عاجل:

يأس ترامب أمام اقتدار إيران

الجمعة ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٦
١٢:٥٠ بتوقيت غرينتش
يأس ترامب أمام اقتدار إيران يواجه ترامب الآن حقيقة قاسية؛ فالضغط الاقتصادي، والهجوم العسكري، وحتى الدبلوماسية، لم تمكنه من إجبار إيران على الاستسلام. وربما لم تعد المشكلة نقص أدوات الضغط؛ بل المشكلة هي أن إيران غير مستعدة لتحويل نتيجة الضغوط الأميركية إلى خضوع. وهذه هي الفجوة ذاتها القائمة بين "الضغط" و"النتيجة السياسية".

وجاء في تقرير لوكالة مهر للأنباء، ان تريتا بارسي من معهد كوينسي، أكدت في وصف صريح لوضع ترامب قائلة: "ترامب يريد فقط أن يستسلموا، وهو يائس بشدة لأنه لم يحقق هذا الهدف في الدبلوماسية والحرب والعقوبات." وإذا وضعنا هذا التقييم إلى جانب سلوك واشنطن تجاه طهران، يمكن أن ندرك أن المسألة ليست مجرد التوصل إلى اتفاق بين إيران وأميركا؛ بل المسألة الأساسية هي مقدار التنازل الذي يمكن لكل طرف أن ينتزعه من الآخر، والأهم من ذلك، هل تستطيع أميركا بأدوات الضغط إجبار إيران على قبول مطالبها أم لا.

في السياسة الخارجية، لا يكتسب الضغط معنى إلا عندما يؤدي إلى نتيجة سياسية محددة. فالعقوبات أو التهديد العسكري أو حتى استخدام القوة العسكرية ليست أهدافاً بحد ذاتها؛ فهذه الأدوات تُعد ناجحة عندما تتمكن من تغيير سلوك الطرف المقابل. أما في حالة إيران، فهناك فجوة كبيرة بين إلحاق التكاليف وتغيير الحسابات السياسية. يمكن للعقوبات أن تضغط على الاقتصاد، ويمكن للهجوم العسكري أن يلحق أضراراً، ويمكن للتهديد أن يخلق توتراً في فضاء اتخاذ القرار، لكن أياً من ذلك لا يعني تلقائياً قبول مطالب الطرف المقابل.

وهنا تكتسب أهمية الفرق بين "دفع التكلفة" و"الاستسلام". فقد تتحمل إيران تكاليف نتيجة الضغوط الاقتصادية والعسكرية، لكن هذا لا يعني أن طهران مستعدة بالضرورة للتراجع عن جميع مواقفها أمام هذه الضغوط. وفي الواقع، كان هذا أحد التحديات الرئيسة لسياسة الضغوط القصوى الأميركية تجاه إيران؛ فواشنطن تمتلك القدرة على ممارسة الضغط، لكن تحويل هذا الضغط إلى نتيجة سياسية مرغوبة مسألة أخرى.

وهذا لا يعني بالطبع أن العقوبات أو الضغوط الأميركية بلا أثر. إذ يمكن للعقوبات أن تخلق تكاليف اقتصادية، وأن تحد حتى من نطاق خيارات دولة ما. لكن الاستراتيجية السياسية يجب أن تُقاس بالهدف الذي صُممت من أجله. فإذا كان الهدف مجرد زيادة التكلفة على إيران، يمكن البحث في مدى تأثير الضغوط؛ أما إذا كان الهدف هو إجبار إيران على الاستسلام أو قبول مجموعة من المطالب القصوى، فإن معيار التقييم سيكون مختلفاً تماماً.

ويواجه ترامب الآن هذه المسألة ذاتها. فإذا لم يحقق الضغط الاقتصادي النتيجة المتوقعة، فما سيكون الخيار التالي؟ وإذا لم يجبر التهديد العسكري طهران على التراجع، فهل يمكن لزيادة التهديد أن تغيّر المعادلة؟ وإذا لم يتمكن حتى الإجراء العسكري من كسر الإرادة السياسية الإيرانية، فهل ستكون واشنطن مستعدة للابتعاد عن هدفها الأقصى والتحرك نحو اتفاق متوازن؟

تُظهر هذه الأسئلة لماذا تصريحات تريتا بارسي جديرة بالاهتمام. فهي تشير في الواقع إلى مشكلة هيكلية في السياسة الأميركية؛ وهي أن واشنطن قد تمتلك أدوات كثيرة للضغط، لكن هناك فرقاً بين قوة ممارسة الضغط والقدرة على فرض النتيجة السياسية.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن أن يتحول الإصرار على زيادة الضغط إلى حلقة استنزافية. فكل مرة لا يصل الضغط إلى النتيجة المتوقعة، توضع أداة أشد على الطاولة، وكل مرة لا تحقق الأداة الجديدة نتيجة كاملة، يُطلب مزيد من الضغط. في الظاهر، يعكس هذا النهج قوة، لكن من الزاوية الاستراتيجية يمكن أن يكون مؤشراً على صعوبة تحويل القوة إلى نتيجة.

