تبدو الحيرة واضحة على وليد جنبلاط كلما حاول أحد أن يفكك رموز كلامه، ففي مواقفه طلاسم تصلح لكل شيء للسلبي والايجابي معا، ناهيك عن أن ما يقوله الرجل صباحا قد لا يصبح نافعا حتى له بعد الظهر. ليست معضلة تلك بقدر ماهي لا جدية باتت تصبغ مواقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي منذ زمن.
عندما خرج وليد جنبلاط في الثاني من آب من صفوف قوى الرابع عشر من أذار في " اعلان البوريفاج الشهير" قيل يومها إنه عاد الى مربعه الصحيح الذي شب عليه ضمن عائلة جنبلاطية معروفة بتوجهاتها العروبية، لكن احداً لم يكن يملك الثقة بأن الرجل الذي يبدل مواقفه كما يبدل ثيابه سيثبت على هذا التحول الجديد. فالرجل صحيح أنه قدم بتحالفه مع قوى الثامن من أذار لها الفرصة بان تشكل وحدها حكومة بعد أن سقطت حكومة سعد الحريري بضربات الاستقالة الجماعية من قبلها، لكنه لا يوفر فرصة دون أن يمرر لمن قيل في لحظة أنهم حلفاؤه الجدد مواقف يؤكد لها وللجميع أنه قادر على التحول عنها باية لحظة.
فتمويل المحكمة الدولية السبب الرئيس في تطير حكومة سعد الحريري التي لطالما رفع وليد جنبلاط شعار تسيسها ليدفع بلا أهليتها في محاكمة عادلة، تغيرت لهجته حولها هذه الايام فبات الرجل من المدافعين عن تمويلها بوصفها واحدة من اسباب استقرار لبنان مع تفهمه لوجهة نظر حزب الله القائلة بالتسيس، وهو الحزب نفسه الذي قصد جنبلاط أن يمرر قبوله بنهجه الدفاعي لا غير ذلك تحت عنوان قبوله ببقاء سلاحه، وبذلك بقي الرجل محافظا على خط علاقة لا يريد لها أن تنقطع مع حزب الله في هذه المرحلة او بمعنى أدق هو عكس المثل اللبناني الذي يقول " ضربة عالحافر وضربة عالمسمار"، فلا قطيعة مع الحزب لكنه مع وجهة نظر قوى 14 اذار في ملف المحكمة وإن لم يجارها في قضية السلاح . مواقف جنبلاط ليست بالجديدة بالتاكيد لكن فيها من الوضوح ما يؤكد تموضع جديد يحضر له الزعيم الدرزي القابل للتماشي مع أي شي في المنطقة.
فجنبلاط كما يقول المراقبون في بيروت صاغ لاول مرة في الجمعية العمومية للحزب التقدمي الاشتراكي خطاً عالياً من الصدام مع سوريا لم يكن يتجرأ عليه في السابق، عندما دعاها مباشرة إلى " وقف اطلاق النار على المتظاهرين سلميا، والى سحب جيشها من المدن والسماح لكل الصحافة والاعلام بتغطية الاحداث وإلى الإصلاح السياسي من خلال إلغاء المادة الثامنة من الدستور وفتح المجال امام التعددية الحزبية وإعداد دستور جديد، مع تاكيده بان " الحوار وحده الكفيل بحل الخلافات وحل الازمة داخل سوريا" فأعلن بذلك الإلتقاء الكامل مع الانظمة العربية التي يدرك جنبلاط أن دمشق لا توافقها الرؤية في النظرة إلى الاوضاع في سوريا.
لكن كي لا يخسر كل شي لم يقطع جنيلاط بالكامل مع النظام " فأدان الاعتداء على القوات المسلحة" وادان ايضا "أي دعوة الى التدخل الخارجي" وفي ذلك كما يقرأ المراقبون هنا خياراً واضحاً من قبله ضد النظام السوري لم يصل من قبله الى مرحلة الاعلان، فجنبلاط براي هؤلاء تستهويه لعبة الرقص على حافة الهاوية، هو يعلم بأن الوضع في لبنان وسوريا في حالة فراغ سياسي وليس هناك استقرار في المعادلات وبالتالي هو قادر إذا ما أخذت الامور في سوريا إتجاه ثبات النظام أن يغير في مواقفه لانه يدرك أن الجميع بحاجة اليه في ظل تفتت القوى السياسية في لبنان، وعليه يبدو جنبلاط في الموقف واللاموقف متوجساً من كل شي لا بل حائراً في ما يجري إلى درجة إبقاء الامور مفتوحة على مصراعيها. انه ينتظر ماذا بعد؟ ما دامت زعامته تعطيه السقف للتبديل والتغير تحت مسميات قادر على ان يحبكها في ساعة التحول.
الكاتبة : فاطمة عواضة- بيروت