عاجل:

من صواريخ الحرب إلى رغيف الخبز..

كيف يدفع العالم ثمن التصعيد الأمريكي "الإسرائيلي"؟

الأحد ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦
٠٢:٥٧ بتوقيت غرينتش
كيف يدفع العالم ثمن التصعيد الأمريكي بقلم: حيدر زيبرم

ليست الحروب مجرد صواريخ تعبر السماء، أو مدن تتحول إلى ركام، أو أرقام تُضاف إلى قوائم الضحايا. فثمة حرب أخرى لا تظهر صورها على الشاشات بالوضوح نفسه، لكنها تتسلل إلى حياة ملايين البشر كل يوم، حرب تدور في أسواق الطاقة، وموانئ الشحن، ومصانع الأسمدة، ورفوف المتاجر، وتنتهي بفاتورة أكبر تدفعها الأسر من قوتها اليومي.

وعندما تتحول القوة العسكرية إلى أداة لفرض الإرادة السياسية، وتُفتح أبواب المواجهة من دون تقدير حقيقي لعواقبها الإقليمية والدولية، فإن الخسائر لا تبقى محصورة في أطراف الصراع. سرعان ما تمتد إلى اقتصادات بعيدة عن ساحات القتال، ويصبح المواطن الذي لم يشارك في اتخاذ قرار الحرب واحدا من أبرز الذين يتحملون تكاليفها.

ومن هنا، فإن أي مواجهة عسكرية تشارك فيها الولايات المتحدة و"إسرائيل"، أو تتسبب سياساتهما وتصعيدهما في توسيع نطاقها، تستحق قراءة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة إلى سؤال أكثر إلحاحا: من يدفع الثمن الحقيقي لهذه المواجهة، ومن يتحمل مسؤولية تحويلها إلى أزمة معيشية عالمية؟

من يقرر الحرب، ومن يدفع الفاتورة؟

تتمثل إحدى المفارقات الكبرى في الحروب الحديثة في أن القرار قد يُتخذ داخل دوائر سياسية وعسكرية ضيقة، بينما تتوزع تكاليفه على شعوب لم تكن طرفا في صياغته. فالحكومات التي تقرر التصعيد قد تتحدث عن الأمن القومي، والردع، وتغيير موازين القوى، لكنها لا تستطيع عزل قراراتها عن نتائجها الاقتصادية والاجتماعية.

وفي سياق الحرب الأمريكية - "الإسرائيلية" على إيران، لا يمكن التعامل مع التصعيد العسكري باعتباره حدثا محليا أو مواجهة محدودة. فموقع المنطقة في منظومة الطاقة العالمية، وحساسية الممرات البحرية فيها، وتشابك المصالح التجارية والمالية، تجعل أي اتساع للصراع قابلا للتحول إلى أزمة تتجاوز الحدود الجغرافية للأطراف المتحاربة.

والنقد هنا لا يتعلق بحق الدول في حماية أمنها فحسب، بل باستخدام القوة العسكرية وسياسات التصعيد من دون إعطاء الأولوية الكافية للحلول السياسية والدبلوماسية، ومن دون تحمل المسؤولية عن العواقب المتوقعة. فالحرب ليست قرارا يمكن تقييمه بعدد الأهداف العسكرية التي تحققت وحدها، بل يجب أن يُقاس أيضا بما يخلّفه من دمار، واضطراب اقتصادي، ومعاناة إنسانية، وتهديد لاستقرار المنطقة والعالم.

النفط ليس سوى بداية الأزمة

من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن ارتفاع أسعار النفط يضر فقط بقطاع الوقود أو بملاك السيارات. فالطاقة تدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم حلقات الإنتاج، بدءا من استخراج المواد الخام، مرورا بتشغيل المصانع وتبريد المخازن، وصولاً إلى نقل السلع وتوزيعها على الأسواق. وعندما ترتفع أسعار النفط والغاز، تزداد تكاليف تشغيل المصانع، وقد ترتفع أسعار الكهرباء والنقل والمواد الوسيطة. وتجد الشركات نفسها أمام خيارين صعبين: تحمل جانب من الزيادة على حساب أرباحها، أو تمرير جزء منها إلى المستهلكين، أو الجمع بين الخيارين.