وفي المقابل، تحاول إيران التمييز بين قبول التكلفة والحفاظ على استقلال القرار السياسي. وهذا هو ما يهم في معادلات القوة. فقد تكون دولة ما تحت الضغط، لكن طالما أنها لا تتخذ قراراتها الأساسية وفق إرادة الطرف المقابل، لا يمكن القول إن الضغط وصل إلى هدفه النهائي.

وتزداد المسألة تعقيداً بالنسبة لترامب من هذه الزاوية، لأنه أكد في السياسة الخارجية مراراً على تحقيق نتائج ملموسة سريعة. وفي مثل هذا الإطار، يمكن أن تخلق استمرارية أزمة دون تحقيق نتيجة يمكن تقديمها كنجاح تحدياً سياسياً للحكومة الأميركية. ولهذا، كلما اتسعت الفجوة بين أهداف واشنطن المعلنة ونتائجها العملية، أصبح السؤال حول فعالية استراتيجية الضغط أكثر جدية.

وبالطبع، لا ينبغي النظر إلى هذه المعادلة من جانب واحد. فإيران أيضاً تواجه تكاليف كبيرة، والحفاظ على المواقف السياسية أمام الضغوط الخارجية ليس بلا تكلفة. لكن هنا بالتحديد يجب التمييز بين "القدرة على تحمل التكلفة" و"القدرة على فرض الإرادة". قد تمتلك أميركا القدرة على فرض تكاليف باهظة على إيران، لكن قدرتها على تغيير الإرادة السياسية الإيرانية وفق ما تريد هي مسألة منفصلة.

ولهذا السبب، ربما لا يكون السؤال الأهم حول المرحلة التالية من سياسة ترامب هو: ما الأداة الأخرى التي تمتلكها أميركا للضغط؟ بل: إذا لم تتمكن الأدوات القائمة من إجبار إيران على الاستسلام، فما التغيير الذي ستُدخله واشنطن في النهاية على هدفها أو أسلوبها؟

إذا كان الهدف لا يزال استسلام إيران، فإن استمرار الضغط يمكن أن يطيل الأزمة ويزيد تكاليف الطرفين. أما إذا كان الهدف التوصل إلى اتفاق، فإن واشنطن مضطرة للتمييز بين "فرض المطالب" و"المفاوضة من أجل اتفاق". فالاتفاق، خلافاً للاستسلام، يتطلب تنازلاً متبادلاً، ولا يمكن أن يتوقع طرف واحد أن يتخلى عن كل أوراق قوته ثم ينتظر الحصول على تنازلات.

وفي النهاية، ما يواجه ترامب اليوم ليس مجرد مسألة تتعلق بإيران؛ بل هو اختبار لاستراتيجية الضغط الأميركية. فبوسع أميركا أدوات اقتصادية وسياسية وعسكرية كبيرة، لكن تجربة المواجهة مع إيران تُظهر أن امتلاك أدوات القوة لا يعني القدرة على تحويلها إلى نتيجة سياسية.

وربما لهذا السبب تتحدث تريتا بارسي عن "يأس" ترامب؛ يأس من أن الضغط والعقوبات والتهديد والحرب لم تتمكن من تحقيق النتيجة التي كانت واشنطن تتوقعها.

وفي هذه المعادلة، فإن اقتدار إيران لا يعني خلو الضغوط من التكلفة، بل يعني الحفاظ على القدرة على اتخاذ القرار في ظل الضغط؛ وطالما بقيت هذه القدرة على اتخاذ القرار محفوظة، فإن الضغط الأميركي لا يزال بعيداً عن "استسلام إيران".

0% ...

آخرالاخبار

البخيتي:  العدوان الذي تشنه السعودية على اليمن هو عدوان أميركي ويصبّ في مصلحة واشنطن


البخيتي:  العدوان الذي تشنه السعودية على اليمن هو عدوان أميركي ويصبّ في مصلحة واشنطن


البخيتي:  القوات المسلحة اليمنية تولي تعز أهمية وحرصاً كبيرين وندعو أبناءها إلى استحضار ما جرى في الساحل الغربي


عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله اليمنية محمد البخيتي:  لطالما دعت أنصار الله إلى حوار يمني-يمني إلا أن الوضع في تعز جرى تفجيره


عضو المكتب السياسي لحركة أنصار الله اليمنية محمد البخيتي:  لطالما دعت أنصار الله إلى حوار يمني-يمني إلا أن الوضع في تعز جرى تفجيره


شركة أمبري للأمن البحري: ناقلة نفط ترفع علم بنما "استُهدفت بقذيفة وتتصاعد منها أعمدة من الدخان" أثناء مرورها عبر مضيق هرمز


حرب المسيّرات: قتيل بكييف وإصابات وأضرار في منشآت روسية


غريب ابادي: الصمت إزاء جرائم أمريكا والكيان الصهيوني تواطؤ مع العنف


اللواء إيزدي: قواتنا المسلحة تمتلك مجموعة مفاجآت تقنية للأعداء


واشنطن بوست: يأتي إلغاء المساعدات العسكرية الأمريكية لحكومة بغداد في ظل سعي رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الدائم إلى إعطاء الأولوية لمصالح واشنطن


الأكثر مشاهدة