ليس أخطر ما في اجتماع طهران أن إيران والسعودية وتركيا وباكستان اجتمعت حول طاولة واحدة، بل أن هذا الاجتماع يطرح سؤالاً بات يقلق واشنطن: ماذا لو قررت دول المنطقة أن أمنها لم يعد شأناً أمريكياً، وأن زمن فرض المعادلات من وراء البحار بدأ يفقد قدرته على التحكم بمستقبل الشرق الأوسط؟
هنا تكمن الدلالة الاستراتيجية للاجتماع. فبينما اعتادت الولايات المتحدة أن تكون بوابة الأمن الإقليمي ومرجعيته العسكرية والسياسية، يجري اليوم البحث عن تفاهمات تجمع قوى متباينة، بينها إيران التي ظلت واشنطن تتعامل معها باعتبارها خصماً ينبغي احتواؤه وعزلها عن محيطها. وإذا تحولت هذه اللقاءات إلى مسار أمني مستدام، فإنها لن تعني مجرد خفض التصعيد، بل ستفتح نقاشاً حول من يملك حق صياغة قواعد الأمن في المنطقة: دولها وشعوبها، أم القوة الخارجية التي بنت شبكة نفوذها على القواعد العسكرية والتحالفات والضمانات الأمنية؟
إن واشنطن تواجه هنا معضلة سياسية واضحة: إذا عرقلت التفاهمات الإقليمية، فقد تتحمل مسؤولية إطالة أزمات تستنزف حلفاءها وتهدد المصالح الاقتصادية والأمنية التي تقول إنها تحميها. وإذا تركت هذه التفاهمات تتطور، فقد تجد نفسها أمام ترتيبات تقلّص احتكارها لدور الوسيط والضامن الأمني. إنها مفارقة تستحق المتابعة، لا لأنها تثبت أن النفوذ الأمريكي انتهى، بل لأنها تكشف أن إدارة المنطقة من الخارج لم تعد الخيار الوحيد المطروح على طاولتها.
اجتماع يربك الحسابات التقليدية
تكمن أهمية اجتماع طهران في مستوى المشاركين وفي التناقضات التي يمثلونها. فالسعودية وتركيا وباكستان ترتبط باتفاق دفاعي مشترك، ومع ذلك يشارك ممثلوها في محادثات مع إيران حول الأمن الإقليمي. وهذا يعني أن التحالفات، مهما بلغت أهميتها، لا تلغي الحاجة إلى التفاوض مع الدول الاخرى، ولا تستطيع وحدها توفير حلول دائمة لأزمات المنطقة.
السعودية لديها مصلحة في تجنب اتساع المواجهات وحماية استقرارها الاقتصادي ومشروعاتها التنموية. وتركيا تسعى إلى تثبيت دورها في معادلات الإقليم، فيما تمتلك باكستان قنوات اتصال متعددة تؤهلها للمساهمة في الوساطة. أما إيران، فتطرح مبدأ أن أمن المنطقة ينبغي أن تصوغه الدول المعنية نفسها، بدلاً من إبقائه رهينة التنافس الدولي والوجود العسكري الأجنبي.
ولذلك، فإن مجرد الجلوس إلى طاولة واحدة لا يعني أن الخلافات انتهت، لكنه يكشف أن إدارة هذه الخلافات عبر الحوار باتت ضرورة لا يمكن تجاهلها. كما يضع أمام واشنطن واقعاً لا تستطيع قراءته فقط من زاوية علاقاتها الثنائية مع حلفائها؛ فالدول التي ترتبط بها أمنياً قد تكون لديها أيضاً مصالح تدفعها إلى التفاهم مع إيران.
لماذا تعثّر مسار صلالة، ولماذا تتحرك طهران الآن؟
يستدعي انعقاد اجتماع طهران المقارنة بمساعي عقد اجتماع صلالة، الذي كان يُفترض أن يبحث ترتيبات إقليمية تتصل بأمن الملاحة في مضيق هرمز قبل أن يتعثر. وقد ارتبط تعثره بخلافات بشأن المشاركة وشروط الحوار والمواقف الإقليمية، ولا تتوافر أدلة حاسمة تثبت أن واشنطن أفشلته بصورة مباشرة.
