العقوبات على إيران.. ضغطٌ أميركي جديد في مشهد إقليمي مفتوح على الاحتمالات

الجمعة ٠٤ سبتمبر ٢٠٢٦
٠٩:١٣ بتوقيت غرينتش
العقوبات على إيران.. ضغطٌ أميركي جديد في مشهد إقليمي مفتوح على الاحتمالات بقلم: فراس فرحات - كاتب وباحث سياسي

لم تعد العقوبات الأميركية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية حدثاً استثنائياً أو جديداً في سياق الصراع الممتد بين طهران وواشنطن، بل أصبحت واحدة من الأدوات الأساسية التي تعتمدها الإدارات الأميركية المتعاقبة لمحاولة الضغط على إيران وإعادة صياغة سلوكها السياسي والإقليمي. إلا أن السؤال الحقيقي اليوم لا يتعلق بقدرة الولايات المتحدة على فرض مزيد من العقوبات، بل بمدى قدرتها على تحويل هذا الضغط إلى مكاسب سياسية فعلية تخدم إدارة الرئيس دونالد ترمب وتعيد ترتيب المشهد لمصلحتها.

فإيران التي واجهت على مدى سنوات طويلة منظومة واسعة من العقوبات والضغوط الاقتصادية والسياسية، لا تتعامل مع هذه الإجراءات باعتبارها تطوراً منفصلاً عن المواجهة الأوسع، بل باعتبارها جزءاً من معركة طويلة تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد والأمن والدبلوماسية. ولذلك، فإن الرهان على أن العقوبات وحدها يمكن أن تدفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية قد يكون رهاناً محفوفاً بالكثير من الحسابات الخاطئة.

تتحرك طهران اليوم بين مسارين متوازيين: إبقاء الباب مفتوحاً أمام الدبلوماسية، وفي الوقت نفسه الحفاظ على خياراتها الأخرى، بما فيها خيارات الرد والمواجهة. وهذه المعادلة لا تعكس بالضرورة تردداً إيرانياً، بقدر ما تعكس قدرة على المناورة وإدارة الأولويات وفقاً لما تعتبره القيادة الإيرانية مصلحة وطنية عليا.

فإيران تدرك أن الانتقال إلى المواجهة الشاملة ستكون له كلفة كبيرة، لكنها في المقابل تدرك أيضاً أن تقديم تنازلات تحت الضغط قد يفتح الباب أمام مطالب إضافية لا تتوقف عند الملف النووي، بل تمتد إلى دورها الإقليمي وقدراتها الدفاعية وعلاقاتها مع حلفائها.

ومن هنا، فإن طهران تبدو حريصة على إبقاء خياراتها مفتوحة: تفاوض عندما ترى أن التفاوض يخدم مصالحها، وتصعّد عندما ترى أن التصعيد أصبح ضرورياً لحماية مصالحها وردع خصومها.

أما دخول دول أوروبية إلى جانب الولايات المتحدة في تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران، فإنه يضيف بعداً جديداً إلى المشهد. فالمسألة لم تعد مجرد مواجهة أميركية ـ إيرانية، بل بدأت تأخذ طابعاً أوسع، خصوصاً إذا تحولت الإجراءات الأوروبية إلى جزء من منظومة حصار اقتصادي وسياسي متكاملة.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن الضغط المفرط على إيران لا يضمن بالضرورة إنتاج تسوية سياسية، بل قد يدفع المنطقة نحو مزيد من التوتر. وكلما ضاقت المساحات أمام الدبلوماسية، ازدادت احتمالات انتقال المواجهة من المجال الاقتصادي والسياسي إلى ساحات أخرى، بما يفتح الباب أمام توسيع دائرة الصراع في الإقليم.

فالمنطقة أصلاً تعيش على خطوط تماس متعددة، وأي تصعيد كبير مع إيران لا يمكن عزله عن أمن الخليج (الفارسي)، والعراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، والممرات البحرية، فضلاً عن تداعياته على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

المشكلة الأساسية أمام الإدارة الأميركية هي أن العقوبات لا تعني تلقائياً امتلاك القدرة على تحديد النتائج. فقد تستطيع واشنطن زيادة الضغط الاقتصادي، لكنها لا تستطيع بالضرورة التحكم في كيفية استجابة طهران لهذا الضغط.

وهنا يصبح الأمر مرتبطاً بقدرة إيران على التحمل، ومدى قدرتها على امتصاص الضغوط، وإعادة ترتيب اقتصادها وعلاقاتها الخارجية، والبحث عن مسارات بديلة للالتفاف على العقوبات، والأهم قدرتها على تحويل الضغط المفروض عليها إلى عامل لإعادة تنظيم أوراقها بدلاً من أن يتحول إلى عامل كسر لها.

لذلك، لا يمكن الجزم مسبقاً بأن السياسة الأميركية ستصل إلى النتيجة التي تريدها. فالتاريخ القريب أثبت أن الضغط الأقصى قد يرفع مستوى التوتر، لكنه لا يضمن بالضرورة تغييراً جذرياً في حسابات الطرف المستهدف.

