أسس كل هذا التداخل لعلاقة جوار لم تخلو في متنها السياسي من مد وجزر يحكم علاقات الدول فيما بينها، دون ان تصل في حدودها القصوى الى مس ببنود علاقة معروفة اهميتها للطرفين معا. يدرك من في لبنان هذا العمق في العلاقة الناشئ من ترابط قديم اسس لعلاقة حديثة وصل المزج فيها الى حد تذوق الطعام نفسه.
تطورات دراماتيكية تلك التي وصلتها الاوضاع في سوريا في الاشهر التسعة الاخيرة، معها يقرأ من في لبنان كل يوم في سطور العلاقة الثنائية بين البلدين، يفتحون باطيافهم المختلفة كتبا متناقضة في النظرة الى ما يجري، لا تتشابه صفحات تحاليلهم او تعليقاتهم البتة، عند ذلك يصبح انقسام آرائهم عامودياً وافقياً على ما يجري في الداخل السوري فيه كل العودة منهم الى نموذج يشبه اختلافهم على قضاياهم الداخلية، لكن هذا الاختلاف مهما وصل مداه يبقى مربوطا بما لا يمكن نكرانه من اي منهم وهو أهمية سوريا في لبنان .
يشكل "وليد جنبلاط" احد الزعامات السياسية التي اشتهرت بقراءة بوصلة الامور على الارض وهو ينتمي إلى عائلة لبنانية لها تاريخ من العلاقة مع سوريا، وقف الرجل من المسألة على حافة قراءتين مختلفتين قارب في الاولى منها حداً كبيراً مواقف قوى الرابع عشر من اذار التي قطعت نهائيا مع النظام السوري منها أن " الرئيس السوري لم يستجب أو لم يستطع أن يملي الاصلاح على فريق لا يريد الاصلاح في نظام حكمه"، وفي مواقف اخرى حكم على النظام بقوله :" إذا ظن النظام انه باستمرار الحل الأمني يستطيع أن يقضي على إرادة الشعب السوري في التغيير فهو مخطئ ".
ولم يقف جنبلاط عند هذا الحد بل ذهب إلى تحميل النظام السوري مسؤولية إطلاق الصواريخ مؤخراً من جنوب لبنان باعتبارها «قد تكون رسالة من الجيران إلى فرنسا على الأراضي اللبنانية وعلى حساب الاستقرار اللبناني». لكن ارتدادات جنبلاط دفعته إلى التقاط المساحة الضيقة التي لا تزال تربطه بدمشق عبر حلفائه في بيروت المؤمنين بالنظام ليتمنى عبرهم "أن تخرج سوريا من هذه المحنة لتبقى قوية في الخط الممانع والأساس" والتعبير دائما للنائب جنبلاط قبل يومين، فبرايه المهم أن تبقى"سوريا موحدة لأن أمننا( لبنان) من أمنها والعكس صحيح".
هو ليس تحول لجنبلاط بقدر ما هو إمساك بالعصا من نصفها من قبل رجل قرأ ما قرأه في مواقف روسيا الداعمة والمتمسكة بسوريا ونظامها، وفي جزء آخر نظرة ابعد الى العراق الذي لم يعد من مكان فيه لاي قدم اميركية، واشتمام الرجل لهدنة عربية تقترب اقدامها مع التسوية التي توصل اليها النظام والجامعة على مبادرة الاخيرة، كلها اشارات تحمل جنبلاط ومن خلفه كثيرين مثله على التهدئة الكلامية من الهجوم على النظام إن لم يكن اكثر .
في المقابل تحافظ قوى أساسية لبنانية يشكل عمادها "حزب الله" "حركة أمل" "التيار الوطني الحر" وقوى كثيرة اخرى على مواقف ثابتة في النظرة إلى النظام في سوريا إنطلاقا من إيمانها بدورهذا النظام المحوري في الممانعة ووقوفه إلى جانب المقاومات في المنطقة وقضية فلسطين، وكلها بالنسبة إلى هؤلاء قضايا استراتيجية، تحرك الانظمة الغربية والعربية ضد النظام .
وعلى خط ثالث لم تنخرط الحكومة اللبنانية وهي التي تدرك بالأرقام عمق العلاقات بين البلدين سياسيا واقتصاديا في فرض طوق على النظام، فهي تدرك جيدا أنه لن يتم النآي عن دفع لبنان ثمنا اقتصاديا وسياسيا كلما اهتزت الارض في سوريا، وعليه لا تزال تحاول أن تبقي لبنان بعيدا عن أي مشروع عربي أو غربي ضد النظام.
تتحرك هذه الخلطة السحرية السياسية في لبنان كل يوم إما على خط الدفاع عن النظام أو على خط الوقوف ضده مع مفارقة أن من يهتفون وقوفا كما يقولون مع الشعب السوري هم أنفسهم لم يستقبلوا في يوم من الايام أي سوري ولم يكن شعار شعب واحد في بلدين الا مجرد سخرية يحفظونها للنظام السوري، وعليه لا يخلو مؤتمر او ندوة او جلسة داخلية في لبنان او علنية من هذا الفرز، فهنا الناس تقرا في كتب مختلفة لكن صفحة واحدة يحفظها الجميع كيفما داروا، أن شظايا ما يمكن ان يحدث في سوريا لن تبقى في سوريا فالعلاقة التي نُسجت على مدى سنين بين حدود البلدين لن تقف على الباب اللبناني لتتراجع الى الخلف، فالارض اللبنانية خصبة لان تحتضن في طياتها كل فنون الاهتزاز القادم من الشرق.
*فاطمة عواضة- بيروت- خاص "العالم"