عاد أعضاء مجلس النواب الاميركي إلى ولاياتهم من أجل الحملة الانتخابية. ويتبعهم أعضاء مجلس الشيوخ بعد إكمال أعمالهم في واشنطن هذا الأسبوع. والسؤال الذي يكمن خلف العاصمة هو مدى سوء انتخابات منتصف الفترة في تشرين الثاني (نوفمبر) بالنسبة إلى الحزب الحاكم. ولقد قام السكرتير الصحافي للبيت الأبيض، روبرت جيبس، بخطوة خاطئة، لكن ليس توقعا غير واقعي، حين ذكر أن الجمهوريين يمكن أن يسيطروا على الكونجرس. أما نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، فترفض دراسة إمكانية حدوث هذا الاحتمال.
وأيا كان الوجه الذي يختار الديمقراطيون وضعه على مأزقهم، فإن توقعاتهم بخصوص عام 2010 تبدو كئيبة. وسيفقدون في أحسن الأحوال عشرات المقاعد في مجلس النواب، إضافة إلى عدد من المقاعد في مجلس الشيوخ. وفي أسوأ الأحوال، يمكن أن يواجهوا تكرارا للفشل المطلق الذي حدث عام 1994، حيث أفقد بيل كلينتون، المتعثر سياسيا، حزبه السيطرة على مجلسي الكونجرس للمرة الأولى خلال نحو نصف قرن. وكانت حركة حفل الشاي لذلك العام شعار نيوت جنجريش الذي لم يكن أقل راديكالية: عقد مع اميركا ، الذي جمع الأجناس المحلية المتباينة حول رسالة غاضبة ومعادية للحكومة.
إذا ما حدث شيء مشابه لـ ثورة 1994 هذا العام، فإن فترة الحركة النشطة لرئاسة باراك أوباما ستنتهي، وسيتبعها موسم من اليأس الديمقراطي والاتهامات المضادة. وبينما سيكون هنالك مقدار كبير من اللوم، فإن معظم ذلك سيوجه إلى أوباما نفسه لفشله في ربط نفسه بفكرة الحكومة محدودة الحركة، ذلك الفشل الذي يشعل تمرد اليمين.
وهناك قليل من الشك في أن أوباما يرى أن الحدود على حجم ومدى الحكومة جانب أساسي من الليبرالية. وشأنه شأن كلينتون، فإن أوباما يوصف بحق بأنه وسطي التوجه، مع تفضيله حلول القطاع الخاص. وهو كذلك شبيه بكلينتون من حيث أنه اعتمد على مشورة اقتصادية مسؤولة وسائدة في الإطار العام، إضافة إلى أنه نأى بنفسه عن أجندة السياسة الاجتماعية لدى اليسار في حزبه. فكيف سقط أوباما الذي درس أخطاء كلينتون السياسية في الفخ نفسه، بالسماح للمحافظين بوصفه بأنه اشتراكي ، أو في أفضل الحالات ليبرالي من طراز ليندون جونسون؟
يكمن جزء من الإجابة في الظرف الذي ورثه أوباما: اقتصاد منكمش، وعجز ميزانية هيكلي متسع، ومطالبة مكتومة لاتخاذ إجراءات حكومية حول قضايا تراوح من الرعاية الصحية إلى التغير المناخي. وبينما حاول كلينتون أن يبلور رهانه على الحركة الفيدرالية النشطة المتجددة حول نهج من المسؤولية الشخصية، فإن غريزة أوباما كانت رفض تعريف فلسفته بأي وسيلة شاملة على الإطلاق.
وينبع التردد في التعبير عن وجهة نظر واضحة إزاء دور الحكومة من قلق بخصوص الأيديولوجية التي هي سليمة في كثير من الجوانب. وينظر الرئيس إلى نفسه كرجل عملي. وهو يبحث غريزيا عن الحلول الوسط مع الجمهوريين، ولم يتخل بعد عنها، رغم أن الجمهوريين أخفقوا في لقائه، حتى بصورة جزئية، في أي من محاولات اللقاء بهم. ويميل أوباما إلى النظر إلى الحكومة كمزودة للوصول إلى الأمور وإلى الفرص في سوق خاصة، بدلا من أن تكون ضامنة مانحة للمنافع في إطار حكم على مستوى البلاد. لكنه من خلال جانبه العملي، أخفق في تهدئة خواطر الناخبين القلقين من التوسع دون حدود للدولة المسيطرة.
إن الخوف من الدولة واسعة التأثير متأصل في طبيعة التكوين الاميركي. ويقدر الجانب العقلاني من الاميركيين أن الدولة يتسع دورها استجابة للحرب، أو الأوضاع الاقتصادية الطارئة، لكنهم يرون كذلك أن الإجراءات المؤقتة تميل إلى البقاء فترة طويلة بعد انتهاء الأزمة. وقد تضخم الإنفاق الحكومي على كل المستويات من نحو 33 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في التسعينيات إلى ما يقدر بـ 44 في المائة هذا العام. وعلى المستوى الأعلى يبدأ تآكل الفروق بين الديمقراطية الاميركية والديمقراطية الاشتراكية الأوروبية.
ومن الجانب الآخر هناك نفاق في الترويج للخوف من جهة الجناح اليميني. وقد تطلبت الأزمة المالية العالمية توسعا قويا ومؤقتا للإنفاق. وأولئك الأعضاء في الكونجرس الذين ضاعفوا تكلفة الحكومة إبان حكم بوش، تذكروا فجأة مبادئهم حين أصبحوا في صفوف المعارضة. وما زال على الجمهوريين إعلان برنامج، حيث فضلوا البقاء في صفوف المعارضة السهلة، والموحدة، ضد أي شيء يفضله أوباما. إن الفراغ الذي أوجدوه ترك معظم الانتباه يوجه إلى المرشحة الرئاسية غير المعلنة، سارة بالين، التي تقدم تعليقاتها العبثية على موقع تويتر وقناة فوكس الإخبارية، قيمة مرتبطة بالتسلية.
وكي يتمكن أوباما من الوقوف في وجه هذه الهجمات غير الأصيلة، فإنه في حاجة إلى شرح سبب عدم تأدية سياسته إلى دولة أكثر اقتحامية وإلى اقتصاد أقل مرونة. فقد قصَّر في هذا الأمر - إما بسبب عدم امتلاكه وجهة نظر واضحة حول دور واشنطن، وإما بسبب شعوره بأن بيانها سيعتبر خطأ سياسيا. وعلى أية حال، من المنطقي له أن يوجد حكومة واسعة التأثير بعض الشيء كي يواجه بشيء من القوة اقتراحات مثل تنظيم قطاع الوجبات السريعة.
كان أمام كلينتون بعد هزيمته عام 1994 خيار صغير بدلا من التخلي عن المبادرات واسعة النطاق، وتبني فكرة أن عصر الحكومة واسعة الصلاحيات قد ولّى . وأمام أوباما أشهر قليلة قبل انتخابات منتصف الفترة، وإذا أخفق في بث اعتقاده بحدوده مسبقا، فمن المتوقع أن يجد حدودا جديدة مفروضة عليه بعد ذلك.
* فاينانشال تايمز-جاكوب وايزبيرج