطينية في القدس الشرقية إلى المسجد الأقصى وتحقيق ذلك يتطلب حرية التنقل عبر الشوارع المؤدية للمستعمرات والتي تمر في المناطق الفلسطينية واعتبار هذه الشوارع جزءا من مبدأ تبادل المناطق التي ستجري.

كما أن اسحق مولخو، وفي عرضه طالب بالبدء بالاعتبارات الأمنية والتي تتضمن تجريد الدولة الفلسطينية من السلاح مع تسليح خفيف للشرطة وسيطرة «إسرائيلية» على الحدود والمعابر والأجواء وموجات البث الكهرومغناطيسية والسيطرة على منطقة غور الأردن عبر انتشار قوات «إسرائيلية». وأن كل شيء يجب أن يتم بضمانات من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. مع تشكيل قوة دولية يقترحها تشكل نسبة تزيد على (3%) من عدد السكان في الضفة الغربية، تكون دائمة ومؤثرة وقادرة ومسيطرة، للقيام بمهامها التي تتم والإشراف على المؤسسات الأمنية والعسكرية الفلسطينية للتأكد من كونها مؤسسات تخدم الاتفاقيات المبرمة ولا تشكل «عداء مستقبلياً لإسرائيل» ومراقبة التشريعات والقوانين الصادرة في الكيان الفلسطيني المرتقب بحيث لا تتعارض والاتفاقيات المبرمة أو تشكل خطراً على «إسرائيل».

استخلاصات وتقديرات

بالنتيجة المنطقية، إن لقاءات عمان الأخيرة بين الطرفين الفلسطيني و«الإسرائيلي» تؤثر سلباً على مسار التقارب الفلسطيني الداخلي، لا تخدم مسيرة العملية التصالحية الفلسطينية. كما أنها لم تجلب للفلسطينيين سوى متاعب جديدة، في ظل الموقف «الإسرائيلي» الأميركي المعروف.

فاسحق مولخو لم يأت بجديد في لقاءات عمان، لكن التهليل والطرب العربي من بعض الأطراف والتهليل الدولي مع حضور (الغائب الحاضر) بان كي مون جعل من البعض يعتقد بأن لقاء عمان قد (شال الزير من البير)، ولكن الحقيقة تقول ان اللقاء لم يكن سوى إعادة استنساخ وتكرار المكرر في الموقف «الإسرائيلي» تجاه مسائل الحل النهائي مع الطرف الفلسطيني.

لقد ثبت بشكل قاطع أن «إسرائيل» لا تريد «تسويةً» بالأصل، وإنما تريد فرض الحل «الإسرائيلي» الذي يصفي القضية الفلسطينية من مختلف جوانبها، فلا دولة مستقلة أو حتى ذات «حدود مؤقتة» ولا حل لقضية اللاجئين، ولا انسحاب من القدس ولا إزالة للمستعمرات، وإنما المطروح في أحسن الأحوال دولة بقايا تحل مشاكل «إسرائيل» الأمنية والديمغرافية وغيرها، ولا تلبي الحقوق الوطنية لعموم الشعب الفلسطيني في فلسطين والشتات وفي مقدمتها حق العودة للاجئين. وبالنتيجة، إن من المضامين الأساسية في خطة نتانياهو القادمة، أنها تقوم على رفض تجميد البناء في المستوطنات أثناء التفاوض على مصيرها، ورفض استئناف المفاوضات من النقطة التي وصلت إليها مع الحكومة السابقة، أو التفاوض على أساس حدود 1967، بالإضافة إلى إصراره على أن تكون فلسطين هي الدولة العربية الوحيدة التي تعترف بـ «إسرائيل» كدولة «للشعب اليهودي»، وذلك مقابل استعداد «إسرائيل» للقبول بإقامة كيان فلسطيني اسمه دولة فلسطينية على خمسين في المائة من أراضي الضفة الغربية، والاتفاق على حدود نهائية، بينما يتمّ إرجاء التفاوض بشأن القدس الشرقية ومشكلة اللاجئين إلى أجل غير مسمى.

إن ماطرحه اسحق مولخو في عمان، لن يضيف شيئاً على الإطلاق، فما طرحه مجرد إعادة تجميع وتوظيب لأفكار ورؤى «إسرائيلية» مستنسخة، وقد سبق طرحها عشرات المرات داخل غرف التفاوض، وبالتالي فهي إضافة تفاوضية مستنسخة لا أكثر ولا أقل، لتعبئة فراغ سياسي في ظل انسداد أفق التسوية إلى مدى مفتوح قد يطول في ظل المتغيرات الإقليمية الجارية في الشرق الوسط، وغياب الوسيط المصري السابق الذي لعب الدور الأساسي في رعاية ومتابعة المفاوضات على مسارها الفلسطيني/الإسرائيلي.

 

0% ...

آخرالاخبار

قائد الثورة: بداية العام الدراسي الجديد وفتح أبوابِ دورِ العلم والأدب في المدارس والجامعات تبشّران بالنشاط والأمل، وبمسيرة الشعب المتسارعة نحو مستقبل مشرق ومجيد


مساعد قائد حرس الثورة لشؤون هيئة التفتيش العميد محمد تقي شاهجراغي: الحرب لا تزال مستمرة و قواتنا تقاتل كل يوم وكل ليلة في مضيق هرمز وبحر عُمان والخليج الفارسی ومناطق مختلفة وتكبّد العدو خسائر


البرازيل: دا سيلفا: تهديد الحضارات بالإبادة لن يجلب الاستقرار إلى الشرق الأوسط


مصادر لبنانية: قصف مدفعي إسرائيلي بالقذائف الثقيلة استهدف بلدة برعشيت جنوب لبنان


انفجارات عنيفة تهز مدينة تعز اليمنية


إيران ترفع سقف المواجهة.. واليمن يضرب حسابات السعودية


نشر رسالة قائد الثورة الاسلامية بمناسبة بدء العام الدراسي خلال ساعات


إذا لم تمنح أميركا تأشيرة لمصارع ايراني واحد، فلن نشترك ببطولة العالم للمصارعة دون 23 عاما


غوتيرش: علينا إصلاح مجلس الأمن ليعكس عالم اليوم ويتمتع بالشرعية والفاعلية لمواجهة تحديات الحاضر


محمد إسلامي: منعي من حضور اجتماع الوكالة الدولية أسفر عن نتيجة مذهلة