عاجل:

من "كش مات" إلى "إيران بلا قيود"

الحلقة الرابعة والأخيرة: هل وُلدت قوة مهيمنة جديدة... أم بدأ زمن ما بعد الهيمنة الأميركية؟

الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦
٠١:١٢ بتوقيت غرينتش
الحلقة الرابعة والأخيرة: هل وُلدت قوة مهيمنة جديدة... أم بدأ زمن ما بعد الهيمنة الأميركية؟ د. أكرم شمص

بدأنا هذه السلسلة من كلمة واحدة:

Checkmate.

ثم انتقلنا إلى تصدع اليقين بالمظلة الأميركية.

ثم إلى هرمز وتحول الجغرافيا إلى قوة.

والآن نصل إلى المحطة التي جمع فيها روبرت كاغان كل هذه الأفكار في استنتاج واحد شديد الجرأة:

Iran Unleashed — إيران بلا قيود.

كتب كاغان أن القوة المهيمنة في الشرق الأوسط من الآن فصاعدًا لن تكون، بحسب تقديره، الولايات المتحدة ولا إسرائيل، بل إيران. وهذه ليست جملة عادية. خصوصًا عندما تصدر عن رجل أمضى جانبًا كبيرًا من حياته الفكرية مدافعًا عن القيادة الأميركية للنظام الدولي.

لكن هل وصل كاغان إلى الاستنتاج الصحيح؟

ماذا تحرر في إيران؟

العنوان نفسه يحتاج إلى قراءة فلسفية.

ما هي "القيود" التي تحررت منها إيران؟

ليست العقوبات. فهي لم تختفِ. وليست الفجوة العسكرية. فالولايات المتحدة مازالت أقوى عسكريًا.

وليست المشكلات الاقتصادية الداخلية. بل إنها موجودة.

فالقيد الأهم الذي يتحدث عنه كاغان هو الخوف من النهاية الأميركية.

ذلك الاحتمال الذي كان حاضرًا دائمًا خلف الحسابات الإيرانية:

ماذا لو قررت الولايات المتحدة الذهاب إلى حرب كبرى؟

الحرب أجابت عن السؤال. وهنا تكمن المفارقة.

أحيانًا يكون التهديد أقوى قبل استخدامه. لأن ما لم يُختبر يبدو بلا حدود.

أما عندما تستخدم أقصى قوتك، فإن خصمك لا يكتشف فقط مقدار ما تستطيع فعله.

بل يكتشف أيضًا: ما الذي لا تستطيع فعله.

أميركا كشفت أوراقها

وهذا ربما يكون أخطر ما حدث.

قبل الحرب، كانت القوة الأميركية محاطة بهالة من الاحتمالات. وبعد الحرب، أصبحت قابلة للقياس.

عرفت إيران حجم الضربات. وعرفت أثرها. وعرفت حجم الكلفة. وعرفت حساسية منشآت الخليج الفارسي.

وعرفت أهمية المخزونات الدفاعية. وعرفت، الأهم، النقطة التي يبدأ عندها القرار الأميركي بالبحث عن مخرج.

وهنا تحولت المعرفة نفسها إلى قوة. فمن يعرف حدود خصمه لا يحتاج إلى أن يكون أقوى منه.

يكفي أن يعرف أين يتوقف.

لكن هل إيران مهيمنة فعلًا؟

هنا أختلف جزئيًا مع كاغان.

القول إن إيران أصبحت "القوة المهيمنة" في الشرق الأوسط يحتاج إلى الحذر.

فالهيمنة ليست مجرد قدرة على الردع. وليست القدرة على إغلاق ممر بحري. وليست الخروج من حرب دون الخضوع.

ما حدث أعمق من ذلك. ربما دخل الشرق الأوسط مرحلة: ما بعد الهيمنة الواحدة.

لا أميركا تستطيع أن تقرر وحدها... ولا إيران تستطيع

وهذه، برأيي، القراءة الأكثر دقة.

إيران خرجت من الحرب بقوة ردع ونفوذ أكبر. والولايات المتحدة خرجت بقدرة عسكرية لكنها أقل قدرة على تحويلها منفردة إلى نظام سياسي.

"إسرائيل" لا تزال قوة عسكرية، لكنها اكتشفت أن التفوق في الضربات لا يعني بالضرورة القدرة على إنهاء الصراع بالشروط التي تريدها.

ودول الخليج الفارسي أصبحت أكثر ميلًا إلى تنويع علاقاتها.

