اثنتان وستون عاماً تفصل الحاضر عن إعلان الكيان الاسرائيلي، سنوات من الحصار أفلت، لكن هذه المرة أطفال غزة ومقاوموها ليسوا على موعد مع الحرية وإنما العقلية الاسرائيلية التي تستحق صفة المناضلة بامتياز بعدما شقت لنفسها الطريق إلى قلب المنازل العربية ومباشرة هذه المرة عبر بوابة القمر الصناعي Nile sat. .
المشاهد العربي لن يكون بعيداً منذ اليوم عن برامج الترفيه والمتعة المعدة في الكيان الاسرائيلي طالما أنها السبيل الأنفذ لعمليات غسيل الأدمغة، ومن يدري لعل برنامج مسابقات يدفع المتفرج للبحث في تاريخ تأسيس الكيان بحسب تقويمهم أو التعرف على حيثيات المحرقة اليهودية وهو ما قد يشطب أثر المجازر والمحارق الاسرائيلية من الذاكرة العربية.
الكيان الاسرائيلي اليوم أنهى حالة التجاهل الثقافي التي فرضتها الدول العربية عليه لعقود خلت، ونجح في إقتحام جدار العزلة وحجز موطئ قدم مدون باسمه على القمر العربي.
اللافت هو توقيت حصول الكيان الاسرائيلي على إذن البث بعد فترة وجيزة من إيقاف قناة العالم الاخبارية.
وهو ما يطرح تساؤل، هل الكيان الاسرائيلي مازال العدو الوحيد بالنسبة للاعلام العربي، فبالنسبة للبعض تشكل ايران خطرا لا يمكن تجاهله، وبما أن السياسة العربية لا تتحمل استعداء أكثر من جهة، لذا وقع الاختيار على الكيان الاسرائيلي ليكون في المنطقة الآمنة وله فرصة إثبات حسن نواياه، فإيران بحسب منتقديها أخفقت في امتحان النوايا الطيبة وأظهرت عبر قناة العالم أقنعة كالمد الفارسي بينما يخفي من يتهم إيران بأن عداءهم لها أيام الشاه لم يكن ظاهرا بل كانت أعز "سادتهم" بعد الأميركيين، وكانت تأمر وتنهي وكان السجاد الأحمر يفرش لحاكمها كما لم يفرش لغيره في القصور العربية، فما الذي تغير؟؟ أمر واحد هو الذي تغير، كانت إيران حليفة لأميركا وحليفا موثوقا به للکيان الاسرائيلي وأصبحت مع الجمهورية الإسلامية أكثر أعداء أميركا والكيان الاسرائيلي دعما للعرب.
إطلاق قناة "اسرائيل ميكس" يحمل رسالة كونية مفادها أنه آن لأحقاد الستين عاماً أن تنجلي فمن ذاق مرارة التهجير لن يحالفه طول العمر ليشاهد مدينة حيفا وشارع بن غوريون فيتحسر على ما آلت إليه الأمور.
وتبدو مقولة "إحنا ولاد النهار دة" صالحة في قاموس عدد من الحكومات كوسيلة للتعامل مع الكيان الاسرائيلي الواقع جغرافياً في قلب الوطن العربي، بما لا يمكن تجاهله أو إقصاؤه من الأمر الواقع كما يروج له. وبهذا تكون الشعوب العربية من وجهة نظر هذه الحكومات قد استوعبت الوجود الإسرائيلي على أرض الميعاد، يخترق ثقافتهم كما لم يسمح لأحد بارتكاب هذه الخطيئة تجاهه، فالكيان الاسرائيلي يحارب بشدة الأخطار التي تهدده كما حدث مع قناة المنار التي منعت من البث على القمر الأوروبي وأخيراً لحمة المصالح الاسرائيلية ذات اللمسات العربية أوقفت بث قناة العالم باعتبار ايران عدو مشترك.
فلا تستغرب أيها المشاهد العربي أن تستيقظ صباحاً لترى قنوات أخرى مفصولة من الخدمة، اللهم إن راجعت سياساتها وقبلت بشروط حرب القنوات الفضائية.
ربما اعتاد العرب فكرة مشاركة أعراق أخرى في إدارة المنطقة، لكن هذه المرة وقع اختيارهم على دخيل لا عرق له ولا دماء.
سلام صيداوي