كشف مصدر حكومى مصري رفيع المستوى، أن القيادة السياسية تبحث جديا الانسحاب من مبادرة حوض النيل، وعدم استكمال أى دراسات أو مشروعات مشتركة مع دول الحوض الأعضاء فى المبادرة، التى يمولها البنك الدولى بصفته الشريك الأساسى للتنمية فى مبادرة حوض النيل.
يأتى هذا بعد أن أعلن مكتب مبادرة حوض النيل بمدينة عنتيبى الأوغندية منذ أيام عن إعادة هيكلتها وتحويلها إلى لجنة عليا لإدارة شئون نهر النيل يشارك فيها ممثلون عن دول الحوض، وهو ما تنص عليه الاتفاقية الإطارية الجديدة التى وقعتها خمس من دول منابع النيل دون موافقة مصر والسودان.
من جانبه رفض مفيد شهاب، وزير الدولة للمجالس النيابية والقانونية، التعليق على الموقف الكينى بالتوقيع على الاتفاقية الإطارية التى أقرتها دول منابع النيل قبيل زيارة رئيس الوزراء الكينى لمصر بعد يومين.
وقال شهاب فى مكالمة هاتفية مع صحيفة "الشروق"، إن الرد على كينيا الآن غير مناسب فى ضوء المساعى السياسية والدبلوماسية المصرية لاحتواء الموقف، ووصول زيارة رسمية مهمة إلى مصر من كينيا تضم وفدا رفيع المستوى برئاسة رئيس الوزراء الكينى.
وفى سياق متصل، قالت صحيفة "الأوبزرفر" الاوغندية إن الخلاف حول مياه النيل زاد من الإنفاق على التسلح فى دول منابع النيل، تحسبا لحرب قد تشنها مصر على تلك الدول.
ونقلت الصحيفة عن تقرير معهد أبحاث السلام السويدى الدولى عن صفقات السلاح فى العالم لسنة 2008 أن كينيا جاءت فى المرتبة الرابعة كأكبر المستوردين للسلاح بين 23 دولة فى النصف الجنوبى الأفريقى، بعد رفع إنفاقها من 222 مليون دولار فى عام 1999 إلى 260 مليون دولار عام 2008. كما أن كينيا قامت بشراء طائرات صينية من طراز Y-12 وناقلات جنود مدرعة، أما أوغندا فقد ارتفع انفاقها من 173 مليون دولار إلى 237 مليون دولار بين عامى 2003 و2008.
وكانت كينيا وقعت يوم الاربعاء الماضي على الاتفاقية الاطارية لاعادة تقسيم مياه النيل لتنضم بذلك الى دول منابع حوض النيل الاربع ، اثيوبيا واوغندا ورواندا وتنزانيا ، التى وقعت في 14 مايو فى مدينة عنتيبى الاوغندية على الاتفاق الجديد وذلك فى غياب دولتى المصب مصر والسودان.
وقاطعت مصر والسودان الاتفاقية واعلنت القاهرة ان الاتفاق غير ملزم لها.
وتريد دول المنبع أن يحل الاتفاق الجديد محل الاتفاقين السابقين الموقعين خلال الحقبة الاستعمارية (1929 و1959) ويمنحان دولتي المصب أي مصر والسودان 87% من اجمالي مياه النهر مع 55,5 مليار متر مكعب للأولى و18,5 مليار متر مكعب للثانية.
كما يمنح الاتفاقان الحاليان القاهرة حق الفيتو فيما يتعلق بكل الاعمال او الانشاءات في دول المنبع التي يمكن ان تؤثر على حصتها من مياه النهر التي تمثل 90% من احتياجاتها المائية .
وجمهورية الكونغو الديمقراطية وبوروندى وهما من دول المنبع لم توقعا بعد على اتفاق عنتيبي الجديد.
وكشفت وسائل الاعلام المصرية أن القاهرة تنتظر زيارة رئيس جمهورية الكونجو الديمقراطية جوزيف كابيلا في 29 ايار/مايو ورئيس بوروندي بيار نكورو نزيزا في حزيران/يونيو المقبل .
لكن بعد التطورات الاخيرة قررت الحكومة المصرية الرد على تعنت دول منابع النيل السبع الآخذ في التصاعد دون أي مبرر، والذي بات يشكل تهديدا حقيقيا للأمن المائي المصري، خاصة في أعقاب القرار المنفرد الذي اتخذته 4 من تلك الدول بتوقيع اتفاق جديد حول تقاسم مياه نهر النيل على الرغم من مقاطعة مصر والسودان، مما أثار غضب القاهرة التي اعلنت ان الاتفاق غير ملزم لها.
