عاجل:

محاكمة السيد باراك أوباما وخيبة اليسار

الجمعة ١٤ أكتوبر ٢٠١١
٠٨:٥٧ بتوقيت غرينتش
محاكمة السيد باراك أوباما وخيبة اليسار يتمّ انتقاد باراك أوباما بسبب استراتيّجيّته إيجاد حلول وسط مع الحزب الجمهوري، ولنتائجه السيّئة في مجال الاقتصاد والتشغيل؛ وها هو يغّير خطابه ويقترح زيادة الضرائب على الأغنياء. ليس لهذا الإعلان حظوظاً كبيرة في الوصول إلى نتائج ملموسة؛ فهل الهدف منه هو إعادة حشد ناخبي اليسار في منظور انتخابات العام 2012؟

في حزيران/يونيو 2008، بعيد فوزه بترشيح الحزب الديموقراطي للانتخابات الرئاسية، أعلن السيد باراك أوباما، أمام حشدٍ من المشجّعين: "يمكننا أن نتذكّر هذا اليوم، وأن نقول لأولادنا بأنّنا بدأنا حينها بتأمين الخدمات الصحيّة للمرضى ومجالات عملٍ جيّدة للعاطلين عن العمل؛ وبأنّ ارتفاع مستوى المحيطات بدأ حينها بالتراجع، وبأن الأرض بدأت تُشفى؛ بأنّنا حينها أنهينا حرباً، وضمنّا أمن أمّتنا، ورمّمنا الصورة التي صنعناها لأنفسنا بأنّنا الأمل الأخير على الأرض". إن كان هنالك من رئيس أكّد على المثل الذي قاله الحاكم الديموقراطي السابق لولاية نيويورك، السيد ماريو كيوكو، حول أن المرشّحين "يشنّون حملاتهم الانتخابية شعراً، إنما يحكمون بعدها نثراً" ، فلا شكّ أنه السيد أوباما.

 اعتقد الكثير من مؤيّدي اليسار بأنّ رئيسهم الجديد، الناشط الاجتماعي السابق في شيكاغو، سيغيّر اللعبة السياسية عبر تطبيق البرنامج والأفكار التي ركّز عليها حملته، بفضل دعم شبكاته. لكن هذا لم يكن في الواقع سوى صفقة خداع، عُقدت بين شخصٍ براغماتيّ يسعى إلى السلطة ومشجّعين مثاليين، إنّما سذّج. إذ بالرغم من بلاغة مزهرة تعد بالقمر، لم يُخيّل يوماً لأوباما البراغماتيّ بأن الشبكات المناضلة، المسلّحة فقط بإيمانها بالمواطنيّة والديموقراطية، قد تشكّل فعلاً نموذجاً تنظيميّاً قادراً على التعارك مع نظامٍ تمثيليّ في الكونغرس عمره مئتا سنة، وأفسدته سلطة المال. كان السيد أوباما مفاوضاً، وليس ثورياً. وعبثاً أطلق وعوداً بدت متينةً كالصخر، إذ كانت تتفتّت كالجصّ في كلّ مرّة كان يجلس فيها على طاولة المفاوضات. وقد شعر معارضوه بهذا الضعف، وطبعاً استغلّوا الأمر لمصلحتهم.

 بالنسبة للسيد أوباما، السياسة مسألة توافق، وليست حرباً. فبلاغته، على غرار استراتيجيته التشريعية، قد أكّدا باستمرار على خيار الاندماج والتوافق والسلبيّة. وإن كان غالباً ما يشتكي من نزعة الجمهوريين للتصرّف كمبتزّين، وحتّى كخاطفي رهائن، لم يتورّع رئيس البيت الأبيض أبداً عن دفع الفدية لهم، وأحياناً بسخاءٍ أكبر ممّا كان ليأمل به أخصامه.

