47 مليار دولار للحرب على إيران، وأكثر من تريليون دولار فوائد للدين العام.. أرقام تكشف الوجه الآخر للسياسة الاقتصادية الأمريكية، حيث تتراجع أولوية المواطن أمام فاتورة الحروب ومغامرات القوة.
لم تعد الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة مجرد مواجهات عسكرية تُقاس بنتائجها الميدانية أو بحجم التفوق التكنولوجي الذي تحققه القوات الأمريكية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الاقتصاد الأمريكي على تحمّل كلفة السياسة الخارجية التي تنتهجها إدارة الرئيس دونالد ترامب. فبينما تتحدث واشنطن عن خفض الضرائب، وتحفيز النمو، وتحسين مستويات المعيشة، تكشف الأرقام عن واقع اقتصادي أكثر تعقيدا، تتزايد فيه أعباء الدين العام، وتتسع فيه فاتورة الإنفاق العسكري، وتُستنزف فيه موارد كان من الممكن توجيهها نحو احتياجات الداخل الأمريكي.
وفي أحدث مؤشر على هذه المفارقة، أظهرت بيانات قدمتها وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) إلى الكونغرس أن تكلفة الحرب على إيران تجاوزت 47 مليار دولار، بزيادة تفوق 25% مقارنة بالتقديرات التي أعلنتها الوزارة في يوليو/تموز الماضي، حين قدر وزير الدفاع بيت هيغسيث كلفة الحرب بنحو 37.5 مليار دولار. وتكشف هذه الزيادة أن الحرب لم تعد مجرد عملية عسكرية محدودة يمكن احتواء نفقاتها، بل أصبحت التزاماً مالياً متصاعداً، يفرض ضغوطاً إضافية على الموازنة الفدرالية، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات اقتصادية ومالية متراكمة.
حرب تستهلك الذخائر والأموال
تظهر تفاصيل الإنفاق العسكري أن أكثر من 29 مليار دولار خُصصت لاستبدال الذخائر التي استُهلكت خلال الحرب، فيما بلغت التكاليف الإضافية للعمليات العسكرية نحو 12 مليار دولار، وخصصت 6.1 مليارات دولار لتعويض المعدات المفقودة. كما وصلت تكاليف دعم القوات المنتشرة، بما يشمل النقل الجوي وتجهيز القواعد والاتصالات والخدمات اللوجستية، إلى 7.6 مليارات دولار.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الإنفاق العسكري، بل تكشف أيضا عن طبيعة الحروب الحديثة، التي لا تتوقف تكلفتها عند إطلاق الصواريخ أو تحريك الطائرات، وإنما تمتد إلى عمليات الإمداد والصيانة وإعادة بناء القدرات العسكرية وتعويض الخسائر.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما الذي يمكن أن تحققه الولايات المتحدة من إنفاق عشرات المليارات من الدولارات على حرب، في وقت تعاني فيه من عجز مالي متزايد وتكاليف اقتراض مرتفعة؟
قد تتمكن القوة العسكرية من تحقيق مكاسب ميدانية مؤقتة، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان الاستقرار الاقتصادي أو معالجة الاختلالات المالية التي تتراكم داخل الدولة. بل إن استمرار الحروب قد يؤدي إلى تعميق هذه الاختلالات، خصوصا عندما تتحول العمليات العسكرية إلى التزامات طويلة الأمد يصعب التنبؤ بنهايتها.
الدين العام.. الجبهة الاقتصادية الأكثر خطورة
تزداد خطورة الإنفاق العسكري في ظل أزمة الدين العام الأمريكي، التي باتت تشكل أحد أبرز التحديات أمام الاقتصاد الأكبر في العالم. فوفق البيانات الواردة، بلغت فوائد الدين العام نحو 1.36 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر/أيلول 2026، فيما وصلت مدفوعات الفوائد إلى 14.2% من إجمالي الإنفاق الفدرالي، أي ما يقارب دولارا من كل سبعة دولارات تنفقها الحكومة الأمريكية.