ماذا يعني ذلك؟ يعني أن الشرق الأوسط قد ينتقل من نظام: قوة واحدة تحدد القواعد

إلى نظام: عدة قوى تستطيع منع بعضها بعضًا من تحديد القواعد منفردة.

وهذا فرق كبير.

أميركا أرادت تقييد إيران... فحررتها من الخوف

وهنا نصل إلى المفارقة الكبرى في مقالات كاغان الثلاثة.

الولايات المتحدة أرادت أن تستخدم القوة لإعادة إيران إلى داخل الحدود. ولكن الحرب، وفق قراءة كاغان، فعلت شيئًا معاكسًا: كشفت لإيران حدود القوة التي كانت تخشاها.

أرادت واشنطن أن تثبت أن كلفة تحديها غير محتملة. فاكتشفت أن خصمها يستطيع نقل جزء كبير من هذه الكلفة إلى المنطقة والعالم. وأرادت أن تجعل إيران تخشى التصعيد. فانتهت إلى وضع أصبح فيه السؤال الأميركي نفسه: إلى أين يمكن أن نصعّد دون أن تصبح الكلفة أكبر من الهدف؟ وهنا ينقلب الردع.

من يملك الخوف؟

هذه ربما أهم خلاصة فلسفية لهذه الحرب. فالردع ليس امتلاك الصاروخ. ولا عدد الطائرات. ولا حجم الاقتصاد وحده. الردع، في جوهره، هو: من يستطيع أن يجعل الآخر يخشى الخطوة التالية أكثر؟

طالما كانت إيران تخشى الخطوة الأميركية التالية أكثر مما تخشى أميركا الخطوة الإيرانية التالية، كان ميزان الردع يميل إلى واشنطن. ولكن إذا أصبحت واشنطن تحسب قبل كل ضربة: ماذا سيحدث لهرمز؟

وماذا سيحدث لمنشآت الخليج الفارسي؟ وماذا سيحدث للطاقة؟ وماذا سيحدث للأسواق؟ وماذا سيحدث للقواعد؟

فإن شيئًا في ميزان الردع يكون قد تغير. ليس لأن إيران أصبحت أقوى من أميركا.

بل لأنها أصبحت قادرة على الدخول في قرار استخدام القوة الأميركية نفسه. وهذه مرتبة مختلفة من القوة.

من "كش مات" إلى "إيران بلا قيود"

الآن نستطيع قراءة رحلة كاغان كاملة.

Checkmate in Iran:
أميركا لم تعد قادرة بسهولة على إعادة الواقع إلى ما كان عليه.

ثم: تراجع الثقة بالمظلة: الحلفاء بدأوا يعيدون حساب كلفة الاعتماد الكامل على واشنطن.

ثم: هرمز: إيران اكتشفت أنها تستطيع تحويل الجغرافيا والطاقة إلى قوة تتجاوز حدود ميدان الحرب.

وأخيرًا:

Iran Unleashed: إيران لم تعد القوة التي يمكن احتواؤها بالطريقة نفسها التي كان العالم يتعامل معها سابقًا. وهذه ليست أربعة أحداث. إنها أربع طبقات لتحول استراتيجي واحد.

الخاتمة: عندما تعجز القوة الأكبر عن الوصول إلى غايتها

بعد هذه السلسلة، ربما نستطيع صياغة السؤال بطريقة مختلفة.

لم يكن السؤال الحقيقي في هذه الحرب: من يمتلك القوة الأكبر؟ فالجواب معروف.

ولم يكن: من يستطيع إحداث الدمار الأكبر؟ فالجواب معروف أيضًا.

السؤال الذي سيكتبه التاريخ هو: من استطاع أن يحوّل الحرب إلى واقع سياسي جديد؟

وهنا تصبح شهادة روبرت كاغان مهمة. ليس لأنه يملك الحقيقة المطلقة. ولا لأن كل توقعاته ستتحقق.

بل لأن واحدًا من أبرز منظّري القوة الأميركية وجد نفسه، بعد الحرب، يعيد النظر في الفرضية التي قامت عليها عقود من السياسة الأميركية: أن التفوق العسكري، عندما يُستخدم بما يكفي، يستطيع في النهاية إنتاج الإرادة السياسية. فإيران وضعت هذه الفرضية أمام امتحان مختلف.

لقد استطاعت الولايات المتحدة أن تضرب. واستطاعت "إسرائيل" أن تضرب.

ولكن القوة التي لا تستطيع تحويل الضربة إلى غاية سياسية تبدأ، مهما بلغ حجمها، بمواجهة حدودها.