 مع العلم أنّ اليمين نفسه لم يبدِ يوماً أيّ اهتمامٍ بإدارته الشهيرة "الثنائية الحزبية". إذ خلال صيف العام 2010، عندما طُلب منه الإفصاح عن الأمنية الأغلى على قلبه للعام 2011، ردّ السيد أوباما قائلاً: "كلّ ما أريده لعيد الميلاد هو معارضة يمكنني التفاوض معها". لم تتحقّق أمنيته هذه أبداً. والانسداد بقي هو السائد، والغالبية المطلقة التي حصل عليها الديموقراطيون في المجلسين حتى تشرين الثاني/نوفمبر 2010، لم يكن لها تأثير؛ إذ شهدنا نسف الإصلاحات التقدميّة الواحدة تلو الأخرى، قبل أن يتم التخلّي عنها حتّى قبل عرضها. مشروع القانون الذي يضمن الحريات النقابية (« Employee Free Choice Act ») والذي تمّت المطالبة به بالصوت العالي من قبل المنظّمات العمّالية، لم يلقَ سوى دعمٍ شفهيّ من قبل البيت الأبيض، ولم يُفضِ في نهاية الأمر إلى أيّة نتيجة. كما لم تظهر أيّة محاولات لتصحيح سياسة الهجرة الفاشلة التي تتّبعها الولايات المتحدة. على العكس: استمرّت عمليات طرد الأجانب بالارتفاع. كما تمّ تقليص حقوق النساء في مجال الأمومة. وبات المال يفرض قوانينه بتشدّدٍ أكبر من أيّ وقت مضى، خصوصاً بفعل إلغاء القيود على تمويل الحملات الإنتخابية والتخفيضات الجديدة للضرائب، استمراراً لتلك التي أقرّتها إدارة بوش. في مواجهة هذه السياسات التراجعيّة، غير الشعبيّة بقدر ما تساهم في تفاقم انعدام المساواة الاجتماعية، حافظ السيد أوباما على هدوءٍ غريب، كما لو أنّه لا يُفترض بشيء أن يمسّ أبداً حبّه للتوافق بين الحزبين .

ضربة قاضية دون صراع

 عشيّة انتخابات منتصف الولاية في العام 2010، وإثر شعورهم بالكبت لعجزهم عن قلب توجّهات استفتاءات الرأي التي كانت تتوقّع لهم نتيجة مُفجعة، لم يجد السيد أوباما وجماعته ردّاً سوى الاحتجاج على جحود ناخبي اليسار. هكذا وصف رام إيمانويل الذي يتّسم بلطافته دائمة، حين كان مدير مكتب البيت الأبيض، بـ"مختلّين كليّاً"، هؤلاء التقدّميين الذين كانوا يهدّدون بسحب دعمهم للرئيس عندما تخلّى هذا الأخير في منتصف الطريق عن مشروع التأمين الصحّي العام الشامل، في سعيه لتهدئة العاصفة اليمينيّة التي أثارها مشروعه لإصلاح النظام الصحّي؛ في ما بعد اعتذر إيمانويل من "المتخلّفين عقليّاً"، إنما ليس من التقدميين...

 من جهته، هزأ الناطق الرسمي باسم البيت الأبيض، السيد روبرت غيبز، من خائبي "اليسار المحترف": "لن يكونوا راضين إلاّ عندما سيكون لدينا نظام صحيّ على الطريقة الكندية ويوم سنلغي البنتاغون". كما أنّ السيد أوباما نفسه قد ترفّع بطيبة خاطر أمام أنصاره ممّن لا يحبّذون أبداً الهدايا التي يقدّمها لليمين. إذ خلال عشاءٍ ساهر في غرينويتش، في ولاية كونيكتيكوت، وتحت تصفيق جمهورٍ من المتبرّعين الأغنياء الذين دفع كلّ واحدٍ منهم 000 300 دولار ثمن بطاقة الدخول، أطلق الرئيس هذا التهكّم: "بالله عليكم، لم نتمكن بعد من إرساء السلام في العالم (قهقهات في الصالة)، كنت أعتقد بأنّ الأمر سيتحقّق بسرعة أكبر...".

 نادراً ما يكون الاستهزاء بالمناصرين عشيّة انتخابات فكرة ًسديدة؛ هكذا لم يتفلّت الديموقراطيون من الكارثة الانتخابية التي وعدتهم بها استقصاءات الرأي: خسروا ثلاث وستّين مقعداً في مجلس النوّاب، إضافة إلى عشرة مناصب لحكّام الولايات، ولم يحتفظوا في مجلس الشيوخ سوى بغالبيةٍ ضعيفة جداً. وعلى صعيد مجالس الولايات، ربح الجمهوريون ستمائة وثمانين مقعداً إضافياً، ليتخطّوا بذلك الرقم القياسي الذي حقّقه الديموقراطيون خلال انتخابات ما بعد واترغيت في العام 1974 (ستمائة وثمان وعشرين مقعدٍ إضافي). لم يسبق للديموقراطيين في تاريخهم أن تكبّدوا هزيمة لاذعة إلى هذا الحدّ. اعترف السيد أوباما بالأمر، مستخدماً التورية التي باتت من اختصاصه، أنّ الجهود التي بذلها لأجل "توحيد البلد" من منظور "ما بعد حزبيّ" "لم تُفلح كثيراً" .

