عاجل:

الثورة ضد الاستعمار أم معه !

الإثنين ١٤ نوفمبر ٢٠١١
١٠:١٣ بتوقيت غرينتش
الثورة ضد الاستعمار أم معه ! 14/11/2011 الدكتور ماهر الجعبري maherjabari@gmail.com?

بينما تموج الأرض تحت أقدام الحكّام الذي ظلّوا يحرسون مصالح الغرب ودوله الاستعمارية طيلة العقود الماضية، تعلن الجماهير في البلاد الثائرة أنها تريد إسقاط النظام، ولكنّ النظام ليس مجرد شخص الرئيس، بل هو أيضا سياسة حكمه ومرجعيته وشبكة العلاقات التي يتحرك فيها وحدوده الجغرافية، وفي ظل تركيز الإعلام وبعض حركات المعارضة على إسقاط أشخاص الحكام، يبرز التساؤل:

هل ينجح الغرب الاستعماري في الانقضاض على الثورات وحرفها عن مسارها ؟ وهل يتمكن من إعادة التكوّن والتشكّل عبر مجالس ثورية أو عسكرية أو عبر حركات معارضة تعيد ترسيخ نفوذه تحت مسميات ثورية كما حصل في القرن الماضي عندما تربع هؤلاء الرؤساء على العروش تحت شعارات الثورة والتحرر من الاستعمار ؟

إن الواقع المصاحب لهذه الثورات والمتمخض عنها يشير إلى حالة من صراع الإرادات بين قوى تريد التحرر الكامل من الاستعمار بكل أشكاله ومن كل أعوانه، وبين قوى تقبل إعادة إنتاج الاستعمار تحت مسميات جديدة.

في تونس، باركت فرنسا وأمريكا انتخابات أفرزت "حركة إسلامية" ترفع الإسلام شعارا بينما تمارس الديمقراطية (العلمانية) نهجا، وتقبل بنسج العلاقات مع نفس الدول الاستعمارية التي وظّفت بن علي الهارب، وهي تتحرك ضمن حدود الدولة الوطنية متمثلة نهج تركيا (التي لا تخجل من علاقاتها الاستراتيجية مع دولة الاحتلال اليهودي، ولا من انخراطها في حلف النيتو الذي يذبّح المسلمين).

 وفي مصر أعاد المجلس العسكري سيرة مبارك فحصر الثورة ضمن حدود سايكس بيكو وظل يتفرّج على قتل المسلمين في ليبيا، وحمى سفارة دولة الاحتلال اليهودي، وجدد قنوات الاتصال معه، وظل يمدها بالغاز، بينما ظلت الناس تفجّر تلك الأنابيب وتقتحم السفارة المشؤومة، وفي الوقت نفسه، تستعد أمريكا للتعامل مع حركة إسلامية تقبل لعبة الديمقراطية، مما يشير إلى أن أمريكا لا تنوي ولم تقبل الانسحاب من الساحة المصرية أمام عنفوان الثورة.

وفي ليبيا، اختلطت أوراق المجلس الانتقالي بمخططات حلف النيتو، ولما عبّر رئيسه عن مشاعر مسلمي ليبيا الطبيعية بأنهم يريدون تطبيق الشريعة، تحرّكت مخاوف الغرب الاستعماري، واعتبروا ذلك التصريح مناقضا لشراكتهم في القضاء على نظام القذافي.

وفي اليمن يستمر الصراع السياسي والإعلامي بين حكومة وبين معارضة من جنسها تحاول حشر الثورة ضمن مسارها، ويتمركز الصراع حول أشخاص الحكام الجدد لا حول مفهوم الحكم الجديد، فيما يجهد الغرب في إعادة ترتيب أوراق من يحكم تحت عينه وبصره من جديد، وترقب الأمة انفجار الثائرين ضد الحكام وضد تلك المعارضة التي تريد سرقة الثورة.

وفي سوريا تشكل مجلس انتقالي يعيش في أروقة الحكام ويتحرك ضمن مجالهم وحسب مخططات جامعة الدول العربية، التي تضم نفس الأنظمة التي تثور الأمة ضدها، في تناقض يصعب حل لغزه دون اللف والدوران حول الثورة.

إذن، هنا يكبر التساؤل حول تحركات وتصريحات بعض الرموز العلمانية التي تدعي أنها مع الثورات، إذ كيف تتنفس الثورة مفاهيم الاستعمار الثقافي والسياسي الغربي وتعيش في أحضان الحكام وفي المحافل الدولية ؟ وهل يمكن أن تبقى الثورةُ ثورةً إذا نسّقت مع الغرب تغيير الأنظمة ؟ وإذا أبرزت أنظمة يريدها الغرب الاستعماري الذي تثور الأمة ضده ؟

هو مشهد متناقض يزداد فظاعة كلما تقدم الثائرون للأمام، وخصوصا أن هنالك من حركات المعارضة وغيرها ممن يعمل على تزيين هذا النهج المناقض للثورة.

