أثينا على حافة الهاوية. فقد وصلت موجة الاحتجاجات إلى مستوى جديد من العنف قبل أيام حين توفي ثلاثة أشخاص، وفقا للشرطة، في حريق تسبب فيه أحد المتظاهرين حين ألقى قنبلة حارقة داخل بنك خلال مسيرة إلى البرلمان من قبل عشرات الآلاف من المتظاهرين احتجاجا على التدابير التقشفية.
وشل الإضراب العام في أنحاء العاصمة اليونانية أيضا حركة الحافلات والقطارات. في الوقت الذي تجتاح فيه المظاهرات اليومية تقريبا المدينة، والتي تم لف الأكروبول خلالها بلافتة شيوعية، يهرع المسؤولون من صندوق النقد الدولي والاتحاد الأوروبي بين الفنادق الفخمة ومكاتب وزارة المالية الأقل نظافة في محاولة لمعالجة الأزمة المالية المتصاعدة في البلاد. هذه الأجواء المحمومة ليست مستغربة. ففي الأسبوع الماضي، اتفقت حكومات منطقة اليورو، وصندوق النقد الدولي، على عملية إنقاذ بقيمة 110 مليارات يورو لتجنب الإفلاس الوشيك. وجاء دور اليونان الآن: هل يمكن أن تصبح دولة فاعلة وقادرة على العيش في حدود إمكاناتها، أم هل ستظل دولة معطوبة؟ لا شك أن الخيار الأخير ستكون له تداعيات كارثية على منطقة اليورو المكونة من 16 دولة، وخارجها؛ وتشعر الأسواق المالية بالقلق على مستقبل الاتحاد النقدي في أوروبا.
ويقول بوول ثومسون، مسؤول صندوق النقد الدولي الذي قاد المفاوضات في عملية إنقاذ البلاد: أشعر أن هذه لحظة حاسمة بالنسبة للمجتمع اليوناني، وأن هناك حاجة إلى إحداث تغيير هيكلي جوهري . إن ما يتوقعه العالم هو نموذج مختلف تماما- ولنستعير كلمة ابتكرها اليونانيون- فليس على أثينا فقط تنظيم ماليتها العامة، ومنع خروج مستويات الدين عن السيطرة أكثر من ذلك، بل عليها أيضا إيجاد نموذج نمو جديد لعكس مسار سنوات من فقدان القدرة التنافسية. إلا أن هذا ليس سوى البداية. فقد أثارت اليونان صدمة المطلعين في الخارج بسبب ضعف مؤسساتها السياسية. وتم فضح الإحصاءات الاقتصادية الرسمية المضللة، كما أن الفساد منتشر، وجمع الضرائب مهمة متقطعة- لوصف ذلك بألطف تعبير. وفي نهاية الأسبوع الماضي، أخبر جورج باباندريو، رئيس الوزراء الاشتراكي، مجلس الوزراء أننا: نريد أن نثبت أن اليونان بدأت في التغير، وأنها ولدت من جديد . يجب أن يكون هناك ضمير يوناني جماعي جديد . هل هذا ممكن حقا؟ لقد حظيت اليونان، التي تعتبر أحد أصغر أعضاء الاتحاد الأوروبي والتي يبلغ عدد سكانها 11 مليون نسمة فقط، بنصيبها العادل من الأزمات في التاريخ الحديث، من الاحتلال الأجنبي إلى الديكتاتورية العسكرية. وواجهت في الآونة الأخيرة تحديات اقتصادية صعبة في تلبية معايير الانضمام لمنطقة اليورو عام 2001 (تبين في وقت لاحق أن أرقام عجز الميزانية خاطئة)، إدارة دورة الألعاب الأولمبية الناجحة عام 2004.
إلا أن هذه الأزمة مختلفة- ليس فقط بسبب حجمها الذي سيتطلب إجراءات هرقلية في جميع جوانب المجتمع، بل أيضاً لأن نقطة البداية ليست صعبة. فخلال عضوية اليونان في منطقة اليورو التي دامت عقدا كاملا، أصبحت غنية من فوائد أسعار الفائدة المنخفضة والاستقرار الاقتصادي. من بين التحديات الهائلة المقبلة، ستمنحها خطة الإنقاذ الوقت لمعالجة أولى هذه التحديات: الأزمة المالية المباشرة. فحتى مطلع عام 2012، لن تضطر أثينا إلى جمع المال في الأسواق المالية الدولية المحمومة، التي ارتفعت فيها تكاليف الاقتراض أخيراً. وفي المقابل، عليها خفض الإنفاق الحكومي وزيادة الضرائب- دفع فاتورة سنوات الازدهار- لمنع تصاعد الديون إلى المرحلة التي تصبح فيها عاجزة عن الوفاء بالتزاماتها المالية. وهناك حاجة إلى تشديد مالي هائل بموجب هذه الخطة، حيث يعادل أكثر من 10 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2014. يعتقد البعض أن هناك مجالات واسعة لشد الأحزمة.