لكن السؤال السياسي يظل مشروعاً: هل تقبل الولايات المتحدة بقيام منظومة أمنية إقليمية تتجاوز دورها، أم تفضّل مسارات تفاوضية تبقى ضمن حدود لا تمس جوهر نفوذها؟
ليس ضرورياً أن تعارض واشنطن كل حوار لا تقوده. فقد تكون التهدئة مفيدة لها إذا حالت دون اتساع الحرب، وحمت أسواق الطاقة والملاحة، وخففت المخاطر عن حلفائها. غير أن موقفها قد يصبح مختلفاً إذا انتقل الحوار إلى وضع قواعد تحدّ من استخدام القواعد العسكرية الأجنبية، أو تمنع توظيف أراضي دول المنطقة وأجوائها في شن هجمات على دول أخرى، أو تقلّص اعتماد العواصم الإقليمية على الضمانات الأمريكية.
وهنا يجب التمييز بين احتواء أزمة مؤقتة وإعادة بناء النظام الأمني. فقد تدعم القوى الكبرى الأول عندما يخدم مصالحها، لكنها تنظر بحسابات مختلفة إلى الثاني إذا أدى إلى إعادة توزيع النفوذ والقدرة على اتخاذ القرار.
من يضمن أمن المنطقة؟
إن التحدي أمام اجتماع طهران ليس إصدار بيان يؤكد أهمية السلام والاستقرار، بل الانتقال إلى إجراءات قابلة للتنفيذ: قنوات اتصال عسكرية دائمة، ومبادئ واضحة لعدم الاعتداء، وآليات لتسوية النزاعات، وتفاهمات بشأن أمن الملاحة ومنع استخدام أراضي الدول لشن هجمات على جيرانها.
لكن الطريق إلى ذلك لن يكون سهلاً. فهناك خلافات عميقة بشأن إسرائيل، والوجود العسكري الأمريكي، واليمن، ومضيق هرمز، والعقوبات المفروضة على إيران. كما أن السعودية وتركيا وباكستان لا تبدو مستعدة، بمجرد مشاركتها في الاجتماع، للتخلي عن علاقاتها الأمنية مع واشنطن. لذلك لا يصح اعتبار الاجتماع إعلاناً عن نهاية النفوذ الأمريكي، بل ينبغي التعامل معه باعتباره اختباراً لإمكان تنويع الخيارات الإقليمية وتقليل الارتهان لطرف واحد.
والسؤال الذي ينبغي أن تطرحه دول المنطقة على نفسها هو: هل يمكن بناء أمن مستدام بينما تظل قرارات الحرب والسلم مرتبطة بحسابات قوى خارجية؟ وهل يمكن إنهاء دوامة المواجهات من دون معالجة أسبابها، وفي مقدمتها غياب الثقة والضمانات المتبادلة وازدواجية المعايير في التعامل مع المخاوف الأمنية؟
طهران تختبر حدود النفوذ الأمريكي
قد لا ينتج اجتماع طهران نظاماً أمنياً جديداً في يوم واحد، لكن أهميته تكمن في فتح الباب أمام احتمال ظل طويلاً محاطاً بالشكوك: أن تتفاوض دول المنطقة مباشرة على مصالحها، وأن تبحث عن قواعد مشتركة تمنع تحول خلافاتها إلى حروب مفتوحة.
إذا أفضى الاجتماع إلى آلية دائمة للتعاون الأمني، فسيكون ذلك تطوراً يتجاوز حدود التهدئة، لأنه يمنح دول المنطقة قدرة أكبر على إدارة أزماتها بنفسها. أما إذا اقتصر على تصريحات عامة، فسيظل مساراً محدوداً لا يغير موازين النفوذ.
إن المأزق الذي تواجهه واشنطن ليس أن اجتماعاً واحداً أطاح بنفوذها، بل أن استمرار الأزمات يدفع حلفاءها وخصومها معاً إلى البحث عن خيارات لا تمر بالضرورة عبرها. وكلما ازدادت كلفة المواجهة، ازدادت أهمية السؤال عن جدوى بقاء الأمن الإقليمي رهينة ترتيبات لا تملك دول المنطقة وحدها قرارها.
لقد بات الامتحان الحقيقي أمام اجتماع طهران واضحاً : هل يكون بداية تفاهمات تعيد للدول الإقليمية دورها في صياغة أمنها، أم مجرد محطة أخرى لاحتواء أزمة جديدة؟ الإجابة ستحددها الخطوات العملية المقبلة، لا الشعارات. أما واشنطن، فستواجه تحدياً متزايداً في التوفيق بين حماية نفوذها الموروث وبين واقع إقليمي تتزايد فيه الحاجة إلى تسويات لا تستطيع فرضها بالقوة وحدها.