عاجل:

انتخابات الرئاسية البرازيلية على المحك: بين الاستقلالية أوالعودة إلى الحضن الأميركي

الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦
٠٣:٢١ بتوقيت غرينتش
انتخابات الرئاسية البرازيلية على المحك: بين الاستقلالية أوالعودة إلى الحضن الأميركي
بقلم: د.أحمد موسى حوماني

يتطلع السياسيون والإعلاميون والصحفيون في العالم إلى الانتخابات الأمريكية النصفية التي ستجري أوائل الشهر المقبل، وإلى الانتخابات الصهيونية التي ستجري آخر الشهر الحالي، لما لهما من تأثير كبير على مجريات الأحداث والحروب في منطقة غرب آسيا، خصوصاً ما يجري في مضيق هرمز ومضيق باب المندب.

لكن في مكان آخر تجري انتخابات لا تقل أهمية عن هذه التي تجري في المنطقة، ودليل ذلك أن نتنياهو نفسه سجل مقاطع فيديو يدعو الناس للمشاركة في الانتخابات ودعم مرشحه المفضل، كذلك فعل ترامب. هذه الانتخابات تتزامن مع الانتخابات الأمريكية والصهيونية وتجري لاختيار رئيس للبرازيل.

كنا صغاراً عندما كان بيليه شاغل الدنيا وحديث الناس، كان الأطفال والكبار يرددون اسمه باستمرار بالرغم من عدم وجود وسائل تواصل اجتماعي، ولا هواتف اتصالات خلوية، ولا مواقع إنترنت، وكانت نشرة الأخبار واحدة مسائية، والجريدة الرياضية أسبوعية، ولم يكن بمقدور الأولاد ولا حتى الشباب شراء جريدة يومية لقراءة الصفحة الرياضية.

لكن نشأت أجيال أحبت البرازيل بسبب حبها للاعبي منتخب البرازيل الذين أمتعوا مشاهدي العالم بسحر الكرة البرازيلية، ولم يأفل نجم بيليه، حتى برز زيكو وريفيلينيو وسقراط، أجيال تليها أجيال أوجدت ذلك الحب للبرازيل في قلوب مئات ملايين الناس حول العالم.

هذا النجاح الكروي لم يصاحبه نجاح سياسي أو ديمقراطي، فالبرازيل عانت من الحكم الديكتاتوري لعشرات السنين، ولعل أول انتخابات مدنية حصلت فيها في عام 1985، عندما تم انتخاب الرئيس تانكريدو نيفيز (حزب الحركة البرازيلية الديمقراطية PMDB ) ، لكنه توفي قبل القسم، فاستلم الحكم نائبه خوسيه سارني – وهو من نفس حزب الرئيس المتوفى – لكن الشعب البرازيلي لم يعتبر أن تلك الانتخابات تعبر عن هواه وتطلعاته.

وفي العام 1990 وصل إلى الحكم فرناندو كولور (حزب إعادة البناء الوطني PRN )، رئيس شاب خاطب مشاعر الشباب فامتلك قلوبهم، وقد جاء بدفع أمريكي قوي، لكن ما لبث أن تبين فساده المالي والسياسي، وقبل إجراءات العزل استقال، ليكمل ولايته نائبه إيتامار فرانكو( حزب الحركة الديمقراطية البرازيلية PMDB ) لتعيش البرازيل فترة من الاستقرار بعده من خلال الرئيس فرناندو كاردوسو (حزب الديمقراطية الاجتماعية البرازيلي)، ولدورتين متتاليتين.

هذا المسار منذ تسلم كولور للحكم وحتى انتهاء ولاية كاردوسو الثانية كان مساراً أمريكياً بامتياز، لكنه في المحصلة لم يؤد إلى رفع الحرمان والعوز والجوع عن غالبية الشعب البرازيلي، بل أوجد طبقة من السياسيين الفاسدين المترفين رسخت أقدامها في السلطة والحكومة.

في العام 2003، وبعد خسارته دورتين في الانتخابات السابقة استطاع لويس إيناسيو لولا دا سيلفا (حزب العمالPT )، من الوصول إلى رئاسة البرازيل – وهو الآتي من شمال البرازيل ومن عائلة فقيرة جداً، ولم تساعده الظروف لإكمال دراسته الجامعية – لكنه شق طريقه من بين صفوف العمال والمحرومين، ووصل إلى أعلى مركز سياسي في البلاد، فقاد حملة كبيرة ضد الفاسدين، وسن قوانين دعم الفقراء، وأنشأ عدة مؤسسات لإعطاء مساعدة مالية شهرية لكل فقير برازيلي (منحة أسرية)، ومؤسسة لمساعدة الطلاب الفقراء (مدخرات المستقبل)، ومؤسسات تعطي الدواء بشكل مجاني للفقراء (الصيدلية الشعبية) ومؤسسة لتأمين المنازل (بيتي حياتي)، ولأول مرة أحس فقراء البرازيل أن هناك من يهتم بهم.

