هل هي تباشير ربيع أميركي؟

الإثنين ١٧ أكتوبر ٢٠١١
٠٣:٢٠ بتوقيت غرينتش
هل هي تباشير ربيع أميركي؟ تعيد الاحتجاجات التي يشهدها شارع المال في نيويورك “وول ستريت”، تشكيل الصورة الأميركية باستعادة عناصر مغيّبة لهذه الصورة تتمثل في جموع الفقراء والطلبة الجامعيين والشبان الحالمين بالتغيير، كما تعيد بعض الزخم المفقود إلى الشارع الأميركي السياسي، رغم أن المحتجين غير منضوين في مجموعات سياسية، ولا حتى اتحادات نقابية، وهذه مازالت بمنأى عنهم .

ومع مضي أربعة أسابيع على هذه الاحتجاجات وانتقالها الى مدن أخرى، فانها نجحت في امتلاك قوة رمزية، وقد بدأت تجتذب مشاهير الفن والسياح، فالحياة السياسية المرهونة لحزبين كبيرين وبدعم من كبار الرأسماليين، باتت تكشف شيئاً فشيئاً عن فقرها التمثيلي وعن جمودها الذي طال الأمد عليه . .

المحتجون يقولون إنهم يمثلون 99 بالمئة من السكان، وهي نسبة عالية جداً تماثل نسب فوز زعماء العالم الثالث في الانتخابات . والأغلب أنها تمثل قوة كبيرة صامتة، وخاصة مع انتشارها، وقد يكون من المبكر تحديد نسبتها، غير أنه من الواضح في الوقت نفسه، أن كبار الأغنياء المستهدفين بالاحتجاج يمثلون نسبة ضئيلة جداً . وبالطبع فإنهم ليسوا مستهدفين بأشخاصهم بل بمواقعهم وبسياساتهم، وبما يمثلونه من جشع .

لقد لوحظ أن الرئيس أوباما بدا متفهماً إن لم يكن متعاطفاً حين وصف هذه التحركات بأنها منبثقة من الإحباط الناجم عن الأزمة المالية وعن رفض كبار رجال المال تنظيم القطاع المالي، مع دعوته إلى خفض الضرائب على المشاريع الصغيرة . أما المستهدفون في مواقعهم فقد بدوا واجمين أمام هذا التطور المفاجئ بعودة الحياة إلى الشارع .

المحللون الأميركيون يرقبون ما إذا كانت جماعات سياسية سوف تنضم إلى الاحتجاجات بما يكسبها مضمونا محدداً، إذ إن الشعارات المرفوعة حتى الآن ذات طابع نقدي عمومي ولا تحمل مطالب محددة، وذلك مقارنة بالاحتجاجات الواسعة في ستينات القرن الماضي التي نادت بالحقوق المدنية للملونين، ثم تلك الداعية إلى الانسحاب العسكري الأميركي من فيتنام . ها قد مضى إذاً، زهاء نصف قرن على غياب احتجاجات عارمة ذات طابع نقدي راديكالي، المحتجون الحاليون هم أبناء وأحياناً أحفاد محتجي الستينات .

