أميركا ودروس السياسة والاقتصاد والأخلاق

الثلاثاء ١٨ أكتوبر ٢٠١١
٠١:١٣ بتوقيت غرينتش
أميركا ودروس السياسة والاقتصاد والأخلاق التجاهل الرسمي والاستخفاف الإعلامي بالاحتجاجات التي بدأت متواضعة في أكبر مركز مالي في العالم (وول ستريت)، وامتدت لتشمل عدة مدن أميركية من بينها شيكاغو وسياتل وسان فرانسيسكو ولوس أنجلوس وبوسطن وهيوستن، قبل أن تصل إلى العاصمة واشنطن ومدن أخرى، ثم تمتد إلى مدن في مختلف أرجاء العالم لم يستطع حجب هول المفارقة وحجم التحدي الذي يطرحه الحراك الأميركي الشعبي المرشح للتعاظم في مواجهة تغوّل الشركات المتعددة الجنسيّات والمصارف الاستثمارية الكبرى التي وصلت أرباحها في الربع الأول من هذا العام إلى 8،36 مليار دولار .

المتظاهرون يتهمون هذه الشركات والمصارف بتعميم المخاطر على الناس وقصر الأرباح عليها فقط، وبالسطو على ممتلكات ومنازل الأميركيين الذين لم يتمكنوا من دفع الأقساط المترتبة عليهم، بمساعدة إدارة أوباما، ناهيك عن الاحتجاج على التفاوت الطبقي الحاد الذي تبخرت في ظله الطبقة الوسطى التي تعتبر بمثابة “صمغ المجتمع”، وتعاظم اللامساواة الاجتماعية- الاقتصادية إلى حد جعل واحداً من كل ستة أميركيين يعيش على بطاقات الطعام المجاني التي توفرها الحكومة، وعلى ارتفاع معدلات البطالة التي يقدرها خبراء اقتصاديون ب 20 في المائة، أي ضعف ما تشير إليه الإحصاءات الرسمية، وذلك قبل دخول عناوين جديدة للاحتجاج لها علاقة بالحرب الأميركية على أفغانستان والعراق التي تجاوزت تكلفتها 26،1 تريليون دولار، وأسهمت في إضعاف الولايات المتحدة على صعيد الاقتصاد الكلي، وأدت إلى تفاقم عجزها وأعباء ديونها، وبمسألة الاحتباس الحراري، وأخيراً، وليس آخراً، بلجوء الشرطة إلى القوة المفرطة ضد المتظاهرين، وطريقة تعاملها مع الأقليات العرقية، والمسلمين بوجه خاص .

 مفارقة هذه الاحتجاجات التي تتباين التقديرات بشأن قدرتها على الاستمرار والتطور، والتي ووجهت بعنف رجال الأمن الذين يبدو أنهم لم يسمعوا بالتهديدات التي توجهها إدارتهم للحكومات العربية لإفساح المجال أمام المتظاهرين للتعبير عن آرائهم ومواقفهم بحرية مطلقة، تتبدى أساساً في جانبين، الأول، حالة هروب إدارة أوباما التي حاول رئيسها استغلال حركة الاحتجاج لتسجيل نقاط ضد خصومه الجمهوريين، من مواجهة الأزمة الاقتصادية والمالية والسياسية التي تعصف بالولايات المتحدة، نحو مواصلة الحروب الخارجية وزيادة منسوب التدخل في شؤون مختلف دول العالم، ولا سيما في المنطقة العربية التي تشهد ولادة خرائط سياسية جديدة، بأمل إعادة إحياء المشروع الإمبراطوري الذي برز إلى السطح عقب انهيار الاتحاد السوفييتي، وتبين، بالوقائع والأرقام والمعطيات، أنه لا يرتكز على قاعدة اقتصادية أو اجتماعية صلبة، بل على بنية مالية ومصرفية عنوانها الفساد والسرقة وخرق القوانين وانتهاك الأعراف، وهو ما أدى إلى الانهيار المالي في عام 2008 الذي كاد يفضي إلى كارثة إنسانية كبرى، والذي لا تزال عواقبه ومخاطره ظاهرة في مختلف أنحاء العالم .