 إن دين الأمة هو الإسلام الذي يحرر الناس من كل عبودية لغير الله، بينما "دين" الغرب الاستعماري هو الديمقراطية-العلمانية التي تُعبّد الناس للبشر الذين يشرّعون لهم، وتعبّدهم للدول المهيمنة على ساحة العلاقات الدولية، وتعبّدهم للمؤسسات الدولية التي أنشأها الغرب لتنفيذ مصالحه، من مثل هيئة الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية وغيرها.

وإذا لم تتحرر الأمة من الغرب سياسيا واقتصاديا وفكريا فلا يمكن أن يدّعي أحد حينها أن هنالك ثورة ضد الاستعمار، بل الوصف الطبيعي لحالة العيش ضمن آفاق الغرب الاستعماري أنها "ثورة" مع الاستعمار لا ضده ! وهذا ما لا يمكن أن يرضى به الثائرون المضحّون.

لقد انطلقت الثورات ضد الحكام لأنهم عملاء للدول الاستعمارية، ولأنهم ظلوا يحرسون حدود سايكس بيكو بل وحدود دولة الاحتلال اليهودي، فكيف يمكن قبول منطق الدولة الوطنية ضمن حدود سايكس بيكو التي تسيطر على عقليات المعارضة التي تزاحم الثوار على زمام الثورة ؟ وكيف يمكن أن تنحبس الثورة ضمن خطوط اختلقها استعماريّين: فرنسي وبريطاني ؟

ولقد انطلقت الثورة ضد الأوضاع السياسية والاقتصادية المزرية التي أنتجها رضوخ الأنظمة السابقة للمؤسسات الدولية الاستعمارية ولشروطها، فكيف يمكن أن تعيد الثورة قضيتها لأروقة تلك المؤسسات وهي التي أهلكتها من قبل؟ وكيف يمكن لثائرة يمنية أن تقبل تسلّم جائزة من مؤسسة "استعمارية"؟

إن السياسة الخارجية في الإسلام الذي هو دين الأمة ومبدؤها السياسي تتمحور حول حمل الخير للبشرية من خلال الدعوة الإسلامية، لا حول حمل أوساخ العلمانية للأمة من خلال ترويج الديمقراطية والدولة المدنية، وهي التي أفرزها صراع تاريخي بين "دولة الكنيسة" وبين قوى التغيير في الغرب إبان فترة تخلّف أوروبا، وهو صراع لم تعشه الأمة الإسلامية على الإطلاق، فكيف يمكن أن تستورد ثورة الأمة منتجات ثورة الغرب ؟ بدل أن تحمل للغرب والعالم الخير والهدى وتصدر له مفاهيمها الناهضة !

إن قبول منتجات الغرب "الثقافية" هو تأكيد لمنطق الهزيمة وسير على نهج تقليد المغلوب للغالب، ولا يمكن في هذه الحال أن تتحرر الأمة من الاستعمار، وطالما أن هنالك دعاة لهذا التقليد من المنهزمين والمغلوبين أمام حضارة الغرب فلا تحرر ولا ثورة على الاستعمار.

صحيح أن السياسة الخارجية تستخدم المناورات السياسية، ولكن المناورة لا تعني تغيير المبادئ وقبول سياسات الغرب، لأن ذلك النهج ليس مناورة بل هو تنازل حضاري وهزيمة ثقافية، لا تتوافق مع قوة الثورة.

كيف يمكن للثائرين على الاستعمار الغربي أن تكون لهم علاقات سياسية مع دول ذلك الاستعمار سواء أكانت على مستوى الفرد أو الحزب أو الدولة ؟

لقد ترسّخت أسس السياسة الخارجية في الخلافة من منظور وعي خاص ومن منطلق فهم كيانات الدول، حيث تنظر للدول على أساس ما تحمل تلك الدول من مبادئ وسياسات تجاه الدولة الإسلامية:

فالدول الاستعمارية فعـلاً كبريطانيا وأميركا وفرنسا والدول التي تطمع في بلادنا كروسيا، لا يصح أن تنشأ معها أية علاقات ديبلوماسية ولا أن تفتح لها أوكار تجسس في بلاد المسلمين، لأنها دول "محاربة حكماً"، ولذلك تُتخذ معها جميع الاحتياطات السياسية والعسكرية بناء على ذلك. وبدهيّ أن تمنع المعاهدات العسكرية منعاً باتاً، وبالتالي لا يمكن لثورة أن تتمخض عن نظام يقبل بفتح القواعد العسكرية للدول الاستعمارية أو تأجيرها، أو أن يتحالف أو يتشارك مع حلف النيتو.