والأكثر إثارة للقلق أن صافي فوائد الدين العام بلغ نحو 1.05 تريليون دولار، متجاوزا الإنفاق على الدفاع الوطني، الذي قُدّر بنحو 965 مليار دولار، وكذلك الإنفاق على الصحة، الذي بلغ نحو 1.03 تريليون دولار. وهنا تتجلى المفارقة الاقتصادية بوضوح: الدولة التي تمتلك أكبر ترسانة عسكرية في العالم باتت تنفق على فوائد ديونها أكثر مما تنفق على دفاعها الوطني.
إن فوائد الدين لا تمثل استثمارا في البنية التحتية، ولا تمول مستشفى جديدا، ولا تخلق وظيفة إضافية، بل هي تكلفة مالية تترتب على الاقتراض السابق. ومع استمرار ارتفاعها، تتقلص مساحة المناورة أمام الحكومة، وتصبح الخيارات المالية أكثر صعوبة. وإذا كانت الولايات المتحدة تستطيع تمويل عجزها عبر إصدار سندات جديدة، فإن ذلك لا يعني أن الاقتراض بلا حدود أو أن تكلفة الديون لا تفرض ثمنا سياسيا واقتصاديا. فكلما ارتفعت كلفة التمويل، زادت الضغوط على الموازنة، وأصبح الحفاظ على مستويات الإنفاق الحالية أكثر تعقيداً.
ترامب.. وعود اقتصادية تصطدم بواقع مالي متناقض
وصل دونالد ترامب إلى السلطة وهو يرفع شعارات اقتصادية تقوم على خفض الضرائب، وتقليل تكاليف الاقتراض، وتعزيز فرص العمل، وتحقيق الازدهار للأمريكيين. غير أن هذه الوعود تواجه اختبارا صعبا في ظل السياسات المالية التي تتبناها إدارته، ولا سيما التشريعات التي أُقرت عام 2025.
فبحسب التقديرات الواردة عن مكتب الموازنة بالكونغرس، من المتوقع أن تسهم تلك التشريعات في زيادة العجز بين الإيرادات والنفقات الحكومية بنحو 4.7 تريليونات دولار خلال الفترة الممتدة بين عامي 2026 و2035. وهنا يبرز التناقض الجوهري في السياسة الاقتصادية لترامب: كيف يمكن للإدارة أن تتعهد بخفض الضرائب وتخفيف أعباء المعيشة، بينما تتبنى في الوقت نفسه سياسات قد تؤدي إلى توسيع العجز المالي، وتواصل الإنفاق العسكري المكلف؟
المشكلة تكمن في غياب التوازن بين الموارد المتاحة والالتزامات المتزايدة، وفي تحويل السياسة الخارجية إلى مصدر دائم لاستنزاف الأموال العامة. فحين تتزايد النفقات العسكرية وتتراجع الإيرادات الضريبية من دون تعويض كاف، يصبح الاقتراض أداة أساسية لتمويل الدولة، وتتحول الوعود الاقتصادية إلى التزامات يصعب الوفاء بها من دون فرض أعباء إضافية على الأجيال المقبلة.
المواطن الأمريكي.. يدفع ثمن الحروب مرتين
لا تنحصر تداعيات هذه السياسات في الأرقام المسجلة داخل الموازنة الفدرالية، بل تمتد إلى الحياة اليومية للمواطن الأمريكي. فملايين الأمريكيين يواجهون صعوبات في تغطية تكاليف السكن والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية، بينما تخصص الحكومة مبالغ متزايدة لسداد فوائد الديون وتمويل العمليات العسكرية. وفي هذا السياق، لا يبدو أن الحرب على إيران تمثل مجرد بند إضافي في الموازنة، بل إنها قد تؤدي إلى تعميق الضغوط الاقتصادية، سواء من خلال الإنفاق المباشر أو عبر تداعياتها المحتملة على أسواق الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي.