 وكونه لم يتعلّم من دروس الانهيار، لم يغيّر استراتيجيته. إذ استبق مراراً مطالب خاطفيه خلال السجال الذي أثاره موضوع رفع سقف الدين، وهو إجراء كان ليبدو مألوف في الماضي. ارتمى أرضاً حتّى قبل أن يصارع، لطالما كانت رغبته ملّحة بالظهور بمظهر "العقلانيّ" أمام الناخبين المستقلّين، دون أن يعي اللامنطقية السياسيّة التي يعكسها هكذا موقف.

 وفي نهاية المطاف، جاء الاتفاق الذي تمّ الحصول عليه في اللحظة الأخيرة، في آب/أغسطس المنصرم، تفادياً للتخلّف عن الدفع، أشبه باستسلام بدون شروط: من جهة، خطّة ادّخار في الميزانيات بقيمة 2400 مليار دولار من شأنها تجفيف البرامج الاجتماعية؛ وعلى الجهة الأخرى، عدم إجراء أي اقتطاعات إضافية على الإيرادات العالية. على الصعيد السياسي، استجاب هذا الاتفاق لـ"98 في المئة" من مطالب الجمهوريين، الأمر الذي هنأ السيد جون بونر، رئيس المجلس، نفسه عليه. في 3 آب/أغسطس 2011، أشار أحد عناوين المجلّة الهزليّة The Onion ، على اتّسام المصالحة بالتساوي: "تسوية مؤلمة بالنسبة للديموقراطيين، كما بالنسبة للديموقراطيين".

 خرج المعسكر التقدّمي منهكاً من تلك المفاوضات، على غرار الاقتصاد الأميركي. حتّى وال ستريت لم تجد ما يُفرحها في الموضوع: إذ بعد بضع ساعات على الاتفاقية حول إلغاء الحدّ الأقصى للدين، انهار مؤشّر داو جونز بنسبة 2,2 في المئة، ثمّ بنسبة 4,31 في المئة بعد يومين. في سياق ذلك، خفّضت وكالةStandard & Poor’s العلامة الأميركية، وهي سابقة في تاريخ البلاد.

 كالعادة، لام الجمهوريون السيد أوباما الذي، كعادته، لم يلُم أحداً. ممتدحاً مزايا "التسوية"، تاركاً لمستشاريه مهمّة لوم اليسار لأنّه لم يُدرك مدى السوء الذي كانت ستصل إليه الأمور ،هذا العجز المزمن عن مواجهة المعارضين - أو حتى الاعتراف بوجودهم - قد استرعى انتباه عالم النفس السياسي درو ويستين: "عندما يريد ذلك، يصبح الرئيس خطيباً لامعاً ومؤثّراً، لكنه يفتقر دائماً إلى عنصرٍ في خطاباته: الفرد الذي هو سبب المشكلة. فهو يلغي بشكلٍ منهجيّ من المشهد الشخص الذي يلعب دور الشرير في التاريخ، أو أنّه يذكره بتعابير غير شخصيّة، وبصوتٍ جامد، كما لو أن لا وجود لشخصٍ من لحمٍ ودمّ يتحمّل مسؤولية الشقاء الذي يضرب الآخرين. هل في الأمر اشمئزاز من الصراعات، أو مجرّد تخوّف من تجفيل المتبرّعين لحملته (...)، من الصعب الجزم" .

 هكذا على غرار السيدين جيمي كارتر وبيل كلينتون - الديموقراطيان الوحيدان اللذان دخلا البيت الأبيض منذ الستينات-، اختار السيد أوباما أن يصبح رئيساً أكثر محافظةً بكثير ممّا كان عليه المرشّح الذي فاز بالانتخابات. فبعد أن تجرّع الإهانة الجمهورية، وصل به الأمر الى حدّ التباهي - نعم التباهي - بعقده اتفاقية من شأنها خفض النفقات العامّة "إلى أدنى مستوى لها منذ رئاسة دوايت أيزنهاور" .

 فما الذي يمكن ترقّبه إذاً من انتخابات العام 2012؟ هنالك أمرٌ واحدٌ أكيد: ليس على الرئيس الخوف من منافس ديموقراطيّ. طبعاً، يعتبر الاشتراكي المستقلّ برنار ساندرز - النموذج الوحيد من جنسه في مجلس الشيوخ الأميركي - بأنّ تحدّي الرئيس في معترك الانتخابات التمهيدية "فكرة جيّدة": إذ هنالك، بحسب رأيه، "ملايين الأميركيين الذين خيّب الرئيس أملهم بشدّة، والذين يضمرون له الضغينة لأنّه قال شيئاً عندما كان مرشّحاً، وفعل شيئاً آخر عندما أصبح رئيساً، سواء في مجال الضمان الاجتماعي أو في غيره من المواضيع، والذين لا يفهمون كيف استطاع أن يكون ضعيفاً إلى هذا الحدّ في مفاوضاته مع الجمهوريين. نعم إنّ الخيبة عميقة". ثمّ أضاف: "إحدى أسباب الانحراف اليميني للرئيس هو عدم وجود معارضة له في الانتخابات التمهيدية" .

