وإذا ما وُضع القرار حيّز التنفيذ، فإن التلاميذ الذين يُمتحنون في هذه الموضوعات سيحظون في عملية القبول في الجامعات بعلامة دنيا من 5 حتى 20 بحسب صحيفة "معاريف"، علماً أنه من أصل 300 ألف تلميذ يتقدّمون إلى امتحانات الثانوية العامة سنوياً، هناك نحو 2.100 تلميذ ثانوي في القطاع الرسمي يُمتحنون بحجم 5 وحدات عربية ونحو 700 يتقدّمون إلى الامتحانات في دراسات العالم العربي والإسلامي.
تُظهر الأبحاث الإسرائيلية أنّ نسبة أحقية الطلاب العرب لشهادة الثانوية العامة (التوجيهي) كانت في العام 2008نحو 32% فقط، مقابل 60% تقريباً لدى نظرائهم اليهود. وفي واقع الأمر فإنّ 75% من خرّيجي المدارس العربية محرومون من فرصة الالتحاق بالتعليم العالي، فيما يواجه الباقون عراقيل تكاد تكون تعجيزية لجهة القبول في الجامعات، خصوصاً في موضوعات المهن الحرّة التي يُقبِل عليها الطلاب العرب نتيجة واقع سوق العمل الإسرائيلي.
وتؤكد الدراسات الفلسطينية أن 50% فقط من الأطفال العرب يلتحقون برياض الأطفال مقابل 90% من اليهود، ويشكّل العرب أقلّ من %10من طلاب البكالوريوس في الجامعات الإسرائيلية، و5% من طلاب الماجستير، و3% من طلاب الدكتوراه، في حين أن نصف الأكاديميّين العرب يعملون في مجالات مختلفة عن مجال تخصّصهم الأساسي. وتسجّل نسبة البطالة بين الأكاديميّين العرب أرقاماً قياسية بفعل انسداد آفاق العمل الأكاديمي العربي.
هكذا فإن فلسطين العربية بعد اليوم هي من دون لغة عربية! فلسطين المحتلة من دون لغة تمثّل تاريخ المتحدثين بها، من دون أرض وثقافة ولاحقاً من دون شعب! فلسطين تقف اليوم على أبواب أكثر القوانين عنصرية في العقد الأخير هو مشروع قانون "ديختر". وهو قانون يسعى من خلاله الكنيست الإسرائيلي إلى إلغاء اللغة العربية كلغة رسمية ثانية في البلاد وتكريس اللغة العبرية كبديل لها، وذلك التزاماً بمنهجية الزعيم الصهيوني دافيد بن غوريون القائل: "الكبار سيموتون والصغار سينسون"، والرامية بالتالي إلى خلق "عربي إسرائيلي" هجين يتكيّف والنظام العنصري السائد.
قانون "ديختر" العنصري تقدّم به النائب في الكنيست عن حزب "كاديما" المعارض آفي ديختر رئيس "الشاباك" سابقاً تحت عنوان "إلغاء اللغة العربية" كإحدى اللغات الرسمية لإسرائيل بجوار العبرية، علماً أن اللغة العربية إلى جانب الإنجليزية، كانتا لغتين رسميّتين منذ الانتداب البريطاني، وبقي الحال على ما هو عليه بعد احتلال الأراضي الفلسطينيّة في العام 1948.
وقّع على المشروع ثلث إجمالي أعضاء الكنيست، ومن بينهم معظم نواب حزب "كاديما"، في حين عمد أربعة نواب إسرائيليّين إلى سحب الدعم لمشروع القانون، واعتبره محمد بركة العضو العربي في الكنيست ورئيس تكتل "حداش" أنه "يتنافي مع كون إسرائيل "دولة ديمقراطية" وينتهك القواعد التي تحظّر طرح مشاريع قوانين تتناقض مع هوية إسرائيل".
يتخوّف المعنيّون في إسرائيل من أن يفتح مشروع قانون إلغاء اللغة العربية النار على الكيان الاحتلال من قِبل عرب فلسطين، وإغراقها في الدعاوى القضائية المدعومة بالمادة (9 أ) الشمولية من القانون الإسرائيلي، والتي تنصّ على أن "كلّ واحد من سكان إسرائيل من دون فرق في الدين والقومية، يحقّ له العمل من أجل الحفاظ على ثقافته وتراثه ولغته وهويته".
التعليم العربي كتعليم ذي خصوصية قومية وثقافية، كان ولا يزال هدفاً أساسياً بالنسبة إلى الكيان الصهيوني، بهدف إضعافه تمهيداً لنفيه. إذ جرت محاولات دؤوبة منذ سنوات لإزالة العربية حتى عن لافتات الإرشاد في الشوارع، وكتابتها بالعبرية، كما مُنع العمال والموظفون العرب من التحدث بالعربية في ما بينهم في أماكن العمل، وصولاً إلى القانون الأخير الذي يتعامل مع قضية اللغة على مستوى قانوني في إطار العداء التاريخي للشعب ولغته.
التعليم في قبضة الاحتلال
تسلّطت حكومات إسرائيل المتعاقبة منذ العام 1948 على جهاز التربية والتعليم في المناطق العربية في الداخل، بهدف السيطرة الكاملة على الفلسطينيّين الذين بقوا في أرضهم بعد النكبة، خصوصاً الأجيال الجديدة، ووضعت السلطات الإسرائيلية مناهج ومضامين تعليمية مشوّهة غيّبت الأدب العربي والفلسطيني الحديث عن المناهج الرسمية، واستبعدت قامات الفكر والأدب الفلسطيني من أمثال محمود درويش وإميل حبيبي وتوفيق زيّاد وغسان كنفاني وسميح القاسم، واستبدلتهم بنصوص حاييم نحمان بياليك، وراحيل، وشاي عجنون. وبدلاً من دراسة فكر خليل السكاكيني وإميل توما وإدوارد سعيد وأدبهم، يتعلم الفلسطينيّون فكر هرتسل، ونوردو، وبن غوريون.
لا تقف محاولات العدو الإسرائيلي عند حدود تغييب اللغة والمناهج العربية أو صهينة قطاع التعليم العربي عموماً، إذ حدث قبل ذلك أن أثار ذكر كلمة "النكبة" في كتاب الجغرافيا لطلاب المرحلة الابتدائية العرب سجالاً في أوساط الإسرائيليّين، دفع المعنيّين إلى استبداله بمصطلح "تراجيديا" أو "مأساة"، وذلك في سعيٍ لطمس المعطيات التاريخية الحقيقية لصالح الأكاذيب الصهيونية. كما سعت سلطات الاحتلال إلى فرض النشيد الإسرائيلي بشكل رسمي في المدارس العربية، الأمر الذي دفع القيادات السياسية والتربوية العربية إلى التهديد بإعلان العصيان المدني. وتأتي كلّ هذه القرارات الإلغائية إلى جانب إجراءات عدّة لمنع إحياء ذكرى النكبة، ومشروع "عبرنة" أسماء القرى والمدن العربية التي قوبلت بتهديد بالإضراب والاحتجاج من قبل عرب فلسطين..
الصحافة الإسرائيلية حملت بدورها على مشروع القانون، وكتب شلومو افنيري في صحيفة "هآرتس" مقالاً بعنوان "غوغائية ديختر"
أكد فيه أن "القانون سيرفع من حدّة التوتر بين اليهود والعرب وسيسيء الى سمعة إسرائيل"، معتبراً أنه "يوجد دواء واحد لاقتراح القانون هذا، وهو أن يُطوى تماماً لأنه أضر بمكانة اللغة العربية باعتبارها اللغة الرسمية الثانية في إسرائيل، وبالتالي لم يعد يهم أن تُسمى العبرية الآن "لغة الدولة" لا "اللغة الرسمية".
وعلّق دافيد بارزيلاي في الصحيفة نفسها تحت عنوان "نتنياهو تكلمْ العربية" فكتب أن "رئيس حكومة كندا ستيفن هاربر عندما وقف الى جانب رئيس الولايات المتّحدة ألقى خطابه بالفرنسية ومن ثم بالإنجليزية، لأنها الطريقة التي يتكلم بها زعماء كندا، على الرغم من أن الفرنسية هي اللغة الأولى لأقل من 16 في المائة من سكان كندا، إلا أنها لغة الدولة ومقامها يساوي مقام الإنجليزية. العربية في إسرائيل هي لغة الدولة بفعل قانون انتدابي تبنّته الكنيست، لكن على خلاف ما يحدث في كندا، المساواة هنا نظرية فقط، إذ لا كرامة ولا تقدير للّغة العربية وهي لغة ثرية كُتبت بها أعمال إبداعية يُحتذى بها".
لقد أظهر استطلاع أجراه المركز اليهودي- العربي في جامعة حيفا ومركز أبحاث التربية للسلام ومركز التربية العربي اليهودي في العام 2009، أن 96 % من العرب يؤيدون تدريس اللغة العربية بشكل إلزامي، بينما اعتبر 67 % من اليهود أنها لغة مهمّة ويجب تعليمها في المدارس. كما أظهر أن حوالى 94.3 % من المواطنين العرب يجيدون اللغة العبرية بينما 38 % من اليهود يجيدون اللغة العربية، وأن حوالى 75 % من العرب يدعمون التعليم ثنائيّ اللغة بينما 30 % من اليهود فقط يدعمون الفكرة.
لو أن الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريهRégis Debrayصاحب كتاب "رسالة إلى صديق إسرائيلي" الذي صدر في مطلع العام الجاري 2011 وفيه تعداد لمثالب إسرائيل التي ينصح صديقه بالإنسحاب منها والتراجع عن دعمه المشروع الصهيوني الذي آل إلى نازية يهودية، لو أن هذا الفيلسوف الذي عرف إسرائيل عن كثب بعدما زارها واطّلع على ممارساتها العنصرية ضد الفلسطينيين، لو أنه علِم اليوم بالقرار الإسرائيلي العنصري الجديد، قبل صدور كتابه، لأفرد له في الكتاب فصلاً خاصاً به، يفنّد فيه المستوى العنصري الذي بلغته إسرائيل في ممارساتها لا ضدّ الفلسطينيين فحسب، ولا ضدّ العرب أجمعين فحسب، بل ضدّ العلم والمعرفة والثقافة والأدب جميعاً؛ ففي ذلك القرار ما فيه من استخفاف لا بممارسات المنظمة العالمية للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) التي كان آخرها الاعتراف بعضوية فلسطين فيها فحسب، بل استخفاف واستهانة بوجود هذه المنظمة بالذات أيضاً، لأن القرار الإسرائيلي بمنع تعليم العربية يناقض الأسس الفلسفية والحضارية التي قامت عليها المنظمة.
والأرجح، أن دوبريه لن يترك هذا القرار يفلت من المحاسبة والعقاب بعدما حاسب هذا الفيلسوف الفرنسي قرارات عنصرية إسرائيلية أخرى تقلّ عنه أو تبزّه عنصرية.
*مؤسّسة الفكر العربي