أما الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي لا تمتلك دائما احتياطيات مالية كافية أو قدرة تفاوضية كبيرة، فقد تكون الأكثر عرضة للضغوط. وقد يؤدي استمرار ارتفاع التكاليف إلى تقليص الإنتاج، وتأجيل الاستثمارات، والحد من التوظيف، وهو ما يضيف إلى الأزمة الاقتصادية أبعاداً تتجاوز ارتفاع الأسعار وحده.

وبذلك، لا تبقى الحرب خبرا يتابعه الناس من بعيد، بل تتحول تدريجيا إلى عامل يؤثر في فرص العمل، ومستويات الدخل، والقدرة الشرائية، ومستقبل النمو الاقتصادي.

حتى رغيف الخبز ليس بمنأى عن الحرب

ربما يكون انتقال آثار الحرب إلى أسعار الغذاء أكثر ما يكشف حجم التناقض بين الحسابات العسكرية واحتياجات البشر الأساسية. فالزراعة الحديثة تعتمد على الوقود لتشغيل المعدات، وعلى الطاقة في عمليات الري والتجهيز والتخزين، وعلى النقل لإيصال المحاصيل إلى الأسواق. كما تعتمد صناعة الأسمدة، خصوصا الأسمدة النيتروجينية، على الغاز الطبيعي بوصفه مادة أولية ومصدراً للطاقة.

وتكتسب هذه الحقيقة أهمية إضافية عندما تتعرض تجارة الأسمدة المنقولة بحرا للاضطراب في المنطقة، التي تمثل جزءا مهما من منظومة إمدادات الطاقة والمواد المرتبطة بالصناعات الكيميائية. فتعطل الشحنات أو ارتفاع أسعار الغاز والأسمدة يمكن أن يزيد تكاليف المزارعين، ويؤثر في قراراتهم بشأن حجم الإنتاج واستخدام المدخلات الزراعية.

ولا يعني ذلك أن ارتفاع أسعار القمح والأرز والخضروات يحدث فورا وبالمقدار نفسه في جميع الدول، إذ تتداخل عوامل أخرى، مثل المخزونات الاستراتيجية، ومواسم الحصاد، وأسعار الصرف، والسياسات الحكومية. لكن استمرار اضطراب الإمدادات وارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل قد يزيد الضغوط على أسعار الغذاء، ولا سيما خلال المواسم الزراعية اللاحقة. وهكذا، قد يجد المواطن نفسه أمام مفارقة قاسية: لم يشارك في الحرب، ولم يستفد من قراراتها، لكنه يدفع جزءا من ثمنها عندما يشتري الخبز أو الأرز أو الخضروات. إن أخطر ما في هذه السلسلة أن الأعباء لا تتوزع بالتساوي، فالأسر ذات الدخل المحدود تخصص حصة أكبر من ميزانيتها للطعام والطاقة، ولذلك تكون أكثر تضررا من ارتفاع الأسعار، حتى عندما تبدو الزيادة محدودة في المتوسط العام للتضخم.

فاتورة الحرب تتجاوز الطعام والوقود

حين ترتفع أسعار الطاقة وتتزايد تكاليف الشحن والتأمين، لا تقتصر النتائج على السلع الغذائية. فالأجهزة الكهربائية، والملابس، ومواد البناء، والأدوية، وقطع الغيار، والمنتجات الكيميائية، وغيرها من السلع، قد تتأثر بدرجات متفاوتة بارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الخام والتغليف والنقل. وقد تمتد الآثار كذلك إلى خدمات النقل والسياحة وبعض الخدمات اللوجستية، بينما تواجه الدول المستوردة للوقود والسلع الأساسية زيادة في قيمة وارداتها، وضغوطا محتملة على احتياطياتها من العملات الأجنبية.

وفي البلدان التي تشهد تقلبات في أسعار الصرف، قد تتضاعف الضغوط عندما تتزامن زيادة الأسعار العالمية مع تراجع قيمة العملة المحلية. أما الدول التي تدعم الوقود أو الكهرباء أو بعض السلع الأساسية، فقد تتمكن من تخفيف العبء عن المستهلك مؤقتا، لكنها قد تتحمل في المقابل تكلفة مالية إضافية تضغط على الموازنة العامة. ومن المهم هنا التمييز بين ارتفاع الأسعار في الأسواق العالمية وانتقاله إلى المستهلك المحلي، فليس كل ارتفاع عالمي يؤدي تلقائيا إلى زيادة متساوية في جميع البلدان. إذ تتدخل سياسات الدعم والتسعير والضرائب والمخزونات وسلاسل التوريد في تحديد حجم الأثر وتوقيته. لكن هذه الفوارق لا تغير الحقيقة الأساسية: كلما طال أمد الصراع واتسع نطاق المخاطر، ازدادت احتمالات انتقال تكاليفه إلى قطاعات أوسع من الاقتصاد العالمي.

مفارقة القوى الكبرى: حماية المصالح أم تعريض العالم للخطر؟

تقدم الولايات المتحدة نفسها باعتبارها قوة تسعى إلى حماية الاستقرار الدولي، فيما تبرر إسرائيل جانبا من سياساتها العسكرية باعتبارات الأمن والردع. غير أن الاختبار الحقيقي لأي سياسة لا يكمن في أهدافها المعلنة وحدها، بل في نتائجها الفعلية ومدى تناسب الوسائل المستخدمة مع تلك الأهداف. فإذا أدى التصعيد إلى زيادة احتمالات المواجهة الإقليمية، وتهديد الملاحة، ورفع تكاليف الطاقة والغذاء، وتعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي، فمن المشروع التساؤل عن جدوى السياسات التي تقود إلى هذه النتائج، وعن البدائل الدبلوماسية التي كان يمكن اعتمادها لتجنبها.
والسؤال المهم هو: هل يمكن اعتبار أي مكسب عسكري نجاحا استراتيجيا إذا كانت تكلفته توسيع دائرة عدم الاستقرار، وإضعاف الاقتصادات، وزيادة معاناة ملايين البشر؟

هل يدفع الفقراء ثمن قرارات لا يملكون التأثير فيها؟

تتجلى العدالة الغائبة في الأزمات الاقتصادية الناجمة عن الحروب في التفاوت بين من يتخذون القرارات ومن يتحملون آثارها. فالأسر محدودة الدخل لا تستطيع ببساطة التخلي عن الطعام أو التنقل إلى العمل، كما لا تمتلك الشركات الصغيرة دائما القدرة على امتصاص الزيادات المتلاحقة في التكاليف. وفي المقابل، قد تتمكن بعض الشركات العاملة في قطاعات الطاقة أو التجارة أو النقل من تحقيق مكاسب استثنائية عندما تتقلب الأسواق وترتفع الأسعار.

ولا يعني ذلك أن جميع هذه الشركات تستفيد، لكن تفاوت القدرة على مواجهة الأزمات قد يؤدي إلى توزيع غير عادل للخسائر والمكاسب.
ومن هنا، فإن مقاومة آثار الحرب لا ينبغي أن تقتصر على مراقبة أسعار النفط، بل يجب أن تشمل حماية المستهلكين، وتعزيز المخزونات الغذائية، وتنويع مصادر الاستيراد والطاقة، ومكافحة الاحتكار والممارسات الاستغلالية، وتقديم دعم موجه إلى الفئات الأكثر تضررا . كما يتعين على الحكومات أن تشرح للمواطنين أسباب ارتفاع الأسعار، وأن تميز بين الزيادات التي تفرضها التكاليف الحقيقية وتلك الناتجة عن استغلال الأزمات، وأن تتخذ إجراءات تحول دون تحميل الفئات الأضعف نصيبا غير متناسب من الفاتورة.

الخلاصة: الحرب لا تنتهي عند حدود الميدان

قد تُقاس نتائج الحرب على الخرائط بمساحات السيطرة، وفي البيانات الرسمية بما يعلنه كل طرف من إنجازات. لكن هناك مقياسا آخر أكثر التصاقا بحياة البشر: كم ارتفعت تكلفة المعيشة؟ كم أسرة اضطرت إلى تقليص إنفاقها؟ كم مصنعاً واجه صعوبة في الاستمرار؟ وكم مزارعا وجد نفسه أمام تكاليف إنتاج أعلى وأسواق أكثر اضطرابا؟

من مضيق هرمز إلى مصانع الأسمدة، ومن ناقلات النفط إلى شاحنات نقل الغذاء، تتضح حقيقة لا يمكن تجاهلها: الاقتصاد العالمي شبكة مترابطة، وأي تصعيد عسكري في إحدى عقدها الحيوية قد يرسل موجات من الصدمات إلى دول وشعوب بعيدة عن ساحة القتال.