وإذا أدت الحرب إلى اضطراب إمدادات النفط أو ارتفاع أسعار الطاقة، فإن المستهلك الأمريكي قد يتحمل عبئا إضافيا من خلال ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والسلع والخدمات. وبذلك، يدفع المواطن الأمريكي ثمن الحرب مرتين: مرة من خلال الموارد العامة التي تُخصص لتمويل العمليات العسكرية، ومرة أخرى عبر التداعيات الاقتصادية المحتملة للصراع على الأسعار وتكاليف المعيشة. والمفارقة أن الإدارة التي ترفع شعار تحسين الوضع الاقتصادي للأمريكيين قد تجد نفسها أمام معادلة صعبة: تمويل الحروب من جهة، ومحاولة احتواء آثارها الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
الاقتصاد الأمريكي بين القوة العسكرية وحدود القدرة المالية
لا يمكن إنكار أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك اقتصادا ضخما، وقدرات مالية ومؤسساتية تمنحها هامشا واسعا للتحرك مقارنة بمعظم دول العالم. لكن هذه المزايا لا تلغي حقيقة أن تراكم الديون وارتفاع فوائدها يفرضان قيودا متزايدة على السياسة الاقتصادية. فوفق التقديرات الواردة، يبلغ الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي نحو 32.6 تريليون دولار خلال عام 2026، في حين تجاوز الدين العام حجم الاقتصاد الأمريكي. وهذه المقارنة، رغم أنها لا تكفي وحدها لتحديد مدى استدامة الدين، تكشف حجم الالتزامات التي باتت تواجهها الدولة.
والمشكلة ليست في حجم الدين فقط، بل في مساره المستقبلي، وفي قدرة الحكومة على السيطرة على العجز، وتوفير الموارد اللازمة لتمويل التزاماتها من دون تحميل الاقتصاد أعباء إضافية. وفي ظل هذه المعطيات، يصبح استمرار الحروب المكلفة قرارا لا يمكن فصله عن الحسابات الاقتصادية، ولا عن مسؤولية الإدارة الأمريكية تجاه مواطنيها.
84% من الناخبين يرون الاقتصاد أولوية
وتزداد الأهمية السياسية لهذه الأزمة مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الأمريكية. فقد أظهر استطلاع نشره مركز «بيو» للأبحاث في أكتوبر/تشرين الأول 2026 أن 84% من الناخبين المسجلين يرون أن الاقتصاد قضية شديدة الأهمية في تحديد تصويتهم في انتخابات الكونغرس.
وهذا الرقم يعكس أن الاقتصاد لا يزال العامل الأكثر حساسية في العلاقة بين الناخب الأمريكي والإدارة السياسية، وأن الوعود المتعلقة بالوظائف والأسعار والضرائب لا يمكن أن تبقى مجرد شعارات انتخابية.
ومن هنا، فإن استمرار الإنفاق العسكري الضخم، بالتزامن مع ارتفاع فوائد الدين العام واتساع العجز المالي، قد يتحول إلى نقطة ضعف سياسية أمام الإدارة الجمهورية، خصوصا إذا شعر المواطنون بأن الموارد العامة تُنفق على صراعات خارجية أكثر مما تُنفق على تحسين ظروفهم المعيشية.
هل تستطيع واشنطن تمويل الحروب والازدهار معا؟
إن الأرقام المتعلقة بالحرب على إيران والدين العام الأمريكي تكشف عن معادلة اقتصادية وسياسية شديدة التعقيد. فالقوة العسكرية التي تسعى واشنطن إلى الحفاظ عليها لا تنفصل عن قوة الاقتصاد الذي يمولها، وأي استنزاف طويل الأمد للموارد المالية قد يضعف الأساس الاقتصادي الذي تقوم عليه تلك القوة. ولا تكمن المفارقة في أن الولايات المتحدة تنفق على الدفاع فحسب، بل في أن إدارة ترامب تتبنى خطابا يقوم على تحسين حياة الأمريكيين، بينما تواصل سياسات قد تزيد من الأعباء المالية على الدولة والمجتمع.
إن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على خوض حرب جديدة، بل ما إذا كانت قادرة على تحمل تكاليفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، من دون أن تتحول تلك الحروب إلى عبء يهدد وعود الازدهار التي رفعتها الإدارة الأمريكية.
فالحروب قد تُحسم في ميادين القتال، لكن نتائجها الاقتصادية قد تستمر لسنوات طويلة، وتبقى فاتورتها مفتوحة حتى بعد توقف المدافع. وفي نهاية المطاف، قد تكون أخطر خسائر الحروب بالنسبة إلى واشنطن ليست تلك التي تُسجل في ساحات المواجهة، بل تلك التي تتراكم بصمت في الموازنة العامة، وتُحمّل الأجيال القادمة ديونا لم تشارك في اتخاذ قرار الحرب، لكنها ستدفع ثمنها.