عاجل:

آلاء حسين في مرمى الطائفية الإعلامية.. من يملك حقّ محاكمة العراقيين على حبّ الوطن؟

الإثنين ٠٢ نوفمبر ٢٠٢٦
١٠:٤٠ بتوقيت غرينتش
آلاء حسين في مرمى الطائفية الإعلامية.. من يملك حقّ محاكمة العراقيين على حبّ الوطن؟ بقلم: حيدر زيبرم

حين يتحول حب الوطن إلى اختبار للولاء المذهبي، تصبح المشكلة في السؤال لا في الإجابة، وفي عقلية من يصرّ على وضع العراقيين أمام خيار لا وجود له في وجدانهم.

في اللقاء التلفزيوني الذي ظهرت فيه الفنانة العراقية آلاء حسين، برز سؤال طالما استُخدم لإثارة الجدل والانقسام: أيهما أهم، الوطن أم العقيدة؟

سؤال يبدو في ظاهره محاولة لفهم موقف فكري أو وطني، لكنه في جوهره ينطوي على افتراض خطير، مفاده أن حب الوطن والإيمان بالعقيدة نقيضان لا يمكن الجمع بينهما، وأن على الإنسان أن يختار أحدهما ويتخلى عن الآخر.

وجاءت إجابة آلاء حسين عفوية وبليغة: «الوطن عيني اليمنى، وديني عيني اليسرى».

عبارة تختصر ما تعجز عنه صفحات من الجدل؛ فالوطن والعقيدة ليسا خصمين في وجدان الإنسان، ولا ينبغي لأحد أن يحوّل علاقة الإنسان بوطنه أو بدينه إلى معركة لا بد فيها من انتصار طرف على حساب الآخر.

إنها إجابة تذكّرنا بسؤال آخر لا يقل عبثية: هل تحب أمك أم أباك؟ ولماذا يُجبر الإنسان على اختيار أحدهما، وهو يحبهما معاً؟ وهل يصبح حب أحدهما انتقاصاً من مكانة الآخر؟

إن الحب لا يُقاس بمنطق المفاضلة القسرية، ولا يمكن اختزال المشاعر الإنسانية في إجابة تستجيب لرغبة السائل، خصوصاً حين يكون السؤال مصمماً لإحراج صاحبه أو التشكيك في نواياه.

لنتأمل الأمر من زاوية أخرى: هل يصح أن نسأل مواطناً عراقياً سنياً: إذا كنت تحب وطنك حقاً، فعليك أن تترك مذهبك لأن الوطن أغلى من العقيدة؟! بالطبع لا. فمثل هذا السؤال لا يعكس حباً للوطن، بل يكشف عن عقلية تريد أن تجعل الانتماء الوطني مشروطاً بالتنازل عن الهوية الدينية أو المذهبية.

الوطن مهم، والعقيدة مهمة، والانتماء الوطني لا يتطلب من الإنسان التخلي عن معتقداته، كما أن التمسك بالعقيدة لا يعني بالضرورة التخلي عن الوطن. بل إن التاريخ الإسلامي نفسه يقدم شواهد واضحة على أن الحفاظ على الدين قد يتطلب أحياناً مغادرة الوطن، دون أن يعني ذلك انعدام محبته.

فقد هاجر النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم من مكة إلى المدينة، كما هاجر المسلمون الأوائل إلى الحبشة حفاظاً على دينهم، حين ضاقت بهم الظروف في وطنهم. فهل يمكن لأحد أن يتهم هؤلاء بأنهم لم يحبوا مكة، أو أن هجرتهم كانت دليلاً على انعدام انتمائهم إليها؟

إن حب الوطن لا يعني أن يتحول إلى قيد يمنع الإنسان من ممارسة معتقده، كما أن العقيدة لا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لانتزاع حق الآخرين في الانتماء إلى أوطانهم.