كان الرئيس لولا من المعارضين للسياسة الأمريكية في العالم وأمريكا الجنوبية بشكل خاص، ومؤيداً للقضية الفلسطينية وللقضايا العربية، ويدعو إلى مواجهة المشروع الأمريكي والصهيوني في فلسطين.

وهو الذي أرسل الطائرات البرازيلية لإجلاء اللبنانيين الذين يحملون الجنسية البرازيلية في الحربين الصهيونيتين على لبنان في العام 2006 وفي العام 2024 من دون مقابل مادي، عكس دول مثل أمريكا وكندا وأستراليا وأوروبا التي أجبرت اللبنانيين الذين يحملون جنسياتهم على دفع بدل تذاكر السفر والإقامة في فنادق تركيا وقبرص.

بعد دورتين وعملاً بالدستور لم يترشح الرئيس لولا، بل ترشحت وزيرة الشؤون الرئاسية في حكوماته ديلما روسيف، لكن السياسيين الموالين لأمريكا لم يرضوا بهذه النتيجة، وهم الذين كانوا يأملون بأن تخسر الانتخابات، لكن سندها الأساسي الرئيس لولا وشعبيته أوصلتها إلى سدة الرئاسة في ولاية أولى، وفازت في ولاية ثانية، لكن ما إن حكمت سنة واحدة حتى اتهمت بالتلاعب بالموازنة فعُزلت.

وتولى الرئاسة نائبها اللبناني ميشال تامر (حركة الديمقراطية البرازيلية MDB )، وهو من أحزاب الائتلاف الحاكم، سرعان ما تخلى عن حزب العمال، وقاد حملة ضده، وأعلن ولاءه للسياسة الأمريكية، وأعاد إلى السلطة كل مؤيدي أمريكا، وقبل نهاية ولايته زج بالرئيس السابق لولا في السجن بتهمة تبييض الأموال.

كانت تهمة سياسية لإبعاده عن الترشح للانتخابات وهذا ما حصل. فقد فاز جايير بولسونارو (الحزب الليبرالي PL ) بالرئاسة بعدما هزم فرناندو حداد البرازيلي من أصول لبنانية. لاحقاً أفرجت المحكمة عن الرئيس لولا فانتظر حتى انتهاء ولاية بولسونارو ليترشح من جديد بوجهه، وكل محاولات إبعاده لم تنجح، فكان أن فاز بالرئاسة في العام 2023.

أواخر الشهر الحالي يتنافس الرئيس لولا مع ابن بولسونارو فلافيو، بعدما انتهت الجولة الأولى من دون حسم أحدهما المعركة.

البرازيل أمام منعطف كبير في هذه الانتخابات، فإما بقاء الرئيس لولا حامي الفقراء ولقمة عيشهم، والمناهض للسياسة الأمريكية، والرئيس المؤسس في منظمة بريكس مع روسيا، والهند، والصين، وجنوب أفريقيا، والمؤيد للقضية الفلسطينية ولحق مقاومة الاحتلال، وإما الدخول من جديد في متاهات السياسة الأمريكية التي لم تجلب على البرازيل إلا الفقر والمديونية والخضوع للإملاءات الأمريكية.

لم يخف فلافيو بولسونارو – مثل أبيه المسجون بتهمة محاولة الانقلاب على حكم الرئيس لولا – تأييده للعدو الصهيوني، بل اعتمد في حملته على فيديو لنتنياهو يؤكد فيه دعمه له، وعلى تصاريح لترامب تساند حملته الانتخابية.

لقد ارتبطت مسيرة فلافيو بولسونارو بعدد من القضايا المثيرة للجدل، ولاحقته شبهات باختلاس المال العام وغسل الأموال، كما خضعت صفقات عقارية أجراها لتحقيقات ضمن شبهات غسل الأموال، كما أثارت علاقاته بعدد من الشخصيات – سواء المتورطة في احتيالات مالية أو المرتبطة بجماعات مسلحة – أثارت جدلاً واسعاً بشأن نفوذ هذه الجماعات في الحياة السياسية في البرازيل، ما جعل مسيرته محل نقاش بشأن التداخل بين النفوذ العائلي والسياسة والجماعات شبه العسكرية، وهو لم يخف هواه بإسناد المناصب الأساسية للجنرالات العسكريين الذين هم على علاقة وطيدة مع والده – كونه كان جنرالاً عسكرياً مثلهم – ويتخوف الكثير من البرازيليين أن يعيد بذلك حكم العسكر، ويفتح شهيتهم على إعادة التاريخ لخمسين سنة إلى الوراء، حيث كان حكم العسكر الديكتاتوري له الكلمة الفصل في السياسة البرازيلية.

