ما أقدم عليه عبد الفتاح السيسي، الرئيس المصري، من توجيه دعوة عاجلة وطارئة للبرلمان المصري للانعقاد، ووضع جمهورية مصر الشقيقة بتاريخها وإرثها وقواتها المسلحة وشعبها وأبنائها ومواردها تحت أمر وتصرف وتوجيهات الملك سلمان بن عبد العزيز وولده الأمير محمد بن سلمان، أمرٌ لافت للغاية.
ومن وجهة نظري، يمثل هذا إهانة كبيرة جداً للشعب المصري العريق وتاريخه وحضارته. فالشعب المصري شعبٌ سيادي، حرّ، مستقل، ذو كرامة وسيادة، غير قابل للتجزئة ولا للبيع والشراء. وان هذا التصرف الذي صدر من رئيس مصر تصرفٌ ارتجالي وانتهازي وغير مدروس، لا يليق بمؤسسات الدولة المصرية، ويتناقض تماماً مع أسس الدولة والدستور والقانون المصريين، اللذين يرفضان الزجّ بالقوات المصرية في أي معارك خارج حدود الدولة وخارج النطاق الجغرافي لجمهورية مصر العربية.
وكان هذا المبرر الدستوري والقانوني هو العائق أمام انخراط مصر في ما سُمّي اتفاقية مكة، وقوفاً عند النص الدستوري الذي يجرّم الزجّ بالجيش المصري في أي معارك غير وطنية، ويعدّ ذلك خيانة جسيمة. وبهذا أقول إن الشعب المصري والجيش المصري ليسا سلعة قابلة للبيع والشراء والعرض في أي متجر، أو في سوق نخاسة يديره أو يملكه فلان أو فلان.
أنا آمل أن يكون للبرلمان المصري كلمته في هذه الدعوة، وأن ينحاز للدستور والسيادة الوطنية، وأن يغلّب مصلحة الشعب على المصلحة الشخصية والحسابات الخاصة. فأن يُزجّ بالجيش المصري في معارك تخدم كيان "إسرائيل" وتهدد الأمن القومي المصري بالدرجة الأولى، مقابل حفنة من المال والنفع تعود على عدد محدود، يُعدّ خيانة وطنية عظمى.
إضافة إلى أن الأمر يتنافى مع أسس الشريعة الإسلامية ومبادئها، ومع حق الجوار والإخاء العربي والإسلامي. كان الأجدر بجمهورية مصر العربية أن تدخل على خط الوساطة والإنصاف بين اليمن والسعودية، خصوصاً أن أسس الميثاق العالمي وميثاق الجامعة العربية والأمم المتحدة تدعو إلى حلّ الخلافات والنزاعات بالطرق السلمية والحوارات الثنائية أو متعددة الأطراف. أما أن يتحول الطرف المصري إلى طرف معادٍ لبلد عربي، فهذا أمر مشين ومهين وغير لائق.
كذلك، لا ينسى أحد أن مصر دولة متاخمة لفلسطين، وما يضر بغزة على وجه الخصوص وبفلسطين يهدد الأمن القومي المصري.
فالتساؤل الإنساني والدستوري والقانوني والأخوي والعربي هو: لماذا لم يدعُ الرئيس السيسي البرلمان المصري إلى انعقاد عاجل عندما تعرضت غزة لإبادة جماعية وحرب شاملة، وارتُكبت الجرائم الدولية الأربع في بقعة جغرافية لا تتجاوز 300 كيلومتر مربع اسمها غزة؛ حيث ارتُكبت جريمة ضد الإنسانية، وجريمة حرب، وجريمة عدوان، وجريمة إبادة جماعية، ولا تزال كل معالم الإبادة الجماعية تسير بصورة بطيئة، ويُصنّف في القانون الدولي الموتُ البطيء على أنه يدخل تحت جريمة الإبادة الجماعية، ولا يزال الأمن القومي المصري مهدداً من قبل العدو "الإسرائيلي".
العدو "الإسرائيلي" تجاوز اتفاقيات السلام الموقعة بينه وبين مصر وخط بارليف، ونشر قوات في رفح وسيناء في مخالفة للقرارات الدولية، وهذا أكبر تهديد للأمن القومي المصري. والشعب الفلسطيني في غزة يُدفع قسراً للنزوح إلى هنا وإلى مصر. ومهما كانت الدولة المصرية ترفع كفّها في وجه التهجير وترفض النزوح الفلسطيني إلى أراضيها، إلا أنها لم تتخذ أي موقف جاد لنصرة الشعب الفلسطيني.
فكانت الدعوة التي وجهها السيسي لافتة للغاية؛ لأنها جاءت على قدر كبير من الغضب والحماسة والتهديد واستشعار الخطورة العالية والاستنفار إلى أعلى درجاته، من أجل ما يسميه حماية المملكة العربية السعودية.
وهذا يضع كل مؤسسات الدولة المصرية أمام تساؤل دستوري وقانوني وأخلاقي خطير، بالنظر إلى ما جرى في غزة وفلسطين، التي تُعدّ جزءاً من الأمن القومي المصري والأمن القومي العربي، بينما السعودية أو اليمن لا تُعدّ أيٌّ منهما أمنًا قومياً مصرياً على الإطلاق، ولا يُعدّ ما يجري بين اليمن والسعودية مشكّلاً أي خطر على الأمن القومي المصري، ولا على الملاحة الدولية، ولا على قناة السويس، ولا على البحر الأحمر، ولا على خليج عدن، ولا على البحر العربي. فلا يوجد أي مبرر للدعوة التي وجهها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
أنا آمل أن يكون هناك قدر من العقلانية لدى المؤسسة العسكرية والقوات المسلحة المصرية، التي تربطها باليمن علاقة أخوة وصداقة عريقة، خصوصاً منذ الستينيات وإلى اليوم. وكانت مصر رائدة القومية العربية في وجه الإمبريالية والصهيونية العالمية، وهو الخط الذي تسير في ركابه الجمهورية اليمنية اليوم في صنعاء.
فأن تتحول المؤسسة العسكرية المصرية إلى حامٍ ودرع فولاذي لحماية الكيان الصهيوني، وتتورط في حروب خارج نطاق الوطن، فهذا هو المخطط الأمريكي الصهيوني الرجيم الذي يريد تفكيك وإضعاف ما تبقى من الدول العربية والإسلامية، بعد أن فككوا سوريا وليبيا والسودان واليمن وبعض الدول.
الآن، المخطط الصهيوني يهدف إلى تفكيك ثلاث دول رئيسية بالدرجة الأولى: دولة عربية ودولتين إسلاميتين، هما تركيا وباكستان. والدولة العربية هي مصر. ودفعُ الأمريكيين والصهاينة هذه الدولَ إلى الانخراط في الحرب والعدوان على اليمن يؤسس لبدء انقراضها وتقويض سيادتها وأمنها ووحدتها الداخلية.
وعلى المؤسسات الدستورية والعسكرية في هذه الدول الثلاث، وعلى رأسها مصر، ألا تتورط، وأن تعتبر بما جرى في العقد الماضي، خلال السنوات العشر المنصرمة، حيث تورطت بعض الدول، وفي مقدمتها السودان، وآل مصيرها إلى التفكك والحرب والنزاع، وأصبح الرئيس عمر البشير يقبع في السجن منذ ما يقارب عشر سنوات.
أنا أوجه ندائي الأخوي إلى الشعب المصري العربي الشقيق والصديق أن يكون حاضراً في هذه اللحظة التاريخية والمفصلية. الشعب العربي المصري الذي كان صوت المقاومة والعروبة في مواجهة الكيان الصهيوني، ونحن الآن مررنا بذكرى 6 أكتوبر التي تحررت فيها مصر من الاحتلال "الإسرائيلي".
الشعب المصري الذي أُريد له قسراً أن يكون على الحياد، الذي أُريد له أن يكون على الحياد في الحرب "الإسرائيلية" على قطاع غزة، وهو على جواره، ويربطه به التراب والعرض والدم ووحدة المصير المشترك، وأُريد له جبراً وقسراً أن يكون محايداً في الحرب والعدوان والإبادة الجماعية التي تعرضت لها غزة، أو أن يكون صامتاً، ويُراد له اليوم أن يكون عنصراً أو آلة قتل وخراب ودمار وإبادة في اليمن.
إن شهامة المواطن العربي المصري الأصيل وعزته وكرامته وعروبته وحريته واستقلاله وسيادته ترفض أن يكون رأس حربة لحماية مملكة قرن الشيطان، رمز الرجعية والتخلف.