زيارة ثقافية أم تهمة سياسية؟

ما يثير الاستغراب في قضية الفنانة آلاء حسين ليس إجابة قالتها في لقاء تلفزيوني، بل حجم الجدل الذي أُثير حولها، وما تعرضت له من انتقادات عقب زيارتها المستشارية الثقافية في السفارة الإيرانية ببغداد، حيث جرى تكريمها تقديراً لدورها الفني في تجسيد شخصية زوجة شهيد، تخليداً لشهداء العراق.

إن تكريم فنانة عراقية على دور فني يتناول تضحيات أبناء العراق وشهداءه، يفترض أن يكون مناسبة للاحتفاء بالفن والذاكرة الوطنية، لا مدخلاً للتشكيك في ولائها أو إخضاعها لمحاكمة طائفية.

فهل أصبحت زيارة مؤسسة ثقافية إيرانية في بغداد دليلاً على التخلي عن العراق؟ وهل بات التكريم الثقافي تهمة تستوجب التبرير؟

إذا كانت آلاء حسين قد كُرّمت تقديراً لدورها في عمل فني يجسد شخصية زوجة شهيد عراقي، فأين المشكلة في ذلك؟ وهل ينبغي للفنان العراقي أن يرفض تكريماً يستحقه لمجرد أن الجهة التي تقدمه لا تتوافق مع الحسابات السياسية لبعض وسائل الإعلام؟

إن الفن، في جوهره، مساحة للتعبير عن الإنسان وذاكرته وآلامه وتضحياته، وليس من المفترض أن يتحول إلى بطاقة عبور في اختبارات الولاء السياسي أو المذهبي.

ومن حق أي جهة ثقافية أن تكرّم فناناً تقديراً لعمله، ومن حق الفنان أن يقبل التكريم أو يرفضه، ما دام الأمر لا يتضمن مخالفة قانونية أو إساءة إلى الآخرين. أما تحويل هذه المسألة إلى قضية تتعلق بالوطنية، فهو خلط واضح بين الثقافة والسياسة، وبين الانتماء الوطني والاصطفاف المذهبي.

لماذا لا تُطرح الأسئلة نفسها على الجميع؟

من الأسئلة التي تستحق التوقف عندها: لماذا لا نرى الحماسة ذاتها في مساءلة بعض الفنانين العراقيين الذين يقيمون في دول عربية مجاورة، أو حصلوا على جنسيات تلك الدول، أو عبّروا عن مواقف مؤيدة لحكامها؟

لماذا لا يُطرح عليهم السؤال نفسه: هل أنتم عراقيون أم ...؟ وهل أصبح حب العراق مشروطاً برفض أي تكريم أو إقامة أو جنسية من دولة أخرى؟

لا شك في أن الفنان العراقي، أينما أقام، يظل حراً في خياراته الشخصية والمهنية، ولا ينبغي أن يُدان لمجرد حصوله على جنسية أخرى أو تعبيره عن رأي سياسي. لكن المبدأ نفسه يجب أن يُطبّق على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.

فإذا كان من حق فنان عراقي أن يقيم في أي دولة عربية في المنطقة، وأن يشارك في مناسبات ثقافية، وأن يعبّر عن إعجابه بحكام تلك الدول دون أن يُتهم بالخيانة، فمن حق آلاء حسين أيضاً أن تزور مؤسسة ثقافية إيرانية، وأن تتلقى تكريماً، دون أن تتحول إلى متهمة في قضية وطنية.

المشكلة ليست في إقامة الفنان هنا أو هناك، ولا في الجهة التي تكرّمه، بل في ازدواجية المعايير التي تجعل تصرفاً مقبولاً من فنان، وتحوّله إلى تهمة حين يصدر عن فنان آخر.

إن الوطنية لا تُقاس بمكان الإقامة، ولا بجواز السفر، ولا بالجهة التي تقدم التكريم، بل بالمواقف والأفعال ومدى احترام الإنسان لوطنه وشعبه.

