لابد من ملاحظة جزئيتين مهمتين في حادثة اقتحام السفارة ..
الاولى هي ان السفير البريطاني في طهران كان قد عقد اجتماعا قبل الحادثة بيوم مع سفراء الاتحاد الاوربي في ايران لمعرفة موقفهم والتشاور بما يمكن فعله ردا على قرار البرلمان الايراني الذي يلزم حكومة احمدي نجاد بالتنفيذ خاصة بعد مصادقة مجلس صيانة الدستور عليه. وحسب معلوماتي الخاصة ان سفراء الاتحاد لم يكن لديهم أي اشارة من حكوماتهم عن أي رد فعل على الاجراء الايراني تجاه لندن عدا سفير النرويج الذي اكد ان بلاده ستتخذ اجراء تضامني مع بريطانيا.
الجزئية الثانية: وهي وحسب مصادر خاصة ومطلعة اتصال قيادة الشرطة في ايران بالسفير البريطاني طالبين الاذن لدخول قوات الشرطة الايرانية حرم السفارة ومنع المتظاهرين من الدخول عبر السور لكن السفير البريطاني رفض منحهم الاذن بذلك ولا تستطيع قوات الامن الايرانية دخول حرم السفارة دون اذن حسب اتفاق فينيا الناظم للبعثات الدبلوماسية .
من خلال هاتين الجزئيتين يمكن الاستنتاج ان بريطانيا ارادت استثمار الحدث للافلات من الشعور بالاهانه لقرار البرلمان الايراني طرد سفيرها ولاخذ زمام القرار الذي كانت ستتخذه كردة فعل بعد طرد سفيرها.
في عام 1980 أي بعد عام على انتصار الثورة الاسلامية في ايران اقتحم متظاهرون مقر السفارة الايرانية في لندن وتم احتجاز عدد من الدبلوماسيين الايرانيين وقتل احدهم وهو السيد اللواساني .
وقبل اسابيع اقتحم عدد من المتظاهرين في لندن ايضا مقر السفارة السورية وانزلوا العلم السوري ورفعوا علم الاكراد واعلام اخرى ولم يكن من الحكومة البريطانية الا ان اصدرت بيان تاسف به لما حدث .
ولن تفعل طهران كما هو واضح اكثر من بيان اسف صدر عن وزراة خارجيتها . اما في البرلمان فلجنة الامن القومي هناك كان لها راي اخر فرئيس اللجنة السيد علاء الدين بروجردي قال سيكون الايرانيون مسرورين بخلو البلاد من البريطانيين.
بين بريطانيا وايران تاريخ يصفه الايرانيون بالسجل الاسود للممكلة المتحده في التعاطي معهم وهذا تماما ما تتحدث عنه الصحف الايرانية معللة هذا الاحتقان الشديد للطلبة والشعب الايراني تجاه بريطانيا تحديدا.
فالانجليز شاركوا الاتحاد السوفياتي في غزو ايران . كما انهم اصحاب الدور الابرز في الاطاحة بحكومة محمد مصدق عام 1953 واعادة شاه ايران محمد رضا بهلوي للحكم كما ان الوثائق التي تم العثور عليها عند اقتحام السفارة الامريكية بعد انتصار الثورة الايرانية عام 1979 من قبل طلبة ايرانيين كشفت عن دور بريطاني خطير في محاولة اجهاض الثورة الاسلامية الايرانية.
كل هذا يضاف الى ثقافة ايرانية تعتبر ان بريطانيا مسؤوله عن اقامة "اسرائيل" في المنطقة عبر وعد بلفور ومساندة بريطانيا للولايات المتحدة في حروبها في المنطقة .كما ان لدى ايران معلومات عن مشاركة الاستخبارات البريطانية في الكشف عن اسماء علمائها النوويين ما ادى الى اغتيال بعضهم.
بعض المثقفين الايرانيين ينظرون الى بريطانيا والغرب عموما على انه يمارس حربا لمنعهم من العودة الى التاريخ كحضارة كبرى منافسة للغرب على المستوى العلمي والتكنولوجي وحتى العسكري وان هناك بعدا صراعيا بين حضارات . قد يكون هذا صحيحا .. ولكن الادق هو ان مؤشر العلاقات الغربية يتحرك طبقا للقرب او البعد عن "اسرائيل" . والنظام في ايران مشكلته الاساسية مع الغرب هو انه نظام يعادي "اسرائيل".
وهنا بالمناسبة لدى العرب اسبابا اكثر واكبر للحنق على بريطانيا اذا ما احتكمنا الى التاريخ .. والحاضر ايضا.
كمال خلف/ كاتب فلسطيني