عاجل:

آفـاق التغيـيـر في مصـر بين الأحـزاب والحركات

الثلاثاء ٢٥ مايو ٢٠١٠
٠٢:٣٤ بتوقيت غرينتش
المؤكد أن حركة البرادعي أحدثت فرزا بين مفهومين للعمل السياسي أحدهما ذو طابع إصلاحي بدا أكثر قربا لعموم المصريين، والثاني «ثوري» وراديكالي بدا بعيدا عن طموحات غالبية المصريين. وقد استبعدت الجمعية للوطنية للتغيير منذ بدايتها تلقائيا ما تبقي من حركة كفاية وتيارات إسلامية وقومية راديكالية، في حين نجحت صور «ناعمة» لهذه التيارات من الدخول إلي الجمعية الوطنية، وهو ما قد يتطلب فرزا ثانيا بين قوى ليبرالية وإصلاحية يعبر عنها البرادعي وكثيرون ممن حوله، وأخرى اختارت أجندة تصفها «بالثورية» للتحرك السياسي من أجل «إسقاط النظام» ولم تجذب إلا عشرات في وقفات احتجاجية متناثر.

المؤكد أن حركة البرادعي أحدثت فرزا بين مفهومين للعمل السياسي أحدهما ذو طابع إصلاحي بدا أكثر قربا لعموم المصريين، والثاني «ثوري» وراديكالي بدا بعيدا عن طموحات غالبية المصريين. وقد استبعدت الجمعية للوطنية للتغيير منذ بدايتها تلقائيا ما تبقي من حركة كفاية وتيارات إسلامية وقومية راديكالية، في حين نجحت صور «ناعمة» لهذه التيارات من الدخول إلي الجمعية الوطنية، وهو ما قد يتطلب فرزا ثانيا بين قوى ليبرالية وإصلاحية يعبر عنها البرادعي وكثيرون ممن حوله، وأخرى اختارت أجندة تصفها «بالثورية» للتحرك السياسي من أجل «إسقاط النظام» ولم تجذب إلا عشرات في وقفات احتجاجية متناثر.

 

تعيش الأحزاب السياسية أزمة واضحة حيث انقسمت الساحة السياسية بين 24 حزبا شرعيا حصل بعضها على 9 مقاعد (منهم 5 مقاعد لحزب الوفد الليبرالي) في الانتخابات الأخيرة، وبين جماعة الإخوان المسلمين غير المُجازة قانوناً التي حصلت على 88 مقعدا، ما يعني حوالي 10 أضعاف ما حصلت عليه كل أحزاب المعارضة المصرية. وهذه تبدو مفارقة صارخة. إن أزمة الأحزاب الشرعية في مصر لا تعود فقط إلي القيود المفروضة على الحياة السياسية من قبل النظام، إنما في تغيب السياسة من المجال العام، وبالتالي إضعاف العمل المؤسسي والحزبي القانوني الذي تحكمه قواعد واضحة، جعلت مصير الأحزاب الرئيسية حاليا في مهب الريح.

 

أحزاب وحركات

حافظت مصر على التعددية الحزبية المُقيّدة منذ بدايتها في العام 1976 فبقي هناك حزب كبير مرتبط بجهاز الدولة هو الحزب الوطني الديمقراطي الذي أسس في العام 1978 ولم يغادر السلطة منذ نشأته حتى الآن. وقد انعكس هذا الوضع اللاديمقراطي للحزب الحاكم (في النشأة والممارسة) على أحزاب المعارضة، فلم يعرف أي منها انتخابات ديمقراطية حقيقية على موقع رئيس الحزب، وبقي زعماؤها في قيادتها حتى وفاتهم، باستثناء انتخابات حزب الوفد المقبلة التي ستجري يوم 28 من هذا الشهر على موقع رئيس الحزب بين رئيسه الحالي محمود أباظة وبين أحد منافسيه الجديين السيد بدوي. وقد غابت الأحزاب المجازة قانوناً تقريبا عن كل صور الاحتجاج الاجتماعي والسياسي الجديدة، وفشلت في تجديد خطابها السياسي والتواصل مع الشباب والتيارات جديدة.

 

وقد انعكس هذا الوضع على موقفها من تيار البرادعي، فانقسمت بين داعم ومتحفظ ورافض، فقد دعمه حزب الجبهة الديمقراطية بصورة واضحة نظرا لنجاح الحزب في استقطاب كثير من النشطاء الشباب المؤيدين للبرادعي، كما لا يسمح القانون لحزب الجبهة بتقديم مرشح لانتخابات الرئاسة القادمة (ينص على ضرورة مرور خمس سنوات على تأسيس الحزب حتى يسمح له بتقديم مرشح). في حين أبدى حزب الوفد تحفظا على «البرادعي بديلا» وليس البرادعي شخصا أو أفكارا، على اعتبار أن الوفد أكبر الأحزاب المصرية وأن عائلة البرادعي عائلة وفدية عريقة، فدعاه الحزب للانضمام لصفوفه دون أن يبدي حماسة لحركته. أما حزبا التجمع والناصري فقد واجهها البرادعي بحدة الأول بسبب اختياره التحالف مع النظام في مواجهة أي منافس حقيقي له من الإخوان المسلمين وحتى البرادعي، والثاني رفض توجهاته لأسباب أيديولوجية وسياسية وكلاهما غابا تقريبا عن التأثير في الحياة السياسية المصرية.