حوار أم استجواب؟

ومن الأمور التي تستدعي النقد أيضاً الطريقة التي أدارت بها مقدمة البرنامج على قناة الأولى العراقية، الحوار مع الفنانة آلاء حسين.

فالمشاهد، بحسب ما بدا من مجريات الحوار، لم يكن أمام نقاش هادئ يسعى إلى فهم وجهة نظر الفنانة، بقدر ما كان أمام أجواء توحي بأن الضيفة مطالبة بالدفاع عن نفسها وتبرير خياراتها.

إن وظيفة الإعلامي ليست محاصرة الضيف أو دفعه إلى زاوية ضيقة من خلال أسئلة تحمل في طياتها أحكاماً مسبقة، بل إدارة حوار مهني يتيح له التعبير عن رأيه بحرية، ويمنح الجمهور فرصة فهم المواقف بعيداً عن التوجيه والإيحاء.

وعندما يكون السؤال محمّلاً بإشارات طائفية أو سياسية، فإن الحوار يفقد جزءاً كبيراً من مهنيته وموضوعيته، ويتحول إلى وسيلة لإثارة الشكوك بدلاً من توضيح الحقائق.

وليس من حقنا أن نحكم على النوايا، لكن من حقنا أن ننتقد أسلوب الحوار، وأن نتساءل عن المعايير المهنية التي ينبغي أن تحكم البرامج التلفزيونية، خصوصاً حين يتعلق الأمر بقضايا حساسة تمس الهوية الوطنية والدينية.

كان يمكن أن يكون الحوار فرصة لمناقشة دور الفن في تخليد شهداء العراق، أو أهمية العلاقات الثقافية بين الشعوب، أو مكانة الفنان العراقي في محيطه العربي والإسلامي. لكن حين يُختزل كل ذلك في سؤال: «أيهما أهم، الوطن أم العقيدة؟»، فإننا نكون أمام إشكالية تتجاوز الضيفة إلى طبيعة الخطاب الإعلامي نفسه.

العراق أكبر من الأسئلة الطائفية

العراق بلد متعدد المذاهب والأديان والقوميات، وهذه التعددية ليست عيباً في هويته، بل جزء أصيل من تاريخه وثرائه الحضاري. ولا يمكن بناء وطن مستقر على أساس مطالبة أبنائه بالتخلي عن معتقداتهم، أو التشكيك في وطنيتهم بسبب علاقاتهم الثقافية أو الدينية أو السياسية.

إن العراقي السني ليس أقل وطنية من العراقي الشيعي، والمسيحي ليس أقل انتماءً إلى وطنه من المسلم، والكردي ليس أقل عراقية من العربي.

كما أن حب إيران أو السعودية أو أي دولة أخرى، أو إقامة علاقات ثقافية معها، لا يعني بالضرورة التخلي عن العراق أو الانتقاص من مكانته.

إن المشكلة الحقيقية تبدأ حين يُختزل الوطن في مذهب، أو تُختزل الوطنية في موقف سياسي، أو يصبح الاختلاف في الرأي سبباً للتشهير والتخوين.

وإذا كان الإعلام العراقي يريد أن يؤدي دوره الحقيقي في بناء الوعي، فعليه أن يبتعد عن الأسئلة التي تزرع الشك بين أبناء البلد الواحد، وأن يتعامل مع الفنانين والمثقفين بوصفهم شركاء في بناء المجتمع، لا متهمين ينبغي إخضاعهم لاختبارات الولاء.

الوطن عيني اليمنى.. وديني عيني اليسرى

لقد عبّرت آلاء حسين، بعبارة بسيطة، عن حقيقة عميقة: يستطيع الإنسان أن يحب وطنه ودينه معاً، دون أن يكون مضطراً إلى التضحية بأحدهما من أجل الآخر. فالوطن ليس خصماً للعقيدة، والعقيدة ليست خصماً للوطن.

