عاجل:

عندما يخذل قرار ترامب الاتحاد الأوروبي !

السبت ١٧ أكتوبر ٢٠٢٦
٠٦:٥٠ بتوقيت غرينتش
عندما يخذل قرار ترامب الاتحاد الأوروبي ! القرار الذي اتخذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب يوم 9 تشرين الأول/ أكتوبر، الذي سمح فيه بتوريد الديزل الروسي الى الأسواق الأميركية والعالمية بعد سنوات من العقوبات الأميركية الأوروبية على روسيا، شكل صدمة للحليف الأوروبي وللرئيس الأوكراني زيلينسكي.

د. عدنان منصور .. وزير الخارجية والمغتربين اللبناني الأسبق

قرار ترامب يذكرنا بمقولة وزير الخارجية الأميركي والاستراتيجي هنري كسينجر، “أنّ الولايات المتحدة ليست جمعية خيرية… وأنها تتصرف وفق مصالحها… وأن سياستها الخارجية تصب في خدمة المصالح الأميركية”.

ها هو ترامب اليوم بقراره يوجه ضربة للحليف الأول الاتحاد الأوروبي, وللأوكراني زيلينسكي ليقول لهم: “أميركا أولاً”، ومصالحها فوق كلّ اعتبار.

أهمية القرار أنه جاء بعد سنوات من عقوبات غربية قاسية فرضت على روسيا بسبب حربها على أوكرانيا، وفي وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابات شديدة نتيجة الحرب مع إيران، وإغلاق مضيق هرمز، وتعطيل طرق إمداد الطاقة إلى الأسواق العالمية.

إنّ ما دفع ترامب الى اتخاذ قراره هو رغبته في احتواء أسعار الوقود داخل الولايات المتحدة، فيما هو على أعتاب الانتخابات النصفية، وما يمثله الديزل كعنصر حيوي في الاقتصاد الأميركي، حيث يدخل في تشغيل الآليات الصناعية والزراعية. إذ انّ ارتفاع سعره أثر بشدة على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية، وستؤثر على خيار الناخب الأميركي في الانتخابات النصفية.

القرار يأتي في ظلّ ضغط سياسي واقتصادي وعسكري غربي على روسيا، ليفاجئ الاتحاد الأوروبي، ويضعه أمام وضع صعب. إذ كيف يمكن للاتحاد تقليص اعتماده على الطاقة الروسية، ويتحمّل بالتالي ارتفاع أسعارها، ثم يأتي ترامب فجأة ليعطي الحق لواشنطن بتسهيل التجارة مع موسكو؟! لقد فرض الاتحاد الأوروبي العقوبات على روسيا للحدّ من قدرتها على تمويل حربها ضدّ أوكرانيا، ليأتي القرار الأميركي متعارضاً مع العقوبات الأميركية الأوروبية، وإنْ كان قرار ترامب لا يلغي العقوبات على روسيا بالكامل، إلا أنه وجه ضربة للحليف الأوروبي، وخالف ما أقرّه الكونغرس الأميركي عام 2022 بحظر واردات الطاقة الروسية.

صدور القرار عن السلطة التنفيذية (ترامب)، أثار اعتراض أعضاء في مجلس الشيوخ لعدم توافق قرار ترامب مع القيود القانونية السائدة لجهة حظر واردات الطاقة عن روسيا. إذا كان قرار ترامب يريح الولايات المتحدة، فما هو المانع من عودة الأوروبيين لشراء الديزل الروسي أسوة بما فعله ترامب، وهل بإمكان الاتحاد الأوروبي التخلي بسهولة عن سياسته تجاه روسيا، وهناك دول أوروبية تحدّد علاقاتها معها من منظور أمني وليس من منظور الطاقة؟!

واشنطن سبق لها أن ضغطت على أوروبا لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية، فكانت الإمدادات الأميركية لها هي البديل. لكن مؤخراً وجدت نفسها أمام احتمال تقييد صادرات الديزل الأميركي إليها، مما يحتم عليها تنويع مصادر الطاقة بدلاً من استبدال المورد الروسي بالمورد الأميركي فقط.

لا شكّ في أنّ تخفيف بعض القيود على الديزل الروسي، يعطي روسيا زخماً سياسياً واقتصادياً لأنّ إيرادات إضافية لموسكو ستخفف الضغط عليها، وتعطيها قدرة إضافية على مواجهة الحرب. هذا ما جعل الرئيس الأوكراني زيلينسكي ينتقد قرار ترامب، لأنّ تخفيف القيود الاقتصادية يعزز شروط روسيا التفاوضية مع أوكرانيا، وبالتالي عدم ضمانة استعادة أراضيها.


قرار ترامب يساعد روسيا على تحمّل كلفة الحرب على مدى طويل. هنا يُطرح السؤال حول مدى انعكاسات القرار على العلاقات الأميركية الأوروبية! أوروبا عندما فرضت العقوبات على روسيا، كانت تأخذ بالاعتبار أولاً منظومة الأمن القومي الأوروبي، وليس التجارة. لذلك يرى الاتحاد الأوروبي انّ تخفيف القيود على موسكو، سيضعف قدرته للحفاظ على موقف موحد تجاه روسيا.

لكن هل قرار ترامب سيدفع بأوروبا للوقوف موحدة في وجه واشنطن، أم انّ القرار سيؤدي الى خلافات داخل المنظومة الأوروبية حول كيفيّة التعاطي مع روسيا؟! شكوك أوروبا تطرح نفسها لجهة صدقية واشنطن من التحالفات الاستراتيجية القائمة على المصالح المشتركة بينها والولايات المتحدة، وما مدى الالتزامات الاستراتيجية لواشنطن عندما تتعارض مع مصالحها الاقتصادية والتجارية وسياستها الداخلية، ومدى ثبات سياستها أثناء الأزمات؟!

روسيا المستفيد الأكبر من قرار ترامب، وفائدتها السياسية تتجاوز فائدتها التجارية والاقتصادية، لا سيما إذا تحوّل القرار الأميركي مستقبلاً ليأخذ مساراً أوسع مع موسكو،ليعيد صياغة العلاقات معها من جديد. لكن هل كمية الديزل الإجمالية المعلنة بحدود 4.8 مليون طن متري، التي ينتهي الترخيص المؤقت لها في 7 نيسان/ ابريل 2027، ستحقق انخفاضاً كبيراً ومستداماً في الأسعار الأميركية، خاصة أنّ السوق الأميركية كبيرة جداً؟! التقارير الأميركية والدولية تشير الى أنّ الكميات المعلنة قد لا تكون كافية لإحداث تغيير جوهري في الأسعار.

ترامب أراد أن يأتي قراره قبل الانتخابات النصفيّة علّه يرضي الناخبين الأميركيين، ولو أنهم لا يعوّلون على إعلان الاتفاق مع روسيا، بمقدار ما يعوّلون على النتائج التي ينتظرونها. لذلك لا يمكن الجزم بنتائج الانتخابات لأنّ المواطن الأميركي ينتظر الأثر الفعلي لقرار ترامب وليس فقط الإعلان عنه.

العديد من المحللين والمراقبين شككوا في قدرة الإمدادات الروسية على إحداث انخفاض كبير مستدام في الأسعار الأميركية، فإذا بقيَت أسعار الديزل مرتفعة، سيتعرّض ترامب لانتقادات شديدة من قبل قطاعات النقل والصناعة والزراعة، وإذا ما أدّت شحنات الديزل إلى تخفيض النقص، فإنّ ذلك سيعزّز إلى حدّ ما، وضع ترامب في الانتخابات النصفية.


لقد تأتّى عن قرار ترامب نشوء نزاع قانونيّ في الداخل الأميركي حول مدى توافق القرار مع تشريعات الكونغرس القائمة على منع شراء الديزل الروسي. المسألة لم تعد مسألة علاقات سياسية أو اقتصادية، بل أصبحت قضية داخلية حساسة تتعلق بصلاحيات كلّ من رئيس الولايات المتحدة وصلاحيات الكونغرس.


هل يعتبر قرار ترامب تحوّلاً في الاستراتيجية الأميركية تجاه روسيا؟! من منظور الترخيص لاستيراد الديزل، هو ترخيص مؤقت ينتهي في نيسان/ أبريل 2027، فإذا انتهى في موعده، عندئذ سيُعتبر القرار ظرفياً ومؤقتاً. أما إذا مُدّد في ما بعد، فهذا يعني أنّ هناك تغييراً أميركياً في سياسة العقوبات التي تنتهجها واشنطن تجاه موسكو.


أما إذا حافظ الاتحاد الأوروبي على سياسته تجاه أوكرانيا، فهذا سيؤدي إلى تباعد بين السياسة الأميركية والأوروبية، إذا طالبت بعض الدول الأوروبية باستثناءات مماثلة للاستثناءات الأميركية، فهذا يعني أنّ ضغوط الطاقة قد أثرت فعلاً على التماسك السياسي الأوروبي وعلى العقوبات المفروضة على روسيا.