 

وأخيرا هناك أحزاب «جيل الوسط» أو الشباب (في الحالة المصرية هم الذين تتراوح أعمارهم بين 45 إلي 55 عاما) وهو حزب الغد بزعامة أيمن نور المرخص له قانونا والمحاصر سياسيا، وحزب الكرامة الناصري بزعامة حمدين صباحي وأمين إسكندر وكيل المؤسسين، وهو حزب «تحت التأسيس» منذ حوالي 12 عاما وغير مرخص له قانونا، وهناك حزب الوسط ذو المرجعية الإسلامية والتوجه المدني والديمقراطي وهو أيضا تحت التأسيس. ويمكن القول إن هذه الأحزاب الثلاثة رغم مشاركتها منذ اليوم الأول في الجمعية الوطنية من أجل التغيير إلا أنها وجهت انتقادات معلنة أو خفية للبرادعي، وعبر كل من حمدين صباحي وأيمن نور بشكل خاص عن أن البرادعي قادم من خارج المشهد السياسي، وإنهما أحق منه بالترشح للرئاسة بل إن بعضهم طالب المواطنين بالتوقيع لصالح الجمعية دون وضع اسم البرادعي.

 

جماعة الإخوان المسلمين

اختار الرئيس مبارك إستراتيجية «المواجهة المحسوبة» والتي لا تميل إلي أسلوب المواجهة الشاملة مع خصومه السياسيين من بينهم جماعة الإخوان المسلمين. وقد أبدى النظام حرصاً على الاحتفاظ ببنية الإخوان المسلمين التنظيمية متماسكة من دون انقسام يفتتها. أدت هذه السياسة إلي وضع الإخوان هدف الحفاظ على وحده الجماعة، كقيمة عليا في حد ذاتها يجب الدفاع عنها. وبدت الدولة أيضا وكأنها ليست ضد «هذه القيمة « بشرط ألا تتجاوز في نشاطها وفاعليتها التنظيمية «الخطوط الحمراء». والمؤكد أن ثمة ثمناً لابد أن يدفعه النظام والإخوان المسلمون لانجاح عملية «الدمج الآمن» للإخوان في العملية السياسية.

 

إن عملية «التطبيع» هذه بين النظام وبين الإخوان لن تكون بالمسألة السهلة، لأن برنامج الإخوان وجانبا كبير من أفكارهم غير مُنسجم مع قيم الديمقراطية ومبادئها، (لديهم موقف مضاد للمواطنة، ويطرحون دوراً تشريعياً لرجال الدين). وقد أبدي الإخوان تحفظا واضحا على حركة البرادعي فلم يشاركوا في أي مظاهرة دعت لها الجمعية إلا بأعداد لا تتجاوز أصابع اليدين، وبدوا راغبين في الاستفادة من «غطاء البرادعي» دون أن يلتزموا بمضمون مشروعه، واستمروا في الحشد والتعبئة لصالح أجندتهم الخاصة من الدفاع عن معتقلي الإخوان (لا باقي القوى السياسية) والتظاهر بأعداد كبيرة لدعم غزة وليس الإصلاح والديمقراطية في مصر.

 

صحيح أن الإخوان على خلاف حزبي الغد والكرامة لم يدخلا في نقد صريح للبرادعي إلا أنهم لم يبدو حماسة للانخراط الكامل في الجمعية، تماما مثلما لم يبد البرادعي نفس هذه الحماسة لدخولهم الواسع في تحركات الجمعية الوطنية.

 

هل ستتغير مصر؟

من الواضح أن القوى الاحتجاجية التي شهدها المجتمع المصري منذ 2004 مثل حركة «كفاية» و6 أبريل/نيسان وتيارات المُدوّنين والنشطاء الشباب إلى جانب ما عُرف بتيار الاستقلال بين القضاة والصحافيين وأساتذة الجامعات، قد اعتمدت على الصوت العالي والصراخ ضد الفساد والقهر وغياب الديمقراطية، لكنها لم تبن تياراً مؤثراً بين النخبة والجماهير. والمؤكد أن «الصوت الاحتجاجي» مطلوب لفترة لكن ليس دائما. ومع ظهور البرادعي وميلاد الموجة الثانية من الحراك السياسي، زالت مخاوف وظهرت أخري خاصة بعد التسرع الذي صاحب تأسيس الجمعية للوطنية للتغيير (بعد ساعتين من لقاء ضم البرادعي ومجموعة من النشطاء السياسيين عشية عودته أول مرة للقاهرة) وضمها لعناصر تمثل جزءا من حالة الفشل السياسي السابقة، إلا أن «نموذج البرادعي» كان أكثر إلهاما للناس من كثير من الملتفين حوله، فقد حرك مياها راكدة كثيرة، وبدا أمام الرأي العام في صورة «رجل الدولة» الذي احتل مكانه دولية مرموقة، وراغب في إصلاح أحوال وطنه، وحرك في الناس قيم الحداثة والديمقراطية والمهنية والاعتدال، وكسر جزئيا ثنائية الحزب الوطني والإخوان.