فعلى سبيل المثال، تعتبر استحقاقات المعاشات التقاعدية من بين الأكثر سخاء في العالم، وفقا لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. وتشكل الإيرادات الضريبية 32 في المائة فقط من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بمتوسط منطقة اليورو البالغ 40 في المائة. وربما تمكنت دول أوروبية أخرى عصفت بها الأزمات- السويد في منتصف التسعينيات، وإيرلندا في الثمانينيات- من إحداث تخفيضات مالية كبيرة على نطاق مماثل. إلا أن هذه المهمة ستكون أصعب بكثير على اليونان لأن من المتوقع أن تؤدي الخطة إلى إغراق البلاد أكثر في الركود. فمن المتوقع أن يتقلص الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4 في المائة هذا العام، وبنسبة 2.6 في المائة أخرى عام 2011. علاوة على ذلك، كان البرنامج المالي مركزا في تكاليفه في المرحلة المبكرة بشكل متعمد في محاولة لاستعادة المصداقية سريعاً في الأسواق المالية- لذا فإن أكبر تشديد سيحدث هذا العام. من غير الواضح أيضاً ما إذا كان إدراك عمق الأزمة منتشراً على نطاق واسع بما فيه الكفاية لكي يتم اعتماد التدابير. ففي استطلاعات الرأي التي نشرت يوم السبت الماضي في صحيفة تو فيما اليومية، يعتقد 41 في المائة من المجيبين أنه كان من الممكن تجنب خطة التقشف الأخيرة، ويأمل 15 في المائة فقط بأنها ستحل الأزمة.
من المتوقع أن تستمر الإضرابات والاحتجاجات من قبل العاملين في القطاع العام، وقد تحاول نقابات العمال القوية تأجيل إدخال التقنية الجديدة وممارسات العمل التي هي أساس التدابير المدعومة من صندوق النقد الدولي لتحديث الإدارة. ويخشى بعض المحللين ألاّ يكون رئيس الوزراء الدمث وفريقه من الوزراء المتعلمين في الخارج الذين يفتقرون للخبرة، قادرين على أداء المهمة. فقد بدأت جهود الإصلاح التي بذلتها الحكومات السابقة بداية جيدة، حيث تم تحقيق الأهداف في البداية، ولكنها انحرفت عن مسارها مع اقتراب الانتخابات. يقول جورج باباكونستانتينو، وزير المالية، إنه: كلما تمت السيطرة على الأمور واستعادة الثقة بالأسواق مبكرة، كان بالإمكان استعادة الظروف المناسبة للاستثمار وبدء انتعاش الاقتصاد في وقت مبكر. إلا أن اليونان تواجه هنا التحدي الكبير الثاني: إعادة بناء نموذجها الاقتصادي. ساعدت عضوية منطقة اليورو على تغذية الطفرة الاقتصادية التي استمرت حتى عام 2009. إلا أن ارتفاع الأجور، وانخفاض مكاسب الإنتاجية، تسببا في خسارة كبيرة للقدرة التنافسية الدولية، والتي أدت إلى تزايد عجز الحساب الجاري وخفض الاستثمار الأجنبي المباشر.
ومع تقلص الاقتصاد المحلي بصورة أسرع الآن، فإن الحاجة ملحة إلى توسيع قطاع الصادرات الصغير. ولكن ليس هناك خيار لخفض قيمة العملة. تدعو خطة صندوق النقد الدولي، ومنطقة اليورو، إلى تحرير الصناعات، وزيادة مرونة أسواق العمل. فعلى سبيل المثال، يخشى المستثمرون من قيود مثل منع الشركات، باستثناء الصغيرة جدا منها، من طرد أكثر من 2 في المائة من القوى العاملة لديها في وقت واحد. على الجانب المشرق، لدى الدولة قطاع شحن قوي. ويعتقد المسؤولون أيضاً أن هناك إمكانات للنمو في قطاع السياحة والثقافة وقطاع الصحة والرفاه، وكذلك في مجال تقنية المعلومات. وتريد الحكومة الاستفادة من المواهب في الشتات- الآلاف الذين ذهبوا للخارج للتعليم والحصول على فرص عمل- عن طريق إقناعهم بفوائد العودة لتعزيز مجموعة المواهب في الوطن. إلا أن المزاج العام في الصناعة يميل للتشكيك. ويقول جورج بريستريز، رئيس جيك تيرنا ، المجموعة الصناعية والإنشائية: الجميع يتحدث عن تحرير الاقتصاد، ولكن يجب أن نرى إجراءات ملموسة. وربما تكون الأزمة بمثابة صدمة كهربائية، حيث ترى الأمور فجأة من منظور مختلف وواضح . ولكنه لا يعتقد أن حس التغيير التاريخي بلغ الحجم الذي بلغه في أعقاب انهيار المجلس العسكري الحاكم عام 1974. عانى ذلك الجيل مصاعب أكثر بكثير مما نعانيه اليوم . لعل نقاط ضعف الدولة أكثر وضوحا في قطاع السياحة. فاليونان لديها الثقافة، والطقس، والمشاهد الجميلة، ولكنها فشلت أيضاً من اجتذاب أصحاب الدخول العالية من خلال تطوير المراسي البحرية، أو ملاعب الجولف أو الإجازات المكلفة المليئة بالمغامرات.