الانتخابات البرازيلية في جولتها الثانية تجري في الخامس والعشرين من الشهر الحالي. نتيجة الدورة الأولى أفرزت تقدم مرشح أمريكا والصهيونية فلافيو بولسونارو بنقطتين على مرشح حزب العمل الرئيس لولا المعارض للسياسات الأمريكية في العالم، والصهيونية في منطقتنا، مع وجود مرشحين نالوا بين نقطتين وخمس نقاط، ويشتد الصراع حالياً على كسب ود هؤلاء باتجاه طرف من الطرفين.

كذلك ولأول مرة لم يشارك ما يقارب من 21% ممن يحق لهم التصويت في الجولة الأولى مع أن الانتخابات إلزامية، ويبذل المرشحان الكثير من الجهد لتشجيعهم على الانتخاب والإدلاء بأصواتهم، خصوصاً الرئيس لولا الذي يُمني النفس بمشاركة واسعة في مناطق الشمال البرازيلي، مناطق الفقر والحرمان، فهل ستحسم هذه الأصوات المعركة في الجولة الثانية أم أن الضغط الأمريكي سيتعاظم على المرشحين الخاسرين لتجيير أصواتهم إلى فلافيو بولسونارو ليعيد البرازيل إلى الحضن الأمريكي؟

وهل سيقود الرئيس لولا دا سيلفا البرازيل لولاية رابعة كما قاد بيليه البرازيل في أربعة كؤوس عالم لكرة القدم، ويسجل اسمه بين عظماء البرازيل الذين حكموا لأكثر من ستة عشر عاماً؟

وهل تقابل الجاليات العربية الكبيرة جداً في البرازيل تأييد الرئيس لولا لقضاياها المحقة بالتصويت له، أم تتخلى عنه، وتسير خلف من قتلوا وجرحوا وشردوا أهلهم وأبناء بلدانهم ومزقوا أشلاء الأطفال والنساء والعجزة ودمروا الحياة بكل أشكالها؟

0% ...

آخرالاخبار

"فلاي دبي": إلغاء الرحلات إلى الرياض وينبع في السعودية حتى 10 أكتوبر وإلى أبها حتى 11 أكتوبر الجاري


ترامب يصعّد تهديداته ضد إيران وسط ارتباك أمريكي متفاقم


بتصريح من صنعاء.. العميد سريع يعلن السماح للرحلات الإنسانية من وإلى مطار الرياض


رويترز: بريطانيا تعلن موافقة الكويت على شراء منظومة دفاع جوي متطورة بقيمة 489 مليون دولار من شركة بريطانية


المفوضية الأوروبية: مستعدون لاتخاذ التدابير لتمكين المحكمة من مهامها بشأن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية


المحكمة الجنائية الدولية عن العقوبات الأميركية: إنه اعتداء على سيادة القانون وعلى الأسس الجوهرية للنظام القانوني الدولي


انتخابات الرئاسية البرازيلية على المحك: بين الاستقلالية أوالعودة إلى الحضن الأميركي


روبيو یهدد المحكمة الجنائية الدولية: إن لم يتم كبح جماح المحكمة الجنائية الدولية فالولايات المتحدة ستواصل العمل على تفكيكها


تدشين الترجمة الأرمنية لكتاب «دم القلب الذي تحوّل إلى ياقوت» في جامعة يريفان


وكالة الأنباء اللبنانية: غارة معادية تستهدف منطقة العين في حداثا وقصف مدفعي طاول برعشيت في قضاء بنت جبيل


الأكثر مشاهدة

سموتريتش يتحدّى العالم ويعلن مواصلة الحرب بلا توقّف


غزّة تحت القصف.. الإحتلال يدمّر المنازل ويقتل المدنيين


ثلاث سنوات حرب في غزّة.. أرقامٌ ثقيلة وجرحٌ لا يندمل


بقائي: سيتم قريباً إبلاغ المرجع الدولي المختص بالاتفاق بين إيران وعمان بشأن المسارات الآمنة في هرمز


مصادر لبنانية: مدفعية الاحتلال الإسرائيلي تستهدف محيط تلة الدبشة جنوب لبنان


مصادر سورية: قوات الاحتلال الإسرائيلي نفذت حملة مداهمات وتفتيش للمنازل في قرية عين زيوان بريف القنيطرة الجنوبي


مصرع إرهابي وإصابة آخرين إثر هجوم على مقر للشرطة الإيرانية شرق إيران


حماس: نؤكد أن مزاعم الاحتلال المتكررة بشأن المستشفيات ومنها ادعاؤه أن مسلحين خرجوا من مستشفى كمال عدوان ادعاءات كاذبة لا أساس لها من الصحة


حماس: هذه المزاعم امتداد لدعاية سابقة روّجها الإحتلال بشأن وجود مقرات لقيادة الحركة داخل مستشفيات سبق أن احتلها، قبل أن ينكشف زيف تلك الادعاءات


إعلان شروط إيران لإعادة إنهاء الحرب والاتفاق مع عُمان بشأن أمن مضيق هرمز


آليات الاحتلال تطلق نيرانها جنوبي مدينة خانيونس، جنوب قطاع غزة