أما الدول المحـاربة فعلاً "كإسرائيل" مثلاً فيجب أن نتخذ معها حالة الحرب أساساً لكافة التصـرفات، ولا يمكن لثورة ضد الاستعمار أن تفرز نظاما يقبل بعلاقات دبلوماسية مع الاحتلال. 

أما الكيانات السياسية القائمة في بلاد المسلمين فهي كلها كيانات غير شرعية، ولا تتعامل معها دولة الخلافة على أساس حقها بالوجود المستقل، إذ لا تعترف بكيانات سايكس بيكو ولا تعترف أن لهم شؤونا داخلية خاصة بهم، ولذلك لا يمكن النظر لأي ثورة على أنها شأن داخلي لذلك البلد، ولا يمكن أن يطالب الثائرون بحق تقرير مصير خاص بهم دون الأمة ومن ثم يدعون الانتماء لتلك الأمة.

 طبعا هذا لا يعني أن الدولة الإسلامية تعيش في عزلة عن العالم، وفي حالة حرب على دول الأرض قاطبة، بل هنالك دول لا تطمع في بلاد المسلمين وليست في حالة حرب معها، فتعيش معها الدولة عيشا طبيعيا. ومن نافلة القول أنه يجوز عقد معاهدات حسن جوار، ومعاهدات اقتصادية، وتجارية، ومالية، وثقافية، ومعاهدات هدنة، وأن الدولة الإسلامية تشارك في إغاثة الشعوب خلال النكبات، وتمد جسور التواصل معها على أساس حمل الخير لها.

ولكنها لا تفعل ذلك من خلال المنظمات الاستعمارية إذ لا يمكن أن تنخرط بها دولة تعبر عن ثقافة الأمة التحررية، ولا أن تشترك فيها، سواء كانت دولية مثل هيئة الأمم، ومحكمة العدل الدولية، أو إقليمية مثل الجامعة العربية، أو منظمة التعاون .

هذه هي معالم السياسة الخارجية التي تُحدث تغييرا جوهريا في الأمة وتعيد صياغة "العلاقة" مع الغرب على الأسس الصحيحة، وتمكن الأمة من التحرر من الاستعمار وتجعل الثورة ضده لا معه.

 وهي معالم تؤدي إلى خلق أعراف دولية جديدة خارج سياق القانون الدولي الذي فرضته الدول الاستعمارية، وتؤدي إلى فتح حوار عالمي ثقافي حول مفاهيم العدل والخير في العالم بدل استمرار هيمنة مفاهيم الغرب المغلوطة، عندها لن ينجح الغرب الاستعماري ولا أعوانه في الانقضاض على الثورات وفي حرفها عن مسارها، وستلفظ الأمة كل أشكاله وألوانه ولا تتكرر حالة القرن الماضي من إعادة إنتاج أنظمة تحرس مصالح الغرب تحت مسميات ثورية وتحررية؟

 

0% ...

آخرالاخبار

قصف إسرائيلي يستهدف بلدة القنطرة في جنوب لبنان


المنتخب الإيراني لكرة السلة يحرز برونزية دورة الألعاب الآسيوية


حرس الثورة الإسلامية يعترض ويدمر طائرة مسيّرة أخرى من طراز MQ-1 تابعة للجيش الأمريكي في أجواء مضيق هرمز


الخارجية الإيرانية: نؤكد أن الحصانة التي تمنحها أمريكا لهذا الكيان يجب ألا تؤدي إلى عرقلة السعي لتحقيق العدالة والحرية لفلسطين والمطالبة بمحاكمة ومعاقبة المجرمين الإسرائيليين


الخارجية الإيرانية: إن الكيان الصهيوني الذي ارتكب واحدة من أكبر عمليات الإبادة الجماعية في تاريخ العالم لجأ في الوقت ذاته إلى الاغتيال والتعذيب المنهجي والواسع النطاق للفلسطينيين للمضي قدماً في مخططه الشيطاني لمحو فلسطين استعماريًا


الخارجية الإيرانية: ندين بشدة الإهانة الوقحة التي صدرت عن رئيس وزراء الكيان الصهيوني بحق المسجد الأقصى وانتهاك حرمة البراق


الخارجية الإيرانية: نؤكد مسؤولية المجتمع الدولي عن اتخاذ إجراءات جادة وحاسمة لوقف إبادة الفلسطينيين


الخارجية الإيرانية: مع اقتراب انعقاد الدورة السنوية للجمعية العامة للأمم المتحدة تعرب وزارة خارجية الجمهورية الإسلامية الإيرانية عن قلقها العميق إزاء استمرار جرائم الكيان الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية


الخارجية الإيرانية تدين الجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبها الكيان الصهيوني بحق الفلسطينيين


قوات الاحتلال تداهم منازل المواطنين خلال اقتحام بلدة كفر قدوم شرق قلقيلية


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان