فالمشهد اليمني، بما يحمله من دلالات الصمود والتحدي، يقدم تجربة شعب واجه ظروفاً بالغة القسوة، وتمسك بخياراته رغم اختلال موازين القوة، مؤكداً أن الإرادة السياسية والشعبية تستطيع إرباك حسابات القوى المتفوقة عسكرياً، وأن قوة الدول لا تُقاس بترساناتها وحدها، بل بمدى تماسك مجتمعاتها وإصرارها على الدفاع عن قضاياها.
وفي قلب هذه المعادلة، برزت القوات المسلحة اليمنية بوصفها أحد أبرز عناصر المواجهة، مع تطور قدراتها الصاروخية والجوية المسيّرة واتساع نطاق عملياتها. وقد فرضت هذه القدرات تحديات أمنية وعسكرية على خصومها، وأعادت ملف اليمن إلى صدارة الحسابات الإقليمية والدولية. ومن منظور أنصار المقاومة، لا تنفصل هذه التحولات عن مسار طويل من الاعتماد على القدرات الذاتية وتطوير وسائل الردع، في محاولة لكسر التفوق العسكري والحد من قدرة القوى الخارجية على فرض إرادتها. كما كشفت المواجهات أن توسيع نطاق الصراع يفرض أثماناً وتحديات على مختلف الأطراف، ويجعل البحث عن حلول سياسية عادلة ضرورة لا يمكن تجاوزها.
ويحتل السيد عبد الملك بدر الدين الحوثي موقعاً محورياً في هذا المسار، وفق رؤية أنصاره الذين يرون في قيادته عاملًا أساسياً في تثبيت خيارات المواجهة وتعزيز حضور اليمن في معادلات المنطقة. وقد ارتبط خطابه السياسي بمفهوم الاستقلال ورفض التبعية، وبالدعوة إلى جعل القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في موقف اليمن الإقليمي. وفي هذا السياق، لم تعد القضية اليمنية، وفق خطاب حركة أنصار الله، محصورة في حدودها الوطنية، بل أصبحت مرتبطة بموقف أوسع من الصراع مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وبما تعتبره الحركة مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الشعب الفلسطيني.
وتبرز فلسطين في هذا الخطاب بوصفها القضية المركزية التي تتقاطع عندها مواقف قوى المقاومة في المنطقة. فمن اليمن إلى إيران ولبنان والعراق، تتباين ظروف المواجهة وأدواتها، لكن أنصار هذا المحور يرون أن التنسيق في المواقف وإسناد الحقوق الفلسطينية يشكلان جزءاً من معركة أوسع لرفض الهيمنة والاحتلال. وفي المقابل، تظل كلفة الحروب على الشعوب، وما تخلّفه من ضحايا ودمار وأزمات إنسانية، واقعاً يؤكد أهمية حماية المدنيين والعمل على وقف التصعيد.
إن ما يلفت الانتباه في التجربة اليمنية هو إصرار قطاعات من الشعب اليمني على التمسك بخياراتها السياسية رغم الحصار والضغوط، وعلى إبقاء القضية الفلسطينية حاضرة في حسابات الصراع الإقليمي. ومن منظور المقاومة، يمثل هذا الموقف رسالة مفادها أن إخضاع الشعوب بالقوة لا يضمن تغيير قناعاتها أو انتزاع قرارها المستقل، وأن معالجة أزمات المنطقة لا يمكن أن تقوم على الإكراه أو تكريس الاحتلال، بل تتطلب احترام السيادة والحقوق المشروعة.
وعليه، فإن الرهان على مستقبل أكثر استقراراً في المنطقة يقتضي إنهاء الاحتلال، وفي مقدّمته الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة، إلى جانب معالجة جذور الصراعات الإقليمية عبر حلول عادلة تحفظ كرامة الشعوب وسيادة الدول. وفي هذه المعركة السياسية والتاريخية، يضع أنصار المقاومة صمود اليمن ضمن مسار أوسع يهدف إلى تغيير موازين القوة، وإنهاء الهيمنة، وفتح الطريق أمام مرحلة يكون فيها مستقبل المنطقة بيد شعوبها، لا رهناً بإرادات القوى الخارجية.
بقلم: نبيل الجمل