إنّ توسع العلاقات بين موسكو وواشنطن يساعد على تسوية لإنهاء الحرب في أوكرانيا، لكن التسوية لن تأتي في مطلق الأحوال لصالح أوكرانيا ورئيسها زيلينسكي، لأنّ أوكرانيا ستتحمّل جزءاً مهمّاً من التكلفة الاستراتيجية،لأنّ تخفيف القيود عن روسيا، سيخفّف من الضغط عليها، ويعطيها زخماً في متابعة عملياتها العسكرية ضدّ كييف.


يبقى السؤال عما إذا كان قرار ترامب حيال روسيا ينبع من ضرورة المصالح الأميركية لتجاوز أزمة الطاقة، أم هو بداية تحوّل في السياسة الأميركية الذي يفصل بين المصالح التجارية والاقتصادية عن قدرة روسيا الاستراتيجية في استمرارها في الحرب في أوكرانيا؟! إذا كان القرار مؤقتاً، فإنّ تأثيره سيكون محدوداً. أما إذا استمر مستقبلا ستكون له تداعياته على تماسك التحالف الغربي، ويضع على المحك قدرة الاتحاد الأوروبي على الحفاظ على سياسة أمنية موحّدة في وجه روسيا.


يبدو فعلاً انّ المبادئ التي سارت عليها الولايات المتحدة تثبت أنها ليست “جمعية خيرية”، إذ لا تتحرك في علاقاتها الدولية بدافع أخلاقي وإنساني مجرد، بل بدافع توظيف قواها الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية بما يخدم مصالحها الاستراتيجية وإنْ كانت على حساب حلفائها، “أميركا أولاً” تبحث عن المصالح وليس عن المبادئ، عن الهيمنة وليس عن العدالة، عن اقتناص الفرص وليس عن حرية ومصالح الشعوب! هذا ما يبدو جلياً لحلفاء، وأصدقاء، وأعداء الإمبراطورية العظمى…!

0% ...

آخرالاخبار

عادة ليلية شائعة قد ترفع خطر الإصابة بأمراض الكبد


بعد أن هز الاحتلال داخليا.. نازا" يتصدر شباك التذاكر بفرنسا ويصدم الجمهور


المتحدث الرسمي باسم اجتماعات الدورة 52 لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي: العراق سيتسلم رئاسة المنظمة من تركيا


رقم قياسي جديد.. إقالة متحدثة البيت الأبيض بعد 5 أيام


ابن الرضا ردا على ترامب: صواريخنا هي التي ترسم المعادلات، لا القنابل الأمريكية


زلزال بقوة 5،6 درجات يضرب إقليم بلوشستان الباكستاني


عندما يخذل قرار ترامب الاتحاد الأوروبي !


20 شهيداً وجريحاً بينهم أطفال بقنابل سعودية عنقودية في ذمار الیمنية


شهيد ومصابون جراء قصف من طيران الاحتلال المسير لمحيط مدرسة دار الأرقم بحي التفاح شرقي مدينة غزة


ابن الرضا: قوتنا الصاروخية غيّرت المعادلات وأوصلتكم إلى مرحلة بات عليكم فيها أن تقولوا: أمرك سيدي


الأكثر مشاهدة

السفير الإيراني لدى روسيا: اعتمدنا على أنفسنا في الدفاع ضد العدوان الاميركي الصهيوني


إطلاق نار في مدرسة بولاية أوريغون الأمريكية وسقوط ضحايا


اللواء إيزدي: إذا هاجم العدو بلادنا سنجبره على التراجع


فايننشال تايمز عن مصادر: الخطوة الأمريكية تأتي للحد من ارتفاع أسعار الديزل قبيل انتخابات التجديد النصفي


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم قرية المغير شمال شرق رام الله


قائد الجيش الايراني: مضيق هرمز سيظل مغلقًا حتى تُحترم حقوق الشعب الإيراني


وسائل إعلام أمريكية: مقتل 4 بينهم 3 أطفال في إطلاق نار بمدرسة في ولاية أوريغون


الولايات المتحدة تواجه نقصًا في الصواريخ الدفاعية حتى عام 2030


نائبة رئيس حزب الشعب الجمهوري التركي سمرا دينتشر: "اتفاق مكة" وُقّع دون أن نعرف بنوده أو مضمونه ولم يُعرض حتى الآن على البرلمان التركي


نائب وزير الخارجية الايرانية: يجب تحويل القدرات الاقتصادية إلى ميزة تنافسية لإيران


واشنطن بوست عن مسؤول أوكراني: كان لدينا 10 صواريخ باتريوت للدفاع يوم 7 أكتوبر وتم استخدامها في الهجمات الأخيرة