ولا أعتقد أن الشعب المصري قد نسي إرث الصراع الساخن المحتدم الذي تمثل بين الرجعية العربية التي قادتها السعودية، والحداثة التقدمية المصرية بقيادة جمال عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات.
فكيف يقبل الشعب المصري؟ وكيف تقبل المؤسسة العسكرية والدستورية أن تتحول إلى شماعة، أو إلى أداة في يد مملكة آل سعود وأمراء النفط والمال، مقابل هدر السيادة والكرامة والعزة؟ آمل أن تكون هناك وقفة جادة لثني بعض القيادات المتهورة والجشعة والطامعة التي تريد أن تزجّ بشعب مصر وجيشها العريق في هذه الحرب والمعركة الخاسرة.
هناك أصوات عروبية وقومية وعقلانية وأبية سترفض بكل قوة هذه المؤامرة الخبيثة التي يُراد من خلالها تفكيك جمهورية مصر العربية وإدخالها في أتون صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
وكنا نعوّل على الرئاسة المصرية ألا تستدرج إلى هذا المستنقع، والآن نعوّل على البرلمان المصري ألا ينزلق إلى هذا المنزلق الخطير، وهو الآن بين خيارين: بين السيادة والكرامة، وبين المال والتبعية. ونربأ بشعب مصر عن أن يقبل بالتبعية والإذلال.
إن ما يجري الآن هو مخطط تآمري كبير على مصر قبل أن يكون مخططاً تآمرياً على اليمن، وأضراره الفادحة ستلحق أولاً بالشعب المصري في اقتصاده وأمنه واستقراره.
الشعب الذي يبلغ تعداده أكثر من 120 مليون نسمة لا طاقة له على تحمل تبعات الحرب العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية، في ظل الأزمة المالية الخانقة والظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي يمر بها. وعلى شعب مصر أن يؤمّن مستقبل أجياله بوقوفه سداً منيعاً أمام نفاذ هذه المخططات والمؤامرات الخبيثة التي تقودها الصهيونية العالمية.
اليوم قال الرئيس الأمريكي ترامب إن "إسرائيل" جاهزة للتدخل إلى جانب السعودية في الحرب والعدوان على اليمن مقابل التطبيع مع الكيان الصهيوني، وإن الأوراق على الطاولة.
وبهذا الصدد، فإن من المفارقات العجيبة أن تجتمع كل من "إسرائيل" والسعودية ومصر وتركيا وباكستان وغيرها في الحرب والعدوان على اليمن في جبهة واحدة بقيادة أمريكية، بينما كيان "إسرائيل" يتحفز ويتأهب للانقضاض على مصر والسعودية وتركيا وباكستان وغيرها.
وما هذا إلا الخطوة الأولى من مخطط التآمر الصهيوني على المنطقة والانقضاض على هذه الدول وتفكيكها. فيا ترى، لمصلحة من يؤجج العرب نيران الحروب والفتن؟ وكيف ستكون الخاتمة؟ وللعلم بأن السيد حفظه الله كان قد صرّح سابقاً، في طوفان الأقصى، أن اليمن سيقف إلى جانب مصر في أي مواجهة مع العدو "الإسرائيلي"، ودعا مصر إلى أن تتحمل مسؤوليتها في حماية أمنها القومي، وأن اليمن سيكون عضدها.
أما إذا ما انحرفت مصر إلى فخ هذه المكيدة والدسيسة الصهيونية، وانخرطت في الحرب والعدوان على اليمن، وتورطت في المشاركة المباشرة، فإنها ستخسر خسارة كبيرة لا تُعوَّض.
ولا نريد أن نذكر الماضي، يوم أن وأد الآباء والأجداد عشرات الآلاف من الغزاة والمحتلين، ودفنوهم تحت الأنقاض، ولا يزالون تحت رماد التراب إلى يومنا هذا، وهم آنذاك لم يكونوا يملكون إلا الخناجر، وقليلاً مما يمكن أن يُعدّ سلاحاً نارياً في حينه، أمام هذه الإمبراطورية وتلك العسكرية الكبرى.
ولا شك أنها لا تزال ثابتة، وكأنها في صورة المشاهدة واليقين، وقد أعذر من أنذر. إذ لا مصلحة أبداً في تأجيج نيران الفتن والحروب لأحد على الإطلاق.