بعد انتهاء الانتخابات في ولايات كولورادو وكونكتيكت وجورجيا ومينيسوتا الثلاثاء الماضي، في ظل خلافات داخلية ضروس طبعت موسم الانتخابات التمهيدية، يمكن للناخبين والنقاد اليوم تحويل اهتمامهم باتجاه المعركة السياسية الحقيقية هذا العام: تشرين الثاني المقبل، موعد إعادة انتخاب 435 مقعدا في مجلس النواب و37 مقعدا في مجلس الشيوخ.
وانتخابات التجديد النصفي هي «طقس» اميركي خاص اذ ان معظم الديموقراطيات تختار مشرعيها وقياداتها التنفيذية في الوقت نفسه، وقد أدت إلى ولادة مقولات سياسية عديدة حول دلالاتها ونتائجها. إلا أن عددا من هذه المقولات المنتشرة، يبقى غير واقعي. في الاتي، تحاول صحيفة «واشنطن بوست» دحض «أساطير» حول الانتخابات النصفية الأميركية، وتظهر الأبعاد الفعلية لهذه الدينامية السياسية المهمة.
1ـ الانتخابات النصفية تسمح بتوقع نتائج الانتخابات المستقبلية.
تتحدد هذه الانتخابات الى حد كبير بعوامل قصيرة الأجل، بما في ذلك شعبية الرئيس والوضع الاقتصادي. ونتيجة لذلك، فإنها نادرا ما تشير إلى اتجاهات طويلة الامد، ولا قيمة لها في توقع نتائج الانتخابات الرئاسية او التشريعية اللاحقة. والرؤساء الذين لحقت بهم خسائر كبيرة في الانتخابات النصفية، كهاري ترومان في العام 1946 ورونالد ريغان في العام 1982 وبيل كلينتون في العام 1994، اعيد انتخابهم بسهولة بعد ذلك بعامين. لذا، حتى لو حقق الجمهوريون مكاسب كبيرة في العام 2010 كما هو متوقع على نطاق واسع، فإن الأمر لن يقول لنا شيئا عمّا سيحدث في العام 2012.
لكن، وبالرغم من الخسارة الفادحة التي لحقت بالجمهوريين قبل عامين، يبدو أنهم مرتاحون ازاء آفاق العودة بقوة في العام 2010.
2ـ الفوز لن يحالف أصحاب المناصب
نسمع هذه المقولة، كلما تزامنت انتخابات التجديد النصفي مع انتشار واسع لاستياء الناخبين. ولكن الواقع، أنه حتى عندما لا يبدو الناخبون سعداء، يتم انتخاب الغالبية العظمى من شاغلي المناصب في كلا الحزبين. وعلى الرغم من استطلاعات الرأي التي تظهر انخفاضا في التأييد الشعبي هذا العام، فلم يخسر سوى عدد قليل من شاغلي المناصب مقاعدهم في الانتخابات التمهيدية. وفي حين يتوقع ان تكبّد الجولة الثانية خسائر اكبر في المقاعد، ليس من المتوقع أن يخرج اكثر من 10 في المئة من اعضاء البرلمان.
وغالبا ما ينتمي الاعضاء الذين يخسرون مقاعدهم في الانتخابات النصفية، إلى حزب الرئيس. ففي العام 1994، خلال عهد بيل كلينتون الرئاسي، لم يخسر سوى اصحاب المقاعد الديموقراطية فيما خسر الجمهوريون في العام 2006 خلال ولاية جورج بوش الثانية. اما هذا العام، فمن المرجح أن يكون معظم «الضحايا» من الديموقراطيين.
3ـ رسالة الرئيس تلعب دورا بارزا
ليس لرسالة الرئيس الاميركي من تأثير يذكر على انتخابات التجديد النصفي. وإذا كان الناخبون غير راضين عن رئيسهم واقتصاد بلادهم، فسيعجز حتى أصحاب الكاريزما السياسية كالرئيس الأسبق رونالد ريغان عن منع تكبد حزبه خسائر. وينطبق الامر نفسه على مستشاري الرئاسة، اذ بدا كارل روف عبقريا في العام 2002 لأن تأييدا عاما وقويا رافق الرئيس بوش في أعقاب هجمات 11 ايلول 2001، غير ان عبقريته زالت بعد ذلك بأربع سنوات، يوم لم يعد الناخب الاميركي راضيا عن رئيسه وحربه على العراق.
ولكن، يبقى أن بعض المقاعد الفردية، ستتأثر برسالة الرئيس. وفي عام كهذا، يشكل الفارق بين خسارة الديموقراطيين 35 مقعدا، او خسارتهم 40، الفارق ما بين رئاسة نانسي بيلوسي او الجمهوري جون بوهنر للبرلمان. بالرغم من ذلك، لا يرجح أن يتمكن الرئيس باراك اوباما من تغيير الكثير خلال الأشهر القليلة المقبلة، فالصورة تكاد تكون قد اكتملت.
4ـ الاقتصاد هو العامل الأهم
ليست هذه المقولة، صحيحة دائما. انخفاض الاقتصاد يشوه عموما صورة حزب الرئيس، ويسهم في خسارة هذا الحزب في انتخابات التجديد النصفي. لكن ضعف الاقتصاد لا يعني تلقائيا كارثة انتخابية، وخاصة إذا كان الناخبون منشغلين بمشاكل أخرى مثل الحروب أو الفضائح.
هذا العام، قد يلعب الاقتصاد دورا بارزا في الانتخابات النصفية. فنتيجة الانهيار الاقتصادي، واموال الانقاذ المالي التي أغنت المصارف والمؤسسات الكبرى، إضافة إلى التعافي البطيء والبطالة المرتفعة، يبدو أن العامل الاقتصادي عاد إلى الواجهة مجددا.
5ـ الانتخابات النصفية تمنح سلطة الإدارة
قد تشكل نتائج التصويت في جميع انحاء البلاد رسالة موحدة تحمل حكما شعبيا على الحزب الحاكم، من المرجح ان يكون سلبياً. لكن الحزب الفائز، يسعى غالبا إلى استخدام هذه النتائج وتصويرها موافقة شعبية على أهدافه السياسية.
واذا فاز الجمهوريون في تشرين الثاني المقبل، فلا شك انهم سيحاجون بأن في ذلك، ما يفوضهم بمتابعة أجندتهم الخاصة، والعمل ضد اجندة الرئيس. لكن قرارات كهذه قد تعود سلبا على الحزب الحاكم، وهو ما حدث في العام 1994 يوم ربح الجمهوريون مقاعد الكونغرس بقيادة نيوت غينغريتش وتصرفوا كما لو لم يكن للرئيس أية أهمية، وكأنهم المسؤولون عن الحكومة ومشاريعها، ما أعطى الرئيس كلينتون فرصة لتصوير الجمهوريين على انهم متعجرفون ومتطرفون، ما ساهم في انتخابه لولاية ثانية في العام 1996.
إذن، وفي حال ارتكب الجمهوريون الخطأ نفسه في العام 2011، وهو ما يقوم به بالفعل بعضهم في مجلس النواب اذ يتحدثون بجدية عن قطع الطريق أمام تمويل اصلاح الرعاية الصحية، واجزاء من إصلاحات النظام المالي، فمن المرجح ان يكون رد فعل الجمهور اشبه بما حصل في العام 1995، ومن شأن ذلك أن يجعل من أوباما الرابح الأكبر في الانتخابات النصفية المقبلة.
* صحيفة واشنطن بوست