 لا أحد لجهة اليسار يتحمّس اليوم كثيراً عند تفكيره بالسيد أوباما. ومن المعروف بأنّ المناصرين الإسبانيين مستاؤن؛ وبالرغم من عرفانهم له بالجميل، كونه وضع حدّاً لمنعهم من ممارسة خدمة الجيش، يلومه اللوطيّون على عدم تأييده الزواج المثلي؛ أمّا أنصار النزعة النسويّة فيلومونه بالنسبة لحقّ الإجهاض؛ في حين وضع له أنصار البيئة علامة صفر مكرّرة للأعمال التي قام به. عدا عن الحرب في أفغانستان أو وضع الحريات العامّة.

 إلاّ أنّ الرئيس يستمرّ بالرغم من كلّ شيء بالتمتّع بمؤشر شعبية مرتفع في أوساط التقدميين والأقليات. فمهما كان الغيظ الذي يثيره السيد أوباما لدى العديد من المناصرين اليساريين كبيراً وعميقاً، فهو يصبح ثانوياً أمام القلق، الأكثر ضراوةً، الذي يثيره جنون المرشّحين على الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، وفي مقدّمتهم المتشدّد الدينيّ التكساسي جايمس رتشارد ("ريك") بيري.

 بعد عجزه عن الوفاء بالوعود التي قطعها خلال حملته الانتخابية، لم يعد بإمكان الرئيس الحالي التعويل سوى على ردّة فعل الخوف هذه، على أمل تجديد الإنجاز التاريخي الذي حقّقه في العام 2008. ووحده الرفض المتقزّز لتطرّفات اليمين قد يحفّز الممتنعين عن التصويت المعتادين في صفوف اليسار - على غرار الطلاّب والمنتمين إلى الأقليات - على تخطّي خيبتهم والذهاب إلى صناديق الاقتراع. إلاّ أن التجربة تظهر بأنّ الاستراتيجية الرئاسية التي تقضي باعتبار دعم التقدميين أمراً مكتسباً - وصولاً إلى حدّ شتمهم - هي عبارة عن انتحارٍ سياسيّ. وعبر تعامله بتعالٍ مع الذين يطلبون منه احترام وعوده، أضرّ الرئيس جدياً بالرصيد الذي لا يزال يتمتّع به لدى ناخبيه السابقين. وسيتكبّد طبعاً عواقب ذلك يوم الانتخابات، أيّاً كانت الفزّاعة الجمهورية التي سيواجهها.

 على كلّ حال، لن يتمكّن السيد أوباما أبداً أن يتباهى بتحقيق نتيجةٍ تدعو إلى الإطراء في أكثر مجالٍ يثير هواجس الأميركيين: وهو التشغيل. إذ كان معدّل البطالة في أيلول/سبتمبر من هذا العام لا يزال في أعلى نسبة له، أي 9,1 في المئة. لم يسبق أن أعيد انتخاب أيّ رئيس مع رقم كارثيّ إلى هذا الحدّ.

* إريك ألترمان – صحيفة لوموند دبلوماتيك

0% ...

آخرالاخبار

فلسطين المحتلة: آليات الاحتلال تطلق النار شرقي مخيم البريج وسط قطاع غزة


وزارة الصحة اليمنية: استشهاد وإصابة 5 مدنيين من أسرة واحدة بينهم 3 أطفال بغارات سعودية على الباطن بمديرية الحزم في الجوف


مصادر لبنانية: الاحتلال يطلق قنابل إنارة في أجواء وادي السلوقي، جنوب لبنان


شهيدان في مدينة غزة وخان يونس جراء إطلاق النار والقصف الإسرائيلي


وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يصل إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة


استطلاع رأي "رويترز ايبسوس": انخفاض معدل تأييد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى 32%، وهو أدنى مستوى له في مسيرته السياسية


مصادر فلسطينية: جريحان نتيجة قصف طيران العدو منزلا في حي التفاح شرق مدينة غزة


الناطق باسم حركة حماس، حازم قاسم: ادعاءات الاحتلال بخرق عناصر من حماس اتفاق وقف إطلاق النار هي باطلة ولا أساس لها، وتهدف لايجاد تبريرات لانتهاكات الاحتلال وتصعيد عدوانه


اللواء إيزدي: إيران تعزز قدراتها في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة والأنظمة السيبرانية والحرب الإلكترونية والدفاع الجوي


نائب قائد حرس الثورة اللواء إيزدي: حضور الشعب في الساحات يُحبط مخططات العدو