من المفارقات أن هذه الموجة الجديدة تهبّ، بينما يقود البلاد رئيس ديمقراطي ذو أصول إفريقية، محضه الفقراء ثقتهم واقترعوا له وعقدوا عليه الآمال . ليس بوسع الرجل فعل الكثير لاستيعاب الشارع بالنظر إلى طبيعة النظام الأميركي الذي يقيد صلاحيات الرئيس، هذا إذا أراد بالفعل أن يقوم بشيء، وقبل نحو سنة من انتخابات رئاسية يموّل حملاتها الأغنياء لا محتجو “وول ستريت” ومن يناصرهم . وقد رأينا كيف أخذ يتقرب من اللوبي الصهيوني بينما كان السلام العادل وإنهاء الاحتلال مطلباً بارزاً له في حملاته الانتخابية وحتى في الأشهر الأولى من عهده . غير أن الاحتجاجات إذا تواصلت واتسع نطاقها، مرشحة لأن تلعب دوراً في تحريك المعادلات الساكنة، بحيث يتم تظهير معارضين وحتى قوى يسارية في بلد شاسع هو قارة بخمسين ولاية، تتقاسم النفوذ فيه أطياف اليمين المختلفة، مع طيف أصغر من الليبراليين . وهذا هو سر ترقب المحللين والخبراء في الجامعات ومراكز الدراسات، لانضمام مجموعات سياسية إلى المحتجين، أو حتى تبلور مجموعات سياسية جديدة في سياق تنامي حركة الاحتجاج وتظهيرها مطالب محددة تتعدّى مناصرة الفقراء ووقف الجشع، ولن يكون من بينها بالطبع “القضاء على النظام القائم” كما بشّر بذلك البعض في منطقتنا، وقبل أن يبرهن القذافي على أنه لم يتخل حتى وهو هائم على وجهه . عن هزلياته، حين نسب الاحتجاجات اليه شخصياً قائلاً إنها من تدبيره!

تكشف الاحتجاجات عن وجه مطموس أو مموه لأميركا، في بلد لا تتوقف فيه الانتقادات الفردية أو من طرف مجموعات غير سياسية، وعبر ما لا يحصى من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، فضلاً عن وسائل الاتصال الرقمية الحديثة . لكن الجديد في الاحتجاجات أنها تعيد تسييس الشارع وبالذات جموع الشبيبة، وتنحو نحو النشاط الجمعي، وتحمل حتى الآن طابعاً اجتماعياً يخترق جميع الفوارق بين مكونات المجتمع الأميركي، باستثناء الفوارق الطبقية التي لم تتسع، كما قال أحد الدارسين الأميركيين، كما تتسع عليه حالياً ومنذ العام 1929 عام الكساد الكبير .

لقد وجه رأس النظام نفسه انتقادات شديدة لقطاع كبار رجال المال والأعمال، والواضح أن بعض التقييد على حركة هؤلاء وعلى مؤسساتهم، لم يسعف في إزالة الأثر الاجتماعي لهذا الخلل في التصرف بالثروات، وهو ما تنبئ عنه حركة الاحتجاج هذه التي تأتي في بعض أدائها ومظاهرها متساوقة مع إيقاع الربيع العربي، ولكن بالطبع في اتجاه تصحيح عميق للأداء الاقتصادي والاجتماعي، وهو تصحيح سيكون مفتوحاً حُكماً على آفاق سياسية، وليس على المطالبة برحيل الرئيس المنتخب .

ثمة ملاحظة من الضروري التنويه بها، وهي أن الاحتجاجات اندلعت غداة الاحتفال بذكرى هجمات سبتمبر 2001 . والرسالة هنا هي أن الأميركيين هم ضد الإرهاب الذي يطال المدنيين، لكنهم أيضاً ضد الجشع الداخلي، ضد المجتمع المغلق لكبار رجال الأعمال الذي يتحكم بدورة المال ويجعل عشرات الملايين أسرى القروض .

 إنها تباشير ربيع أميركي بمواصفات أميركية، لا عربية ولا يونانية .

* محمود الريماوي - مؤسسة دار الخليج للصحافة

0% ...

آخرالاخبار

العميد فدوي: وحدة الكلمة سرّ صمود إيران في الحرب العسكرية والاقتصادية


بلومبرغ عن مارك روته الأمين العام للناتو: لا أعتقد أن يخرج أحد من الحرب الروسية الأوكرانية منتصرا


آيزنكوت يتفوق على نتنياهو بـ67 تزكية لتشكيل الحكومة


قوات الاحتلال تداهم منزلاً خلال اقتحام مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الاعلام السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في منطقة نجران للتحذير من خطر محتمل


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو لنيويورك تايمز: لا أخطط لمغادرة منصبي في إدارة ترمب


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


الأكثر مشاهدة

القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي شاك شومر: الحرب على إيران يجب أن تنتهي وسنحاصر ترمب تشريعيا إذا لم يمتثل لإرادة الشعب