وتعني عضوية منطقة اليورو أنها غير قادرة على التنافس في مجال التكلفة مع وجهات سياحية مثل تركيا. في محاولة لزيادة قبول خطة صندوق النقد الدولي اجتماعيا، تحمي هذه الخطة الحد الأدنى من الأجور- الأمر الذي يقلل مجال وفورات التكلفة في قطاع السياحة الذي يوظف عديدا من العمال ذوي الدخل المنخفض. يقول جورج دراكوبوبوس، من رابطة شركات السياحة اليونانية، إن الروتين الحكومي هو المسؤول الأول عن ذلك. فإجراءات الحصول على التأشيرة أسهل بكثير مثلاً في تركيا، وهو ما شجع ظهور موجة جديدة من السياح الروس الأثرياء. وفي الوقت نفسه، تقوض الأزمة الشركات بصورة متزايدة. ويقول دراكوبوبوس: المشكلة الكبرى هي الألمان، بسبب كل هذه الدعاية السيئة جدا التي حظينا بها. تسلط متاعب قطاع السياحة الضوء على التحدي الثالث الذي يواجه اليونان: استعادة سمعتها التي تضررت بشدة في نظر العالم. فقد تعرضت الجدارة الائتمانية للدولة ونزاهتها للتدقيق الدولي. ويقول كوستا باكوريس، من الفرع اليوناني لمنظمة الشفافية الدولية، الهيئة التي تراقب الفساد: إذا نظرت إلى الأزمة، ستجد الفساد في قلبها. ولن نستطيع معالجة الأزمة إلا إذا عالجنا مشكلة الفساد. ستكون مهمة تنظيف القطاع العام من الفساد صعبة. فقد اعترف، حتى رئيس الوزراء، بأن بلاده مليئة بالفساد.
ويقول باكوريس إن الفساد جزء من الطريقة اليونانية للحياة منذ العصور القديمة. فخلال قرون عديدة من الاحتلال الروماني والبيزنطي والتركي، أصبحت الطبقات الحاكمة معتادة على أخذ المال مقابل الخدمات السياسية. إلا أن نظام المحسوبية تسارع منذ أوائل الثمانينيات، حين أنهت الحكومة الاشتراكية للرئيس أندرياس باباندريو- والد رئيس الوزراء الحالي وابن رئيس الوزراء السابق- ثلاثة عقود من الحكم اليميني، وبدأت حقبة من الحكومة الأوسع تدخلاً من أي وقت مضى. يمكن القول إن مشكلات الفساد هي الأكبر في الخدمات الصحية. فقد اعتاد الأطباء على تلقي مظاريف صغيرة محشوة بالمال من المرضى المتلهفين على الحصول على علاج سريع. وتقول لينا نيكولوبولو، المستشارة التي تقدم المشورة للجمعيات الصحية وشركات الأدوية: لقد أصبح وحشاً. الجميع يشكو منه، ولكن إذا عانت والدتك أو طفلك المرض، لا تتوقع أن يطلب الطبيب هذه المظاريف- بل تقوم أنت بإعطائها له . يقول باكوريس إن اليونانيين بعكس السويسريين تماما- الذين لا يتسامحون حتى مع الانتهاكات الصغيرة للقانون. نحن الأسوأ من حيث التسامح مع كل شيء تقريبا . والأكثر من ذلك، يعتبر الإبلاغ عن الانتهاكات خيانة، وليس واجباً مدنياً. إلا أن باباكونستانتينو يرفض فكرة وجود خلل أساسي في طبيعة اليونانيين. ويقول في هذا الصدد: إذا اعتقدت أن الأمر متأصل بك، فليس هناك شيء يمكنك فعله حيال ذلك إذن. ولكن إذا اعتقدت أن الأمر يتعلق بالمؤسسات والحوافز، يمكنك العمل على ذلك. أنا لست عالم إنثروبولوجيا اجتماعية. وبوصفي خبيراً اقتصادياً، فإنني أنظر دائما إلى هذه الأمور من حيث الحوافز والمثبطات . لقد بدأت حملة ضد ذلك. فالأطباء في أحد أجزاء أثينا الراقية يخضعون لحملة شديدة بسبب التهرب من دفع الضرائب.
وتقول نيكولوبولو: لنر ما إذا كانت هذه الحملة ستستمر. فالمشكلة هي في الالتزام، ويجب أن تحدث مرارا وتكرارا . لا يشك أحد في أثينا أو خارجها في أن اليونان بدأت مسيرة طويلة لاستعادة احترامها واكتفائها الذاتي الاقتصادي. فالمزاج العام في العاصمة كئيب - وبخاصة بعد الوفيات من أحداث الشغب الأخيرة. ولكنه ليس ميؤوسا منه. ويقول دراكبولوس في هذا السياق: يصبح أداء اليونانيين أفضل تحت الضغط. وهو يستذكر التوقعات الدولية قبل دورة الألعاب الأولمبية عام 2004 قائلا: كان العالم يتوقع كارثة أو مأساة، ولكن الأمر كان جيدا في النهاية .
*فاينانشال تايمز- كيرين هوب، ورالف اتكينز