وإذا كان البعض يريد أن يجعل من زيارة ثقافية أو تكريم فني مناسبة للتشكيك في وطنية فنانة عراقية، فإن السؤال الأجدر بالطرح هو: لماذا نصرّ على تحويل كل اختلاف إلى معركة؟ ولماذا نبحث دائماً عن وسيلة لتقسيم العراقيين بدلاً من جمعهم؟

إن آلاء حسين لم ترتكب جريمة حين زارت المستشارية الثقافية الإيرانية في بغداد، ولم تنتقص من وطنها حين عبّرت عن حبها لدينها. بل إن عبارتها: «الوطن عيني اليمنى، وديني عيني اليسرى»، كانت أكثر نضجاً ووعياً من السؤال الذي وُجّه إليها.

فالعينان لا تتصارعان، بل تتكاملان، وبهما يرى الإنسان العالم. وكذلك الوطن والعقيدة؛ لا ينبغي أن يكون أحدهما سبباً في إطفاء الآخر.

إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من اختبارات الولاء، بل إلى خطاب إعلامي يحترم عقول أبنائه، ويؤمن بأن الوطنية الحقيقية تتسع للجميع، وأن من يحب وطنه لا يُطلب منه أن يكره عقيدته، ومن يحب عقيدته لا يُطلب منه أن يتخلى عن وطنه.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر لبنانية: قصف مدفعي معاد يستهدف أطراف بلدة برعشيت


غريب آبادي: إيران نجحت في تأمين أمنها الغذائي رغم العقوبات والحروب


البيت الأبيض يضع خططاً لمواجهة "سيناريو الخسارة"


باقري كني: مثل هذه السياسات ستتسبب في اختلال واضطراب الاقتصاد العالمي


باقري كني، في إشارة إلى تداعيات النزعة العدوانية والمساعي التوسعية لواشنطن: الحرب على حضارة لن تقود أبداً إلى النصر


آلاء حسين في مرمى الطائفية الإعلامية.. من يملك حقّ محاكمة العراقيين على حبّ الوطن؟


تل أبيب على حافة انتخابات جديدة وهرتسوغ يأمر ببدء المشاورات


علي باقري كني: موقف طهران في الدفاع عن أمنها القومي وسيادتها وسلامة أراضيها لم يتغير ولن يطرأ عليه أي تغيير، مؤكداً أن بلاده لن تقدم أي تنازل أو مساومة في هذا المجال


مساعد أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي باقري كني: إيران لن تساوم في الدفاع عن سيادتها وأمنها القومي


مساعد الشؤون الدولية في المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني "علي باقري" يلتقي بوزير الخارجية الصيني "وانغ يي" في بكين ويبحث معه التطورات الثنائية والإقليمية والدولية


الأكثر مشاهدة

اللواء رضائي: في حال استيفاء الشروط الإيرانية فإن المسار الدبلوماسي سيصبح متاحا


مصادر لبنانية: قوات الاحتلال نفذت تفجيراً في بلدة طلوسة جنوبي لبنان


المرصد السوري: دوي انفجار مجهول في العاصمة دمشق


مصادر فلسطينية: إطلاق نار من آليات الاحتلال على محيط مستشفى كمال عدوان شمالي قطاع غزة


مصادر فلسطينية: شهيد متأثراً بجروح أصيب بها جراء قصف إسرائيلي استهدف مواصي مدينة رفح جنوبي قطاع غزة قبل أيام


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تداهم عدداً من المنازل والمحالّ التجارية خلال اقتحام قرية عطارة، شمال رام الله


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدات كفر تبنيت وميفدون ووادي الحجير جنوب لبنان


مصادر فلسطينية: مواجهات بين شبان وقوات الاحتلال خلال اقتحام بلدتي بيت ريما وكفر عين شمال غربي رام الله


زلزال بقوة 4.5 على مقياس ريختر في بندر بوشهر جنوب إيران


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قباطية جنوب مدينة جنين


قصف مدفعي إسرائيلي بالتزامن مع إطلاق نار مكثف يستهدف المناطق الشرقية لمدينة غزة