وبعد ساعات من توقيع الاتفاق، أعلنت إثيوبيا عن افتتاح أكبر سد مائي على بحيرة "تانا"، والتي تعتبر أحد أهم موارد نهر النيل، وذلك في سابقة خطيرة تؤشر إلى نية دول منابع النيل في تصعيد مواقفها ضد مصر.
وحذر خبراء مصريون في مجال المياه من خطورة إنشاء مثل هذه السدود علي حصة مصر من مياه النيل، واصفين إنشاءها بالسابقة الخطيرة التي ستدفع دول حوض النيل الأخري إلي أن تحذو حذو إثيوبيا وتقوم بإنشاء السدود دون الرجوع إلي مصر.
وفي تصعيد جديد ضد مصر، أعلنت الحكومة الكينية رسمياً أنها ستوقع على الاتفاقية الإطارية لدول حوض النيل، لتصبح الدولة رقم "5" التي تنضم لهذه الاتفاقية.
في هذه الأثناء، كشف مصدر حكومى رفيع المستوى بملف حوض النيل عن قرار مصرى بتجميد أى مشروعات ثنائية مع دول الحوض، ووقف أى منح أو تمويل مصرى لمشروعات التنمية بتلك الدول، مؤكدا أن هذا التوقف يمثل ردا قويا لدول حوض النيل، كى تتوقف عن تصعيدها لمواقف متعنتة ضد مصر، على حد قوله.
ونقلت صحيفة "الشروق" المستقلة عن المصدر، قوله: "إن أغلب المشروعات الفنية التى ساهمت بها مصر فى دول الحوض كانت لمساعدة الحكومات فى توصيل مياه الشرب النظيفة لشعوبها، وتأهيل الشعوب على استغلال مياه النهر فى المشروعات التنموية الصغيرة لاستمرار الحياة".
وأكد المصدر أن أوغندا كثيرا ما عانت من انسداد مجارى المياه وتوقف أنشطة الصيد لآلاف من صغار الصيادين، بسبب انتشار حشائش النهر، "وكانت مصر هى الدولة الوحيدة التى ساعدت أوغندا فى تطهير مجارى المياه بها، والقضاء على حشائش النيل وتطوير شواطئ 15 قرية لتمكين الصيادين وزيادة عدد مصانع الأسماك من 2 إلى 18 مصنعا وتدريب ودعم قدرات 100 مهندس وفنى وإنشاء 4 سدود لحصاد المياه".
ورغم تلك المساعدات، أعلنت وزيرة الموارد المائية الكينية، تشاريتى نجيلو، أنها ستوقع اليوم على وثيقة الاتفاقية الإطارية التي تم إرسالها من مدينة عنتيبى الأوغندية إلى نيروبى، بحضور وسائل الإعلام والصحفيين الذين دعتهم الوزارة. وجاء ‘علان الوزيرة قبل أيام قليلة من قيام الوزيرة بزيارة القاهرة والمقررة يوم السبت القادم.
وكان الدكتور محمد نصر الدين علام وزير الموارد المائية والرى المصري، أكد في تصريحات له الثلاثاء، أن مصر تراقب وبدقة عن كثب المشروعات الخاصة بتوليد الطاقة فى دول المنبع حتى لايتم استخدام مياه هذه المشروعات فى زراعة مساحات من الاراضى قد تؤثر سلبا على حصتنا المائية.
وقال إنه فى حالة خروج أى مشروع لتوليد الطاقة عن هدفه، وثبوت إضراره بحصة مصر أو تأثيره على تدفق مياه النهر فان الحكومة المصرية لن تتوانى فى اتخاذ الاجراءات القانونية والدبلوماسية للاحتجاج ومنع مثل هذه الاستخدامات الضارة.
من ناحية أخرى، قالت السودان إنها طمأنت مصر بشأن عدم إقامة أى سدود مائية على أراضيها إلا بالتنسيق عبر الهيئة المشتركة لمياه النيل التى تضم مسئولين من مصر والسودان، وتنحصر مهامها فى إبلاغ القاهرة بأى استخدامات لمياه النيل من الجانب السودانى.