يبقى السؤال الأبرز: إذا كانت المواجهة العسكرية لم تنتج النتيجة السياسية المطلوبة، فهل يمكن للضغط الاقتصادي والسياسي أن يحققها؟

الإجابة ليست محسومة، وهي ترتبط قبل كل شيء بقدرة إيران على إدارة المرحلة الحالية. فطهران لا تنظر إلى العقوبات باعتبارها نهاية المعركة، بل باعتبارها إحدى أدوات الصراع التي يمكن مواجهتها وتطويع تداعياتها ضمن استراتيجية أوسع.

وبالتالي، فإن نجاح العقوبات في تحقيق أهدافها يتوقف ليس فقط على حجم الضغط الذي تستطيع الولايات المتحدة وأوروبا فرضه، بل على قدرة إيران على التكيّف والمناورة وإعادة توزيع أوراق القوة، وربما استخدام الضغوط نفسها لإعادة صياغة أولوياتها وعلاقاتها وتحالفاتها.

المشكلة أن أي تصعيد اقتصادي كبير ضد إيران لن يبقى محصوراً داخل حدودها. فإيران دولة ذات حضور وتأثير واسع في الإقليم، وأي محاولة لخنقها اقتصادياً وسياسياً قد تنتج ردود فعل تتجاوز الساحة الإيرانية إلى ساحات إقليمية أخرى.

وهنا يصبح المشهد أكثر تعقيداً: واشنطن تريد الضغط على طهران لتحسين شروطها السياسية، بينما ترى إيران أن الاستجابة للضغط يجب أن تكون محسوبة وفق مصالحها وأمنها القومي. وبين هذين المسارين، يبقى الإقليم أمام احتمالين: فتح نافذة جديدة للدبلوماسية، أو الانزلاق تدريجياً نحو مواجهة أوسع يصعب التحكم بمساراتها ونتائجها.

في النهاية، لا تبدو المعركة الحالية مجرد معركة عقوبات، بل اختباراً لإرادة كل طرف وقدرته على الصمود وإدارة الوقت. الولايات المتحدة تراهن على أن الضغط سيجبر إيران على تغيير حساباتها، فيما تراهن طهران على أن قدرتها على التحمل والمناورة ستمنع واشنطن من فرض شروطها.

وبين الرهانين، تبقى الحقيقة الأهم أن ما لم يُنجز بالعسكرة لا يمكن افتراض أنه سينجز تلقائياً بالضغط الاقتصادي والسياسي. فإيران ما زالت تملك أوراقاً متعددة، والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كانت العقوبات ستنجح في تغيير المعادلة، أم أن طهران ستتمكن مرة أخرى من تحويل الضغط المفروض عليها إلى ورقة في مواجهة من فرضه.

0% ...

آخرالاخبار

الخارجية الأمريكية: على الأمريكيين بالشرق الأوسط الانتباه لاحتمال إلغاء الرحلات الجوية أو حدوث اضطرابات بالسفر


مصادر فلسطينية: قوات الاحتلال تقتحم بلدة طمون جنوب طوباس.


الدفاع الجوي للجيش الإيراني يُسقط طائرة مسيّرة اميركية من طراز MQ-9


مصادر فلسطينية: قوات العدو الإسرائيلي تقتحم مخيم بلاطة شرق نابلس


مصادر فلسطينية: قوات العدو تعتقل مواطنا خلال اقتحامها مخيم عسكر الجديد شرق نابلس


الحوثي: استهداف العدو السعودي للأسواق والأعيان المدنية جرائم حرب


مصادر فلسطينية: قوات العدو تقتحم مخيم الأمعري في مدينة رام الله


آليات الاحتلال تطلق النار صوب خيام النازحين في مواصي رفح


الباراغواي: بيدرو أليانا يؤدي اليمين الدستورية رئيساً لباراغواي خلفاً لسانتياغو بينيا عقب عزله من منصبه


وزارة الصحة الإيرانية‌ تنفي ادعاءات صحيفة التايمز


الأكثر مشاهدة

وزير الحرب الأمريكي هيغسيث: لم ينجح العزل مع الرئيس ترامب ولن ينجح معي


ارتفاع أسعار النفط نحو 4% وبرنت يسجل 98 دولارا للبرميل


فرانس برس: ١.٦ مليون شخص في مختلف أنحاء فرنسا يشاركون في احتجاجات على على ارتفاع الأسعار


الرئيس الصهيوني: سأعلن يوم الأحد اسم المكلف بتشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة


السيطرة على سادس طائرة استطلاع أمريكية مسيّرة من طراز MQM-170 في سماء جزيرة قشم


البرلمان التركي يصدق على "اتفاقية مكة" للدفاع المشترك بين تركيا وباكستان والسعودية


ترامب حول النزاع الأوكراني: أعتقد أننا سننهي الأمر قريبا جدا ربما قريبا جدا


إسلامي: تهديد ترامب بشن هجوم على جبل كلنج دليل على العجز


رئيس المنظمة الايرانية للحج والزيارة يبدأ زيارة الى السعودية بدعوة من نظيره السعودي


الرئيس الصهیونی يحدد موعد الإعلان عن اسم الشخصية المكلّفة بتشكيل الحكومة المقبلة


"يونيفيل": نواصل مهامنا في جنوب لبنان حتى انتهاء ولايتنا بنهاية العام الجاري