لقد دق الانهيار الاقتصادي باليونان و انتفاضة الجياع بهذا البلد الاوروبي، ناقوس الخطر بالنسبة للبرامج الرأسمالية والاحتكارية التي يبدو انها لم تضع في الحسبان الارتدادات العنيفة لسياساتها الاستغلالية، ودورها في استفزاز المقهورين ، وتحريضهم - بعلم او دون علم – علي مقارعة الظلم والاجحاف والسرقات الدولية .
وتقود فرنسا والمانيا المساعي الراهنة لتفادي الهوة الشاسعة في القدرات المالية لدول الاتحاد الاوروبي، وما يترتب عن ذلك من عجز كبير في الانظمة المصرفية لدول مثل اليونان وبعض اعضاء المعسكر الشرقي السابق، في مقابل فائض قد يصل الى احيانا مستويات مذهلة ببلدان اخرى طالما احترفت - وماتزال - تجارة الحروب ونهب الثروات والتحكم في مصادر امدادات الطاقة لاسيما في منطقة الشرق الاوسط.
ويؤكد المراقبون ان الازمات الاقتصادية والمالية المتفاقمة في اوروبا واميركا وكندا واستراليا، هي التي دفعت المنظومة الغربية الى خلق المبررات والحجج من اجل التدخل في شؤون العالم الاسلامي، بذريعة مساندة ثورات الربيع العربي ومحاربة الدكتاتوريات وحماية حقوق الانسان , كما تجلى ذلك بشكل سافر في الدور العسكري الانتهازي للناتو في ليبيا، مع ان العالم كله يعي ان الهدف الرئيسي هو السيطرة على الاحتياطيات الغزيرة للنفط والغاز بهذا البلد الغني بثرواته
فبمجرد انتهاء الصراع الدائر في ليبيا عقب مصرع العقيد معمر القذافي، هرع زعماء الاتحاد الاوروبي الي بروكسل لتطبيق برامجهم المالية و المصرفية استنادا الى قرارات مؤتمر "اصدقاء ليبيا في باريس" قبل حوالى شهرين , وعلى حساب مصالح المواطنين وحقوقهم هناك , والذين يبدو ان عليهم تسديد ثمن تحررهم من الاستبداد ذهبا اسود يفترض ان يتدفق بكميات لا حدود لها و بابخس الاثمان الى شمال البحر الابيض المتوسط و عبر المحيط الاطلسي غربا لعلّ صناع القرار الاوروبيين والاميركيين يشبعون بذلك جزء من اطماعهم التي لن تنتهي الي الابد ؛ وربما يجدون ايضا مخرجا لمشكلتهم العويصة مع ثورة عشرات الملايين من البشر الغاضبين في بلدانهم وانحاء اخري من الكرة الارضية ؛ و ذلك احتجاجا علي جشع الراسمالية المستكبرة و دورها البغيض في تعميم الفقر والفاقة وشظف العيش في ربوع هذا العالم الفسيح .
ومع كل ما مضي ينبغي التاكيد علي ان الثورة الاسلامية الشعبية التي حسمت الصراع في ليبيا بلد المجاهد عمر المختار بوضع النهاية المتوقعة للطاغية ، سوف تكون و ربما في المستقبل القريب امام مهمة مقاومة الابتزازات الغربية .
ففي تقديرنا ان القذافي الذي لقي حتفه يوم الخميس الماضي بايدي الثوار الليبيين، هو واحد من اولئك الحكام الذين تعاملوا مع الصيرورة التاريخية لنهضة الامة خلافا لمنطق العقل والحكمة والاتزان، وبالتالي كان عليه ان يدفع ثمن قراءته الخاطئة، ويلقى مصيره المشووم. لكن اما وقد طويت صفحة الرجل - وبصرف النظر عن ملابسات طريقة تصفيته جسديا - فان ما ينتظر الشعب الليبي وحكومته المنتخبة في قادم الايام، هو اعظم بكثير من مهمة ازاحة الدكتاتورية ، لان معركة تحقيق الحرية الناجزة لم ولن تكتمل الا عندما يقرر الليبيون انهم اصحاب الكلمة الاولى والاخيرة في بلادهم وان ثرواتهم من النفط والغاز لن تذهب نهبا لدول حلف الناتو والرأسمالية العالمية وتجار الحروب.
وبطبيعة الحال عندما يواجه المجاهدون في هذا البلد ، مثل هذا التحدي الامبريالي الشرس، فان ذلك سيجعلهم امام مسؤولية اكبر من التماسك والتعاضد لئلا تذهب تضحياتهم سدى، ويكون تحركهم المستقبلي منصبا على حماية مقدراتهم فضلا عن صيانة انتصارهم الاسلامي العظيم.
وفي رأينا وهو امر ملحوظ ان زعماء الناتو والتحالف الاميركي- الاوروبي لن يقفوا مكتوفي الايدي في مواجهة نهوض المشروع الاسلامي الثوري لا في ليبيا ولاغيرها، لان الغرب المتصهين حسم خياره في معاداة الاسلام والعروبة ومناهضة كل ما يؤدي الى عزة الامة ومنعتها.
فالاستكبار العالمي ليس ليس غبيا الي هذا الحد حتي يسمح بظهور مواقع اسلامية ثورية جديدة كي تشكل خطرا على اسرائيل ، ولاشك في ان المخططات الا نتهازية لمؤتمر "اصدقاء ليبيا" السيي الصيت في باريس؛ قد وضعت في حساباتها اساليب "جز عنق" الثورة الاسلامية الليبية بعد الانتصار، قبل ان تقوم لها قائمة وتتحول هي الاخرى الى شبح مخيف لمشاريع النظام الاحتكاري الدولي، خاصة وهو يواجه حاليا ثورة انسانية عارمة ،تتوخي معاقبة الرأسماليين الكبار، ومطامعهم الجشعة، و ينادي بتقسيم الثروة بين الفقراء والمعدمين وفقا للعدالة والموازين الحضارية، و تطالب بوضع حد لتدخلات زعماء القوة الغاشمة والمال الربوي في شؤون الامم والشعوب.
وغني عن البيان ان ثوار ليبيا يتوقعون اشتداد التكالب الاميركي– الاوروبي على بلدهم وثرواته الغزيرة وربما هم ليسوا بعيدين عن قراءة ما يدور في كواليس قمة بروكسل الاوروبية ؛ فقد اعتادت السياسات الغربية على الغدر والالتفاف والتنصل من الوعود؛ وهي لاتقيم وزنا الا لمصالحها ومطامعها التي لاتنتهي الا با فناء اخر حبة قمح في العالم الاسلامي.
* بقلم : حميد حلمي زادة