لقد أرادت واشنطن أن تجعل إيران ترى حدود قوتها. فاكتشفت إيران حدود القوة الأميركية.

وأرادت أن تعيد الخوف إلى طهران. فتحول الخوف من الضربة إلى الخوف من كلفة استمرار الضربة.

وأرادت أن تعيد إيران إلى القفص. ولكن روبرت كاغان اختار، في نهاية رحلته الفكرية، عنوانًا مختلفًا تمامًا:

Iran Unleashed.

وربما تكون المفارقة الأعمق أن إيران لم تكن بحاجة إلى أن تصبح أقوى من الولايات المتحدة لكي تغير ميزان القوة. كان يكفيها أن تثبت شيئًا واحدًا:

أن القوة الأميركية، مهما عظمت، لا تستطيع دائمًا أن تصل إلى غايتها.

وهنا يتغير تعريف النصر.

ففي السياسة كما في الفلسفة، لا ينتصر دائمًا من يمتلك القوة الأكبر.

ينتصر أحيانًا من يجعل القوة الأكبر عاجزة عن تحويل تفوقها إلى إرادة.

0% ...

آخرالاخبار

مصادر محلية سورية: دورية للاحتلال الإسرائيلي تتوغل في قرية أوفانيا بريف القنيطرة الشمالي وتوقف عددا من الأهالي وتحقق معهم


وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يناقش هاتفيا مع نظيره المصري آخر تطورات المنطقة وجهود خفض التصعيد


العميد بلالي لـ"العالم": قواعدنا الصاروخية لا يستطيع أي سلاح تقليدي تدميرها


بعثة ايران في فيينا: غروسي يعلم أن تقاريره هو نفسه لم تتضمن قط أي تحويل ولو لغرام واحد من هذه المواد إلى استخدامات غير معلنة


بعثة ايران في فيينا: غروسي يعلم أن كل غرام من المواد النووية الإيرانية يخضع للمحاسبة والمتابعة من قبل الوكالة


بعثة إيران في فيينا ترد على غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: قلق بشأن مخزون اليورانيوم ويصمت ازاء قصف الغير


 العميد قاآني: إذا واصلت أميركا سلوكها المقامر فإن جبهة المقاومة قادرة على توجيه ضربات جوهرية لها على مستوى السطح والعمق معاً


 العميد قاآني: كانت نتيجة مقامرة ترامب بيع رصيد أميركا الممتد على مدى 250 عاماً وخسارة مضيق هرمز


 العميد قاآني: الرئيس الأميركي النرجسي بدأ مقامرة الحرب مع إيران بعد الوثوق بكلام نتنياهو المخادع


قائد فیلق القدس في حرس الثورة العميد اسماعيل قاآني: على قادة أميركا قليلي التدبير إدراك أن المقاومة تشكل جبهة واحدة


الأكثر مشاهدة

مصادر لبنانية: الاحتلال ينفذ تفجيراً في بلدة بني حيان جنوب لبنان


سماع دوي انفجارات من جانب البحر في مدينة لنگة جنوبي إيران


مصادر لبنانية: قصف مدفعي من جيش الاحتلال يستهدف وادي زبقين جنوب لبنان


وكالة «إرنا»: تقارير عن نشاط للدفاع الجوي في سماء جزيرة قشم جنوبي البلاد


وكالة الأنباء الإيرانية «إرنا»: سماع دوي خمسة انفجارات متتالية في جزيرة قشم ولم تعرف الأسباب حتى الآن


مصادر فلسطينية: جرحى برصاص قوات الاحتلال الاسرائيلي في منطقة الإقليمي جنوب مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة


العلاقات العامة لحرس الثورة: إسقاط مسيّرتين استطلاعيتين أمريكيتين من طراز MQM-170 في أجواء جنوب جزيرة قشم والاستيلاء عليهما


حرس الثورة: الدفاعات الجوفضائية تمكنت من اعتراض وتدمير الطائرة المسيرة المتقدمة رقم 55 من طراز MQ9 شرق مضيق هرمز


وكالة الأنباء المركزية الكورية (KCNA): كوريا الشمالية أعلنت أنها اختبرت صاروخ كروز استراتيجي يوم الاثنين


حرس الثورة: إصطياد طائرتين أمريكيتين من طراز (MQM-170) في جزيرة قشم


حرس الثورة يعلن عن تدمير طائرة مسيرة متطورة من طراز (MQ9)