جلست أم أسامة وهي تقطع "الملوخية" أمام منزلها المتواضع في أحد ازقة مخيم برج البراجنة الضيقة، تجاعيد وجهها تنبئ عن عمرها الذي قارب الأربعة والثمانين عاماً كل منها يحفر عميقا وكأنه يتحدث عن سنوات القهر التي عاشتها بعيدا عن أرضها منذ 63 عاما، تفاجئك بصلابتها التي ما زالت تحتفظ بها، لكن كل ذلك يتراجع عندما تتحدث اليها عن رأيها في ما يجري من عملية تبادل فكل ما تجيب به "مبروك لاهالي الاسرى المحررين "، وفي لحظة واحدة تصبح بعيدة عن المكان بافكارها وكأنها عادت طفلة إلى فلسطين، تدرك حينها أن الحنين لم يترك مكاناً لأي شي لديها إلا الحسرة على حلم تزادد قناعة كل يوم أنها ستغادر الحياة قبل أن تحققه .
على مسافة ليست ببعيدة يجلس أبو ويليام يتسامر مع جيرانه ما أن نقترب منه يبادرنا بالقول، نحن هنا ولا أحد يسأل عنا لكننا اليوم أصبحنا حديث العالم، نحن أنجزنا واحدة من الصفقات المشرفة ، إنها نتيجة الدم الذي يهدر كل يوم لا نتيجة مفاوضات أتعبتنا دون أن نرى منها شيئا، يحفظ ابو ويليام وهو مسؤول تابع لاحد الفصائل الفلسطينية في مخيم برج البراجنة كل شيء عن عملية أسر" جلعاد شاليط " تاريخها في 25 حزيران من العام 2006 ، واسمها عملية " كرم ابو سالم " وموقعها على الحدود الاسرائيلية الجنوبية مع غزة ، يرددها وكانه يردد اسم أحد ابنائه، يستغرب كيف أن اللاجئين لا يفرحون في مثل هذه المناسبة فنحن أثبتنا كما يقول: " إننا باصحاب قدرة على تحرير أسرانا دون مساعدة أي من العرب الذين تخلوا عنا، نعم تخلوا عنا وليس لنا ثقة باحد فاسرانا في السجون بدعم عربي وحماية اميركية ".
لا تختلف الصورة كثيراً في مخيم مار الياس في العاصمة اللبنانية، فهدوء المخيم يخيم على أهله لدرجة أنك قد تسمع خطواتك وأنت تمشي في أزقته الضيقة حد الاختناق، تخرج أم وليد عن الصمت الموجود هنا لتقول: " نحن ولدنا في لبنان لم نعرف فلسطين لكننا نسمع عنها ونشاهدها كل يوم وإن من بعيد، لقد لفحنا هواء فلسطين عندما تحرر جنوب لبنان ، يومها شعرنا أن جزءاً منا عاد الى الوطن، يومها شعرنا بالامل، نحن اليوم نعيش الاحساس نفسه، اليوم نشعر أننا نستطيع أن نطمئن لان هناك من له القدرة على اعادتنا" معادلة تفسرها أم وليد: "بان من أعاد الاسرى قادرعلى أن يعيدنا او أن يعيد أبناءنا الى أرضهم، فطريق الالف ميل تبدأ بخطوة هكذا تعودنا وهكذا عشنا". تصمت المرأة الستينية لتكمل دموعها الحديث لقد توفي زوجها منذ أشهر وبقي دائما يردد سنعود حتما سنعود، إنها أمنية بداياتها تراها تتحقق في عيون أمهات الاسرى وفرحهن فالكل في خندق واحد ، هؤلاء هم الفلسطينيون آلم في البعاد وفي اللقاء إنه قدرهم يسلمون به دون ان يستسلموا له.
*فاطمة عواضة-بيروت