وقال مستشار الرئيس السودانى للشئون الخارجية مصطفى عثمان إسماعيل: "لن نقوم بأى عمل منفرد، خاصة بناء أى سدود لتوليد الكهرباء على أحد فروعه (النيل) إلا بالتنسيق مع مصر وموافقة الهيئة المشتركة بين البلدين"، مشددا على "تطابق وجهات النظر بين البلدين تجاه أزمة النيل الحالية".
في سياق متصل، كشفت صحيفة "دايلى نيشن" الكينية عن تلقى إثيوبيا منحة إيطالية بقيمة مليونى دولار، من بنك التنمية الأوروبى والحكومة الإيطالية، لاستكمال مشروعات بناء السدود على نهر النيل التى يصل عددها عشرة سدود تحت الإنشاء على مجرى نهر النيل.
وذكرت الصحيفة أن إثيوبيا تلقت هذا الدعم الإيطالى فى نفس التوقيت الذى يزور فيه الرئيس مبارك إيطاليا لعقد مباحثات ثنائية مع رئيس الوزراء الإيطالى سيلفيو بيرلسكونى، لافتة إلى غضب مصر بعد الإعلان عن افتتاح سد "بليز تانا".
في غضون ذلك، كشف خبراء مصريون في مجال المياه أن الدول الأربع التي وقعت الجمعة علي الاتفاقية الإطارية، هي الأخطر علي حصة مصر من مياه النيل، في حين أن الدول الأخري التي توقع وهي "الكونغو، وبوروندي، وكينيا"؛ فلا تؤثر في حصة مصر.
وقال الدكتور مغاوري شحاتة دياب ـ أستاذ المياه والرئيس الأسبق لجامعة المنوفية ـ إن الدول الأربع التي وقعت علي الاتفاقية بشكل منفرد دون مصر والسودان هي التي تمثل خطراً حقيقياً علي حصة مصر من المياه،مرجعاً ذلك إلي أن إثيوبيا تتحكم وحدها فيما يقرب من 85% من حصة مصر من مياه النيل، في حين تتحكم كل من أوغندا وتنزانيا في بحيرة فيكتوريا التي تسهم بما يقرب من 15% من حصة مصر من المياه؛ حيث تصب أغلب الفروع والمجاري في بحيرة فيكتوريا عبر كل من أوغندا وتنزانيا، أما خطورة رواندا فتأتي في أنها ترفع شعار "بيع المياه لمن يدفع أكثر".
واضاف: "إن بوروندي والكونغو لا تتحكمان في نهر النيل، أما كينيا فهي أقل الدول تحكماً، وأوضح أن الضرر من توقيع هذه الاتفاقية سيقع علي مصر بشكل أساسي، مشيراً إلي أن آثاره قد تظهر بعد 50 عاماً، خاصة أن إثيوبيا تتوسع في إقامة السدود والمشروعات المائية بها، وهذ ا الأمر يعد خصماً من حصة مصر السنوية من مياه النيل".
ونقلت صحيفة "الدستور" المصرية المستقلة عن دياب، قوله: "لا يجب اللجوء إلي التحكيم الدولي، وإن كانت القوانين في صالحنا؛ لأن دول المنابع لديها مبرارات تسوقها للمطالبة بإعادة تقسيم مياه نهر النيل، وأهمها الجفاف والفقر"، وقال: "يجب أن يكون الرد علي هذه الدول بأن مصر أيضاً ليست غنية مائياً".
وحذر دياب ممن يقلل من أهمية انفصال جنوب السودان عن شماله، الذي من المتوقع أن يقع بحلول العام المقبل، مؤكداً أن انفصال الجنوب سيمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لمصر خاصة فيما يتعلق بملف مياه النيل.
أما الدكتور أحمد فوزي ـ خبير المياه في الأمم المتحدة ـ فأكد أن التطورات التي حدثت في المفاوضات مع دول المنابع تحتاج من مصر إلي أن تغير من أسلوب التفاوض مع هذه الدول، مع تقديم عدد من الحوافز لهذه الدول لتشجيعها علي العودة إلي الحوار مع مصر.
وأشار الي أن التوقيع المنفرد لدول المنابع علي الاتفاقية الإطارية سيؤدي إلي تناقص حصة مصر من مياه النيل، مضيفاً أنه لا يمكن التنبؤ بنسبة هذا التناقص في الوقت الحالي، لكن نقصان متر مكعب واحد من المياه ليس في صالح مصر.