وإذا كانت الولايات المتحدة و"إسرائيل" تختاران التصعيد العسكري باعتباره وسيلة لتحقيق أهدافهما، فإن من حق شعوب المنطقة والعالم أن تسأل عن الثمن الذي ستدفعه، وعن البدائل التي جرى تجاهلها، وعن المسؤولية السياسية والأخلاقية تجاه النتائج المتوقعة. فالحرب لا تكتفي بتدمير المباني وإزهاق الأرواح، إنها قد تنتزع من الأسر قدرتها على شراء احتياجاتها الأساسية، وتحوّل الطاقة والغذاء إلى مصادر إضافية للقلق وعدم الاستقرار.

وفي النهاية، قد لا يسمع المواطن صوت الصاروخ، وقد لا يرى ساحة المعركة، لكنه قد يشعر بآثار الحرب كل صباح، حين يدفع ثمن الوقود، وكل مساء، حين يشتري احتياجات أسرته. وعندما يصبح رغيف الخبز أغلى بسبب صراع لم يختره الناس، فإن السؤال لم يعد عسكريا فحسب، بل أصبح سؤالا عن العدالة والمسؤولية: من يملك قرار إشعال الحرب، ولماذا يتحمل العالم كله فاتورتها؟

0% ...

آخرالاخبار

ماكرون: ارتفعت أسعار الوقود في فرنسا بشكل مفرط بسبب الحرب الأمريكية على إيران


هيئة الحشد الشعبي العراقي: ننفي الأنباء المتداولة عبر وسائل إعلام مشبوهة بشأن ترشيح رئيس الهيئة فالح الفياض لرئاسة الجمهورية العراقية


الداخلية الفرنسية: إصابة 997 عنصر أمن واعتقال 2397 شخصاً إثر الإحتجاجات في فرنسا


بقائي مخاطباً ماكرون: لا يمكن الدفاع عن ازدواجية المعايير


الصحة اليمنية: ارتفاع عدد ضحايا العدوان السعودي على منزل في مديرية سحار في محافظة صعدة إلى 33 شهيداً وجريحاً معظمهم أطفال ونساء


إبراهيم رضائي: إيران العظيمة لا يمكن تدميرها وعلى هذين المجرمين وقاتلي الأطفال أن يستعدا لهزيمة أكبر سياسياً وميدانياً


إبراهيم رضائي: الخاسران الكبيران في حرب رمضان ترامب ونتنياهو يتحدثان مجدداً عن تدمير إيران


عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني إبراهيم رضائي: إيران العظيمة لا يمكن تدميرها


مصادر عربية: لا يزال مطار نجران ومطار جازان متوقفَين منذ أكثر من 297 ساعة، ومطار الرياض نحو 199 ساعة، ومطار الطائف نحو 8 ساعات، ومطار القريات نحو 6 ساعات


اللواء عبد اللهي: اختبرتم مراراً عزم وإرادة القيادة والشعب والمسؤولين والقوات المسلحة المقتدرة في إيران الإسلامية


الأكثر مشاهدة

مصادر فلسطينية: اطلاق نار من الآليات قرب جسر وادي غزة ونتساريم شمال المحافظة الوسطى


مصادر لبنانية: قصف مدفعي إسرائيلي استهدف بلدة ميفدون


مصادر فلسطينية: جيش الاحتلال ينفذ عملية نسف شرقي مدينة غزة


وزارة الصحة اليمنية: حصيلة ضحايا العدوان السعودي منذ بدء التصعيد في 3 سبتمبر بلغت 124 شهيداً و327 جريحاً


مصادر يمنية: الطائرات السعودية استهدفت مدرسة المعتصم في قرية العهار بمديرية المسراخ جنوبي محافظة تعز


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة قوصين غرب مدينة نابلس


مصادر لبنانية: قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف بلدة المنصوري في جنوب لبنان


رويترز تشكّك في الادعاء الأمريكي بشأن الحصار البحري على ايران


مصادر يمنية: الطيران السعودي يستهدف بـ3 غارات منطقة الضعة والبنية في عزلة المساحين بمديرية الشمايتين


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة سيلة الظهر جنوب مدينة جنين.


هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية: الأنباء المتداولة بشأن إغلاق أحد المعابر الحدودية المشتركة بين إيران وباكستان عارية تماماً عن الصحة