 

أثبت تيار واسع من الرأي العام والنخبة المصرية أن تعاطف هذا المجتمع مع الرجل كان في الوقت نفسه اختيارا لهذه القيم التي غابت أو غُيّبت عن المجتمع المصري. والمؤكد أن عودة البرادعي في ذلك الوقت تحمل بعض الآمال التي لازالت غير مؤكدة لإمكانية التغيير في مصر، فهو أولا يأتي في وقت يبدو فيه النظام السياسي المصري منهكا من كثرة الاحتجاجات الاجتماعية والسياسية، ومن عدم وجود اتفاق على من سيخلف الرئيس مبارك في حال غيابه أو عدم ترشحه المتوقع في انتخابات الرئاسة القادمة، خاصة بعد أن فشل بديل التوريث في كسب معركة الرأي العام وغياب دعم صريح من مؤسسات الدولة الكبرى له.

 

أصبح أمام البرادعي فرصة وحيدة وربما أخيرة للمساهمة في إصلاح البلاد، وتتمثل في البعد قدر الإمكان عن الأطر التنظيمية الشكلية حتى لو كانت الجمعية الوطنية نفسها إذا ثبت عجزها وفشلها، وأن يحافظ على الإلهام الذي تمثله هذه الحالة الجديدة لكثير من الشباب والمواطنين دون الحاجة بالضرورة لوسائط تنظيمية وقيادات جامدة فشلت في تقديم أي جديد.

 

وأخيرا فإن مشروع البرادعي بحاجة إلي أن ينال ثقة بعض مؤسسات الدولة المصرية ولو الضمني باعتباره أيضا رجل عمل في الدولة 15 عاما كدبلوماسي مصري سابق، ويمثل بديلا معتدلا وعاقلا لسياسات الحكم، فهو مشروع لإصلاح النظام لا هدمه.

* عمرو الشوبكي كاتب مصري ورئيس منتدى البدائل العربي

 

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

رئيس مجلس الشورى الإيراني "محمد باقر قاليباف": إن أمريكا تستعرض ظاهريًا هيمنتها وقوتها باعتبارها القوة المتفوقة لكنها في الواقع شديدة الهشاشة ومعرّضة للخطر


قائد الشرطة الايرانية العميد رادان: سنردّ ردًا حاسمًا وموجعًا على أي أوهام باطلة للعدو


الدفاع الروسية: تدمير 244 طائرة مسيرة أوكرانية فوق مناطق في روسيا


مصادر فلسطينية: 9 مصابين بنيران قوات الاحتلال في مدينة خانيونس ومخيم البريج بقطاع غزة


الناطق باسم حركة حماس حازم قاسم: ندين ونستنكر قرار الإدارة الأمريكية الرافض لمنح تأشيرات دخول للوفد الفلسطيني المتوجه إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة للعام الثاني على التوالي


الدفاع الروسية: استهدفنا مركزا لوجستيا في مقاطعة كييف حيث تخزن الإمدادات العسكرية


الخارجية الإيرانية تدين جرائم الكيان الصهيوني اللاإنسانية ضد الشعب الفلسطيني


إسقاط مسيرة أمريكية من طراز MQ-1 فوق مضيق هرمز


المتحدث باسم الحكومة الأفغانية: مقتل 3 مدنيين وإصابة 3 في غارات باكستانية على ولاية كونر شرقي أفغانستان


الثورة اليمنية المباركة '21 سبتمبر': من بزوغ الفجر إلى فضاء السيادة والاستقلال


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: لا خيار أمام أمريكا سوى قبول شروط إيران


قوات الاحتلال تجري عمليات نسف في المناطق الشرقية لمدينة غزة


آليات الاحتلال تطلق النار شمال مدينة بيت لاهيا شمال غربي قطاع غزة


مصادر محلية: مستوطنون يقتحمون قرية "عورتا" جنوب نابلس، ويؤدون طقوساً تلمودية في مقام "العزير".


‏السفارة الأميركية في القدس المحتلة تحذّر مواطنيها في الكيان من احتمال إغلاق المجال الجوي، وفرض قيود، على خلفية تصاعد التوترات في المنطقة


مع اقتراب عيد "الغفران" اليهودي.. دعواتٌ فلسطينية للحشد والرباط في المسجد الأقصى المبارك، للتصدي لاقتحامات المستوطنين وإفشال مخططات الاحتلال


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب جنين


الشيخ قاسم: الصمود في مواجهة الاحتلال ومنع تحقيق أهدافه هو انتصار


السفارة الأمريكية في العراق: نظرا للتوترات في المنطقة هناك احتمال لحدوث تصعيد غير متوقع


سفارة واشنطن في العراق: على المواطنين الأمريكيين أن يكونوا على دراية باحتمال إغلاق المجال الجوي وإلغاء الرحلات


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة كفر تبنيت جنوبي لبنان