من يمكنه أن يفكر بالسوء عن تايلاند؟ فالناس ودودون والشواطئ رائعة والدجاج بالكاري مذهل. ويقول كثير من المعجبين بها إن تاريخ الدولة السياسي المضطرب بين الانقلابات المتعاقبة والدساتير التي تختفي بسرعة، ليس سيئا كما يبدو. فهو يخفى نوعا غريبا من الاستقرار الذي جعل تايلاند وجهة مفضلة للاستثمار الأجنبي والإجازات. وصحيح أن هناك فقراً وتفاوتاً كبيراً في الثروة فيها، لكن كل الدول في جنوب شرقي آسيا تعاني من ذلك. ويبدو أن الناس راضون عن قدرهم، ولا أحد يموت جوعا على الأقل. وحتى رئيس الوزراء الحالي، أبهيسيت فيجاجيفا، الذي تلقى تعليمه في أكسفورد، يبدو محترما جدا وذو شخصية جذابة بحيث لا تجب إزاحته.
والآن تريث قليلا. فلا أحد يحسد النوايا الطيبة للكثيرين تجاه أرض الابتسامات، غير أن المشاعر الدافئة الغامضة تجاه تايلاند تتعارض بصورة متزايدة مع الواقع، وإلا كيف يمكن تفسير رباطة الجأش النسبية التي شاهد بها العالم حكومة أبهيسيت وهي تسحق أولئك الداعين إلى إجراء انتخابات وقتلها أكثر من 60 مدنيا؟
لم يكن هناك كثير من الإدانة الدولية في أعقاب حملة الاعتقالات العام الماضي ضد المتظاهرين المؤيدين للديمقراطية في إيران، ناهيك عن أولئك في ساحة تيانانمن عام 1989. لكن تخيلوا الغضب الذي سيثور لو تم قصف المتظاهرين الغوغائيين المعارضين للتقشف في اليونان بالرشاشات.
لا شك أن مثل هذه المقارنات غير كاملة. فالوضع، مثل أي مواجهة فوضوية، ليس واضحا مثل الأبيض والأسود، أو الأصفر والأحمر باللغة التايلاندية. فالألوان لا تروي القصة بأكملها. والمحللون يتوصلون بسهولة تامة إلى تفسيرات تتسم بالبساطة من شاكلة المدينة مقابل الريف، والفلاحين مقابل النخبة الحضرية، والجمهوريون مقابل الملكيين. ولا شك أيضا، كما تؤكد حكومة أبهيسيت، أن حركة أصحاب القمصان الحمراء الموالية للديمقراطية لا تضم جناحاً عنيفاً. وعلى الرغم من أن كثيرا من المتظاهرين الذي أجبروا على الاستسلام بسبب إرهابهم كانوا من النساء غير المسلحات، إلا أن بعض الشباب كانوا يحملون عصياً حادة ومتفجرات محلية الصنع. وتمت مهاجمة بعض الفنادق وغيرها من الأماكن العامة.
وصحيح أيضا أن تاكسين شيناواترا، رئيس الوزراء السابق الذي تمت الإطاحة به والذي هتف باسمه كثير من المتظاهرين، مدافع عن الديمقراطية يعاني من خلل عميق. فحين كان رئيسا للوزراء في الفترة من 2001 إلى 2006، اتهم باستخدام سلطته لتفضيل شركات عائلته والمقربين المرتبطين به، في حين تم تحميل الشرطة التايلاندية مسؤولية الآلاف من حالات القتل خارج نطاق القضاء باسم الحرب على المخدرات. وحكمت عليه المحكمة العليا في تايلاند غيابيا بالسجن لمدة عامين بسبب تضارب المصالح. وهذا يجعل تاكسين هاربا من القانون كما تقول حكومة أبهيسيت.
إلا أن هذه ليست القصة كلها. فأولئك الذين يدعون الآن إلى الهدوء والعودة إلى الوضع السابق عليهم أن يواجهوا حقائق أخرى. أولا، كان تاكسين رئيس الوزراء الأكثر شعبية في تاريخ تايلاند، والوحيد الذي خدم ولاية كاملة وتمت إعادة انتخابه. وقد أطيح به، على الطريقة التايلاندية التقليدية، بانقلاب عسكري عام 2006. وفي الانتخابات اللاحقة - بعد فترة عشوائية من الحكم العسكري - جاءت إلى السلطة حكومة موالية لتاكسين. وتم حل تلك الإدارة، والإدارة التالية الموالية لتاكسين أيضا، بموجب بنود مشكوك فيها في الدستور الذي فرضه الجيش. وحصل أولئك الذين لم يكونوا يريدون تاكسين على مبتغاهم أخيرا عام 2008، حين تم جلب حكومة أبهيسيت - التي لم تفز بتفويض شعبي - في صفقة برلمانية.
ثانيا، والأكثر تعبيرا من الطريقة التي تم بها إقصاء تاكسين وحلفاءه السياسيين من السلطة، هو حقيقة أن المتظاهرين ذوي القمصان الحمراء يمثلون بوضوح مظالم اجتماعية مشروعة. ومحاولات تصوير عشرات الآلاف من التايلانديين الفقراء الذين خرجوا إلى شوارع بانكوك بأنهم “إرهابيون” أو مرتزقة مدفوعو الأجر، تابعون لتاكسين، غير مقنعة البتة.
لقد كان تاكسين محفزاً للتمكين السياسي للتايلانديين - خاصة، ولكن ليس حصرا، من الشمال والشمال الشرقي - الذين تم استبعادهم سابقا من دائرة السلطة السياسية والاقتصادية. وهذا هو السبب في كون السياسات المتواضعة نسبيا التي نفذها - مثل الرعاية الصحية الرخيصة وزيادة فرص الحصول على الائتمان - أكسبته موالين متحمسين. ومن الصلف وصف السياسات الاقتصادية لتاكسين بأنها رشاو شعبية لبعض الرعاع المستأجرين. فهي تخدم المصالح الذاتية أيضا لأولئك الذين يسعون بشدة للتمسك بحياتهم المريحة.
وخلافا للمواجهات السابقة، لم يعمل ملك تايلاند المبجل، بهوميبول أدولاياديج، على تهدئة الأوضاع. ولعل السبب في ذلك، كما يقول بعضهم، هو أنه مسن ومريض. وربما أيضا قرر أنه لا يمكن احتواء قوى الطبقة الدنيا في تايلاند هذه المرة. وفي الليلة الماضية عاد الهدوء النسبي إلى شوارع بانكوك. لكن كثيرون يعرفون أن هذا لا يعني تسوية التوترات الكامنة. وفي أفضل الأحوال تتطلب التسوية انتخابات نزيهة - واحترام نتائجها. وفي أسوأ الأحوال تعني مواجهة أكثر دموية في بانكوك، أو في الريف. ويجب حتى على أشد المتحمسين لتايلاند أن يدركوا أن الأمر لم ينته بعد.
*فاينانشال تايمز- ديفيد بيلينج