هناك استياء أميركي من سياسات حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، ولم يعد هذا الاستياء داخل الغرف المغلقة، وقد عبر أكثر من مسؤول أميركي عنه، من باراك أوباما إلى نائبه جو بايدن إلى وزيرة الخارجية هيلاري كلنتون إلى العديد من الناطقين باسم البيت الأبيض والخارجية الأميركية.
وقد اعتبر البنتاغون أن السياسة الإسرائيلية تؤثر على حياة الجنود الأميركيين في المنطقة. كل هذا جعل العديد من المحللين الإسرائيليين ينصحون نتنياهو بعدم الذهاب بعيداً في الخلاف مع الإدارة الأميركية، لأن إسرائيل ببساطة لا تستطيع أن تعيش دون الولايات المتحدة الأميركية. ولم تكتفِ الإدارة الأميركية بالانتقادات للحكومة الإسرائيلية بسبب سياساتها الاستيطانية، بل عملت من جانب آخر على تأكيد الروابط الإستراتيجية الأميركية - الإسرائيلية والالتزام الأميركي بأمن إسرائيل، جاء ذلك من خلال الرسائل والتصريحات التي أرسل بها المسؤولون الأميركيون بمناسبة الذكرى الثانية والستون لتأسيس إسرائيل، أي أنها أرسلت رسائل متناقضة.
والسؤال الذي يُطرح في هذا السياق، هل الخلافات الأميركية - الإسرائيلية، تدفع باتجاه سياسة أميركية جديدة تجاه عملية السلام في المنطقة؟
أعطى خطاب الرئيس أوباما في جامعة القاهرة الأمل بسياسات ومقاربات أميركية جديدة في المنطقة، حين اعتبر إنجاز السلام في المنطقة مصلحة إستراتيجية أميركية. وقد ساد الاعتقاد بأن الإدارة الأميركية ستدير سياسات جديدة في الشرق الأوسط تخدم هذه المصالح وتنفذ هذه الإستراتيجية، وهذا لا يعني أنها ستدير سياسات ضد المصالح الإسرائيلية. ولكن بما أن الولايات المتحدة هي الوحيدة القادرة على ممارسة الضغوط على إسرائيل من أجل تقديم التنازلات، وهي الحامي الأكبر لإسرائيل من الإدانات الدولية، فهي القادرة على دفعها لانجاز عملية السلام. ولكن المسألة ليست بهذا التبسيط، كما أن للإدارة الأميركية قدرة على التأثير على إسرائيل، تملك إسرائيل قدرة معاكسة على التأثير في السياسة الأميركية من خلال جماعات الضغط، وفي الخلاف الحاصل فقد استخدم كل من الطرفين وسائل الضغط على الطرف الآخر، دون أن يكون واضحاً إلى أين تسير الأوضاع. ولكن يمكن القول أنه خلال التجاذبات التي جرت بين الإدارة الأميركية وبين حكومة نتنياهو على مدى العامين المنصرمين، فقد الزخم الذي أراده الرئيس أوباما لسياسته الشرق أوسطية بريقه مبكراً، عادت إسرائيل إلى سياستها التقليدية، بإغراق المفاوضات حول المفاوضات بالتفاصيل قبل أن تبدأ، واختيار لغوي لوقف الاستيطان أكثر منه عملي، ويندرج في ذات السياق حتى التوصيف الأخير المتفق عليه مع الإدارة الأميركي "الامتناع عن الاستفزازات"، والبحث عن أشكال استمرار هذه المفاوضات دون البحث في قضاياها، وعند البحث في القضايا البحث يجري الحديث عن حلول مؤقتة.
إن كل هذا يجري من أجل "مفاوضات التقارب" ودون أن تحصل الإدارة الأميركية على أي تعهد حقيقي بوقف الاستيطان في الأراضي الفلسطينية بما فيها القدس الشرقية. رغم ذلك بدأت الإدارة الأميركية ممارسة ضغوطها على السلطة الفلسطينية من أجل إطلاق هذه المفاوضات، واعتبرت أن ما تم انجازه مع الإسرائيليين يصلح أساس لإطلاق "مفاوضات التقارب" وهو ما عزز استخفاف إسرائيل بالعملية برمتها وبالاتفاقات الحالية وبالقانون الدولي، وأن ذلك كما يكتب هنري سيغمان، بسبب النظرية الغريبة التي تبنتها الإدارة الأميركية والقائلة بأن توقف إسرائيل عن الاستيلاء المستمر على الأراضي الفلسطينية خارج الخط الأخضر هو "تنازل" من قبلها ويستحق بالمقابل أن يبادله الفلسطينيون والبلدان العربية بتقديم تنازلات حقيقية.
يهدف كل الصخب الذي تديره الإدارة الأميركية حول الخلافات مع إسرائيل، إلى إعادة الطرفين إلى طاولة المفاوضات، على قاعدة إنجاز حل سلمي يقوم على أساس دول فلسطينية قابلة للحياة ولكن دون تحديد آلية ذلك. وتعود إدارة أوباما إلى السياسة الأميركية التقليدية التي تقول أن الطرفين قادران على التوصل إلى حل سلمي من خلال المفاوضات. وأكثر من ذلك، لقد أظهرت زيارة جورج ميتشل الأخيرة للمنطقة أن الإدارة الأميركية تهدف اليوم العودة إلى المفاوضات لا من أجل انجاز تسوية، بقدر ما تسعى إلى ذلك من أجل ملء الفراغ، وبذلك تكون الإدارة الأميركية قد عادت إلى سياسة أدارة الأزمات بدل حلها. وهو ما يناقض الوعد الذي قدمته الإدارة الأميركية منذ خطاب القاهرة، من أنها ستطلق مبادرة للحل. وخلال كل هذه الفترة الطويلة، لم تر تلك المبادرة النور، ولم نحصد سوى إدارة الأزمة، في انتظار حكومة إسرائيلية أخرى، قد تسقط إدارة أوباما قبل أن تأتي إلى السلطة في إسرائيل، ومن خلال ضغوط على الطرف الضعيف في المعادلة، السلطة الفلسطينية، إنها وصفة ممتازة للفشل اختبرتها أكثر من إدارة أميركية.
* المستقبل- سمير الزبن