وفي هذا الإطار، يشير الخبير في الشؤون التركية محمد نور الدين الى أن "الجميع يعلم أن الدور التركي في المنطقة في السنوات الأخيرة لم يكن ليكبر وليتحول الى دور إستراتيجي مؤثر إلا بفعل العلاقات الإستراتيجية التي بنتها مع سوريا". ويرى نور الدين، في حديث لـ"النشرة"، أن "الموقف التركي السلبي من الأحداث القائمة في سوريا ضرب أحد الركائز الأساسية في هذه العلاقة ألا وهو الثقة بين الجانبين".
ولكن الأستاذ في العلاقات الدولية في جامعة كوجلي في أسطنبول سمير صالحة يعتبر أن "القيادة السورية هي المسؤولة عن هذا الأمر من خلال إصرارها على عدم الإستجابة لمطالب شعبها"، ويرى أن "مستقبل هذه العلاقة يتوقف على موقف القيادة السورية"، ويعتبر أن "حماية هذه العلاقة من مسؤولية هذه القيادة التي كلما أسرعت في الإستجابة للإصلاح تقطع الطريق أمام أي مؤامرة تتحدث عنها". ويوضح صالحة، في حديث لـ"النشرة"، أن "سياسة حزب العدالة والتنمية كانت دائماً مبينة على الإنفتاح على الجميع"، ويضيف: "ربما في السنوات الأخيرة كان الإنفتاح على الشرق أكبر، لكن هناك تحولات مرتبطة بالوضع الداخلي وبالمتغيرات الإقليمية دفعت الى تحسين العلاقات مع الغرب". ولكنه يشدد على أن "هذا لا يعني أن تركيا ستتخلى عن علاقاتها مع العالم الإسلامي"، ويعتبر أن "هذا الأمر سيكون خطأ إستراتجياً في حال حصل".
من ناحية أخرى، يلاحظ نور الدين أنّ "التفسيرات التي أعطيت للموقف التركي من الأحداث السورية تمحورت حول أمرين: الأول نزعة كامنة في الذهنية التركية وفي حزب "العدالة والتنمية" بالتحديد تدفعه الى السعي ليكون على رأس المنطقة أو اللاعب الأساسي فيها، وهذا جزء من بقايا النزعة العثمانية، والأمر الثاني والأخطر هو أن مثل هذا الهدف لا يمكن أن يكون إلا عبر التحالف مع الغرب وتحت المظلة الأطلسية". ويوضح أن هذا الأمر عبّر عنه وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو قبل مدة عندما أعلن أن تركيا أخذت مكانها في المعسكر الغربي، وفيما بعد كانت المشاركة العسكرية في ليبيا وكان الكلام عن نشر الدرع الصاروخي التابع لحلف شمال الأطلسي في الاراضي التركية. ولكن صالحة يشدد في المقابل على أن "الأتراك أكدوا أكثر من مرة على أن لا وجود لمشروع إمبراطورية في المنطقة"، ويلفت الى أن "حتى الكلام عن نشر النموذج التركي في الحكم هو من الأدبيات الغربية، والقيادة التركية أشارت الى أنه لكل دولة من دول المنطقة خصوصيتها"، ويؤكد أن "حزب "العدالة والتنمية" يؤمن بهذا الأمر ويدركه جيداً".
مستقبل العلاقات السورية التركية
حتى اليوم، لا تزال القيادة السورية تصر على أهمية المحافظة على علاقتها الإستراتيجة مع تركيا، ولكنها تشدد على أن مستقبل هذه العلاقة يتوقف على الموقف التركي من الأحداث السورية، وتؤكد أنها جاهزة لكل الإحتمالات. ويشير نور الدين في هذا السياق إلى أن "البلدين متجاوران ومن مصلحتهما وجود علاقات جيدة بينهما"، ولكنه يرى أن "تركيا ستكون متضررة أكثر من سوريا في حال لم تستمر هذه العلاقة لأنها هي من تسعى الى دور إقليمي لا بل وعالمي، وهذا الأمر ليس بحسابات القيادة السورية"، ويضيف: "لا يمكن أن تسعى تركيا الى هكذا دور وتتجاهل البوابة السورية الى الشرق".
ويعتبر أن "تعميم نظرية أن النظام السوري سيسقط هو من باب التهويل والضغط على النظام في ظل إستحالة إسقاطه من الداخل أو الخارج"، ويعتبر أن "مشكلة تركيا هي مع كل المنظومة الواسعة التي ينتمي إليها النظام السوري والتي تمتد من لبنان الى العراق وفلسطين وايران". وبناء على ذلك، يرى نور الدين أن "سقوط النظام السوري ووصول بديل قريب من تركيا لا يعني أن هناك مرحلة إيجابية من العلاقات التركية مع دول المنطقة، أي المنظومة الواسعة التي تنتمي إليها سوريا، لأن إسقاط النظام هدفه إسقاط نهج هذه المنظومة وليس فقط سوريا".
ومن جانبه، يشير صالحة إلى أن "الحديث عن بقاء النظام السوري كما هو بعد كل الذي حصل مسألة صعبة جداً بالنسبة للأتراك"، ويلفت الى أن "هذا الأمر تحدث عنه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي أكد أنه الى جانب التغيير"، ويوضح أن "هناك نقطة ثانية تعزز هذا الطرح وهي الموقف العربي من الأحداث السورية الذي يشدد على أن المطلوب من القيادة السورية هو الإستجابة لمطالب شعبها"، ويعتبر أن "هذه الفرصة ستكون الأخيرة بالنسبة للقيادة السورية"، ويشدد على أن "مستقبل العلاقة بين الجانبين يتوقف على موقف القيادة السورية".
وعن إحتمال التدخل العسكري التركي في سوريا، يستبعد صالحة هذا الأمر، ويشير الى أن "القيادة التركية لا تزال تراهن على أن حل الأزمة السورية سيكون من الداخل".
الدبلوماسية التركية والجيش
بالإضافة الى ما تقدم، هناك العديد من علامات الإستفهام التي تطرح حول الواقع التركي الداخلي في ظل هذه الأحداث، خاصة ما يتعلق بموقف الجيش التركي من السياسة الخارجية التركية ومستقبل الدبلوماسية التركية، ويعتبر نور الدين أن تركيا "تعرض علاقاتها وكل استراتيجياتها للانكسار، وعلى كل الأصعدة، ليس فقط مع سوريا بل مع كل المحور المذكور من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد"، ويرى أن "تركيا تواجه في الحالة السورية امتحانا دقيقا في سياستها الخارجية يختلف عن كل امتحاناتها السابقة مع الدول العربية الأخرى".
على صعيد موقف القيادة العسكرية التركية من الأحداث السورية والكلام عن موقف لها يتعارض مع موقف القيادة السياسية، لا يظن صالحة أن هناك تضارباً في الآراء بين القيادتين في النظرة الى الاحداث السورية، ويرى أن "زيارة قائد القوات البرية التركية الى الحدود مع سوريا في الأيام القليلة الماضية هي رسالة في هذا الإطار تؤكد أن ليس هناك من تضارب في الأراء".
الأيام المقبلة ستكون كفيلة بتحديد مستقبل العلاقة بين البلدين، وستكشف إن كانت تركيا ستخسر الرهان على سقوط النظام السوري، وبالتالي ستخسر فرص الإنفتاح على الشرق وستعود الى عزلتها في ظل المعارضة الأوروبية لإنضمامها الى الإتحاد الأوروبي أم أنها ستربح الرهان وستعود الى لعب دور كبير في زمن الإنكفاء العربي.
* ماهر الخطيب