 الجانب الآخر في المفارقة له علاقة بواقع الإنكار الذي يسم أداء إدارة أوباما حيال مجمل الأزمات البنيوية التي تستوطن الجسد الأميركي، والذي يدفعها نحو ارتكاب الأخطاء الكارثية داخلياً وخارجياً في الميادين السياسية والعسكرية والاقتصادية والمالية والاجتماعية، فضلاً عن إغماض العين عن انهيار الثقة الشعبية بالنظام السياسي والاقتصادي الذي يعده المحتجون محطماً وفاسداً وغير خاضع للمحاسبة، ولا يستجيب لمتطلباتهم، وكذلك بالمؤسسات التشريعية (82% من الأميركيين، حسب “نيويورك تايمز”، غير راضين عن أداء الكونغرس) وبالأحزاب والساسة التقليديين والعملية السياسية الديمقراطية التي يتحكمون بها . ولعل ما يلفت، في هذا السياق، هو تهاوي التنظير البائس، الذي ظهر في بداية التسعينات، حول اعتبار الاقتصادات الليبرالية المتماهية مع المؤسسات الديمقراطية، بمثابة “خريطة الطريق” الوحيدة التي تمتلكها البشرية للتقدم والازدهار، بدليل، ليس فقط تلك الشيخوخة المبكرة التي تعتري مفاصل أكبر مراكز الرأسمالية في العالم، بل تجول عدوى الأزمات والخضَات والاحتجاجات في مختلف “ديمقراطيات العالم”، بدءاً من فرنسا و”انتفاضة أبناء الضواحي”، وبريطانيا التي شهدت حالات تظاهر وأعمال شغب الشهر الماضي، ومروراً بإسبانيا المبتلاة بأعلى معدل رسمي للبطالة في العالم المتقدم (21%) واليونان وغيرها من الدول الأوروبية التي تمر، بحق، ب “أزمة شرعية” حقيقية .

 أما بخصوص التحدي المطروح أمام المؤسسة السياسية والعسكرية والتشريعية الأميركية ومراكز رأس المال، والمتمثل في اجتراح الحلول العملية للقضايا التي حرَكت الشارع، ونظيراتها الحيوية، من نمط معضلة الفقاعات والديون المتضخمة، والإنفاق العسكري الهائل، والنزعة الاستهلاكية القاتلة، فضلاً عن مسائل الطاقة والمناخ والمنافسة، وانتقال فرص العمل إلى دول أخرى، وسوى ذلك من العناوين والموضوعات المتشعبة الأخرى، فإن ثمة شبه إجماع لدى الخبراء والمختصين على استحالة إيجاد حلول ناجعة يمكنها إعادة العجلة إلى الوراء، ولا سيما، كما يقول الخبير الأميركي جوزيف أي . ستيجليتز، في ظل الافتقار إلى فهم الأسباب الحقيقية للأزمة، والإستراتيجية الفعالة للتعافي، رغم الاجتهاد بضرورة المباشرة برفع مستوى الإنفاق الحكومي لتسيير عملية إعادة الهيكلة، وتشجيع الحفاظ على الطاقة، وتضييق فجوة التفاوت، وإصلاح النظام المالي العالمي على نحو يسمح بخلق بديل لتكديس الاحتياطات . ما يعني أن محاولة الرئيس أوباما استغلال الاحتجاجات للدفاع عن “إجراءات التحسن” التي عرضها على الكونغرس قبل شهر، كونها “ستدعم النمو الاقتصادي وتعيد الناس إلى العمل”، واعتباره أن المشاكل التي تمر فيها أوروبا اليوم “قد يكون لها انعكاس حقيقي” على الاقتصاد الأميركي الذي “أصبح هو الآخر في حالة ضعف”، ليست أكثر من محاولة للالتفاف على الأزمة وتسجيل نقاط على خصومه الجمهوريين الذين يرفضون أية حلول تمس مصالح الواحد في المائة من الأغنياء .

 وعليه، وتحت وطأة الأزمة المتفاقمة، والتحول المنظور في ميزان القوى الاقتصادي الكوني لمصلحة دول أخرى، وبالأخص الصين التي باتت تسيطر على الأسواق، على حساب الولايات المتحدة، ووصول بعض التقديرات المتشائمة، كما هو حال الخبير في الشؤون الأميركية الدكتور زياد الحافظ، إلى حد اعتبار ما يحدث إرهاصات ربما تقود إلى تفكك الكيان الأميركي الموحد من فيدرالي إلى كونفدرالي يضم تجمعات أربعاً أو خمساً، فإن ثمة سعياً أميركياً حثيثاً لإنقاذ نظام السيطرة السائد راهناً، من خلال القرصنة على الاستثمارات والتوظيفات النقدية في السوق العالمية وتوسيع نطاق الحروب الصغيرة والفوضى، وإعادة صياغة هيكلة الدول وأنظمتها السياسية والاقتصادية، والحصول على مليارات إضافية من بيع وتجارة السلاح، أي محاولة تجديد الرأسمالية ونظامها عن طريق الهدم وإعادة البناء من جديد، على غرار ما حدث خلال الحربين العالميتين الماضيتين اللتين أخرجت نتائجهما وتداعياتهما نظام الرأسمالية ودولها من الأزمات العامة البنيوية، ومنحتهما فرصة جديدة للحياة والاستمرار .

*مأمون الحسيني – كاتب فلسطيني

0% ...

آخرالاخبار

العميد فدوي: وحدة الكلمة سرّ صمود إيران في الحرب العسكرية والاقتصادية


بلومبرغ عن مارك روته الأمين العام للناتو: لا أعتقد أن يخرج أحد من الحرب الروسية الأوكرانية منتصرا


آيزنكوت يتفوق على نتنياهو بـ67 تزكية لتشكيل الحكومة


قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الاعلام السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في منطقة نجران للتحذير من خطر محتمل


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب