عاجل:

اتحاد الدول العربية تحت راية الحق والسلام.. من التشرذم إلى القرار السيادي

الجمعة ٢١ أغسطس ٢٠٢٦
٠٣:٤١ بتوقيت غرينتش
اتحاد الدول العربية تحت راية الحق والسلام.. من التشرذم إلى القرار السيادي بقلم: أمل المالكي

المقدمة: لحظة عربية لا تحتمل مزيداً من الانتظار

تقف المنطقة العربية في عام 2026 أمام مرحلة سياسية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الحروب والأزمات الاقتصادية والتدخلات الدولية مع تحديات الأمن والسيادة والاستقرار. ومن فلسطين إلى السودان واليمن وسوريا والعراق، تتكرر صورة واحدة: أزمات تتسع، وموارد تُستنزف، ومصالح دولية تتقدم أحياناً على حساب المصالح العربية المشتركة.

وفي قلب هذا المشهد يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: أين القرار العربي الجماعي؟

فالمشكلة لم تعد في غياب البيانات والقمم والمؤتمرات، وإنما في ضعف القدرة على تحويل التوافقات العربية إلى أدوات سياسية واقتصادية مؤثرة. لقد آن الأوان لبناء تضامن عربي قادر على حماية المصالح المشتركة، لأن استمرار التشرذم يمنح القوى الخارجية مساحة أوسع للتأثير في مسارات المنطقة.

إن المطلوب ليس إلغاء خصوصية الدول العربية أو فرض نموذج سياسي واحد عليها، وإنما بناء إطار عربي يحمي السيادة، ويدافع عن الحقوق المشروعة، ويجعل السلام خياراً قائماً على العدالة لا على الإملاءات.

أولاً: التشرذم العربي.. ثغرة استراتيجية قبل أن يكون خلافاً سياسياً

لم تعد الانقسامات العربية مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل أصبحت في بعض الملفات عاملاً مؤثراً في موازين القوة الإقليمية.

فعندما تتباين المواقف العربية تجاه الأزمات الكبرى، تصبح قدرة النظام العربي على التأثير محدودة، بينما تزداد قدرة القوى الدولية والإقليمية على التحرك داخل الفراغ السياسي.

ومن هنا، فإن إعادة بناء التضامن العربي ينبغي أن تبدأ من قاعدة أساسية: اختلاف المصالح بين الدول أمر طبيعي، لكن تحويل الاختلاف إلى صراع دائم يضعف الجميع.

وتحتاج الدول العربية إلى آليات جديدة لإدارة الخلافات، تقوم على الحوار والمصالح المشتركة، بدلاً من تحويل كل أزمة إلى اصطفاف جديد.

ثانياً: فلسطين.. الاختبار الحقيقي للقرار العربي

تبقى القضية الفلسطينية القضية الأكثر قدرة على كشف مستوى التضامن العربي.

فالشعوب العربية، رغم اختلافاتها السياسية والاجتماعية، ما زالت ترى في فلسطين قضية مركزية، بينما ظل الموقف الرسمي العربي متفاوتاً بين دول تتبنى مواقف أكثر صرامة تجاه الاحتلال، وأخرى اختارت مسارات مختلفة في علاقاتها السياسية.

وهنا تبرز الحاجة إلى صياغة موقف عربي موحد يقوم على حماية الحقوق الفلسطينية، ورفض التهجير القسري، ودعم قيام دولة فلسطينية مستقلة، واستخدام الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية والقانونية المتاحة بصورة جماعية.

فالقوة العربية لا تكمن فقط في عدد الدول، وإنما في قدرتها على التفاوض ككتلة واحدة عندما يتعلق الأمر بقضية استراتيجية.

ثالثاً: مبادرة السلام العربية.. ورقة استراتيجية تحتاج إلى إعادة تفعيل

تمثل مبادرة السلام العربية التي أقرتها القمة العربية في بيروت عام 2002 إحدى أبرز الصيغ العربية الجماعية للتعامل مع الصراع العربي الإسرائيلي.

وقدمت المبادرة تصوراً يقوم على انسحاب "إسرائيل" من الأراضي العربية المحتلة منذ عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين، مقابل إقامة علاقات طبيعية في إطار تسوية شاملة.

لكن قيمة المبادرة لا تكمن في بقائها نصاً سياسياً محفوظاً في أرشيف القمم، وإنما في قدرتها على التحول إلى أداة تفاوض جماعية.

ومع التحولات العميقة التي شهدها المشهد الإقليمي منذ حرب غزة عام 2023، وما رافقها من تغيرات في موازين العلاقات والتطبيع، تبرز الحاجة إلى تحديث أدوات المبادرة وآليات تفعيلها، بحيث تشمل تحركاً دبلوماسياً عربياً منسقاً، وتوظيف الأدوات الاقتصادية والقانونية المتاحة، ودعم المسارات الدولية الرامية إلى حماية الحقوق الفلسطينية، بدلاً من بقائها إطاراً سياسياً يُستدعى في بيانات القمم ثم يغيب عن دوائر الفعل.

رابعاً: من جامعة الدول العربية إلى منظومة عربية متكاملة

لا يمكن بناء منظومة عربية فاعلة من دون تطوير مؤسسات العمل المشترك. ولذلك تحتاج جامعة الدول العربية إلى آليات أكثر مرونة وقدرة على المتابعة، بحيث لا تنتهي القرارات بانتهاء القمم، وإنما تنتقل إلى برامج زمنية محددة ومؤشرات قابلة للقياس.

ويمكن أن يترافق ذلك مع إنشاء مجلس أمن عربي للتنسيق في الأزمات والتهديدات العابرة للحدود، وتطوير آليات الوساطة العربية لمنع النزاعات من التحول إلى صراعات مفتوحة، إلى جانب تأسيس سوق عربية مشتركة تتوسع تدريجياً في التجارة والاستثمار وحركة رؤوس الأموال.

كما يمكن إنشاء لجان تنفيذية دائمة ترفع تقارير دورية إلى القمم العربية بشأن مستوى تطبيق القرارات، بما يحول العمل العربي من مجرد تنسيق سياسي إلى مؤسسات قادرة على إنتاج نتائج ملموسة.

خامساً: التكامل الاقتصادي.. القاعدة التي تستند إليها السيادة

لا يمكن الحديث عن قرار سياسي عربي مستقل دون الحديث عن الاقتصاد.

فكلما اتسعت التجارة البينية والاستثمارات المشتركة، ازدادت قدرة الدول العربية على تقليل اعتمادها على الأسواق الخارجية، وارتفعت قدرتها التفاوضية في الاقتصاد والسياسة معاً.

وتشير تقديرات متداولة إلى أن التجارة البينية العربية تدور في نطاق محدود مقارنة بالتكتلات الاقتصادية الكبرى، بينما تصل التجارة البينية في بعض التكتلات الإقليمية المتقدمة إلى نسب مرتفعة جداً؛ وهو فارق يكشف حجم الفرصة الاقتصادية غير المستثمرة عربياً.

ومن هنا، فإن الأولوية ينبغي أن تتجه إلى مشاريع مشتركة في الطاقة، والأمن الغذائي، والنقل، والصناعة، والتكنولوجيا، والمياه، بما يخلق شبكة مصالح اقتصادية تجعل التعاون العربي خياراً عملياً لا مجرد شعار سياسي.

سادساً: مواجهة التدخلات الخارجية تبدأ بإصلاح البيت العربي

إن رفض التدخلات الخارجية لا يعني الانغلاق على العالم، ولا يعني قطع العلاقات الدولية، بل يعني أن تكون العلاقات الخارجية قائمة على الندية والمصالح المتبادلة واحترام السيادة.

لكن التحدي الأكبر يبقى داخلياً؛ فضعف المؤسسات، ومحدودية المشاركة العامة، وتراجع سيادة القانون في بعض الدول العربية، واستمرار الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، كلها عوامل تخلق فراغات سياسية يمكن للقوى الخارجية استثمارها لتوسيع نفوذها.

ومن هنا، فإن بناء قرار عربي مستقل يبدأ أيضاً بإصلاح داخلي يعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، ويعزز سيادة القانون، ويرفع كفاءة الإدارة، ويمنح المجتمعات قدرة أكبر على المشاركة في صناعة مستقبلها.

فالوحدة التي لا تستند إلى دول مستقرة ومؤسسات قوية ومجتمعات متماسكة ستظل مشروعاً نظرياً مهما كانت قوة الخطاب الذي يحيط بها.

سابعاً: الوحدة الممكنة.. من الحلم التاريخي إلى التكامل الواقعي

قد تكون الوحدة السياسية الشاملة مشروعاً بالغ التعقيد في ظل اختلاف الأنظمة والمصالح والظروف الاقتصادية، لكن ذلك لا يعني استحالة بناء وحدة في المصالح.

فالوحدة التي تحتاجها المنطقة اليوم يمكن أن تبدأ من التكامل التدريجي: اقتصادياً، ودبلوماسياً، وأمنياً، وثقافياً.

ومن هذا التكامل يمكن أن تنشأ تدريجياً منظومة عربية أكثر تماسكاً، لا تلغي سيادة الدول، بل تجعل التعاون الجماعي رافعة للسيادة الوطنية.

إن المطلوب ليس أن تتطابق الدول العربية في كل شيء، بل أن تتفق على الحد الأدنى الذي يحمي أمنها ومصالحها ومستقبل شعوبها.

ثامناً: الطريق إلى الأمام.. بناء قوة عربية متعددة الأدوات

إن بناء موقف عربي فاعل يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات قصيرة المدى، وتضع المصالح المشتركة في مقدمة الأولويات.

ويبدأ ذلك بإعادة تعريف مفهوم الأمن العربي، بحيث لا يُنظر إلى أمن كل دولة باعتباره قضية منفصلة عن أمن محيطها، ثم تطوير منظومة للتكامل الاقتصادي، وتنسيق المواقف الدبلوماسية في القضايا المصيرية، وإنشاء آليات عربية دائمة لإدارة الأزمات.

كما يتطلب الأمر الاستثمار في عناصر القوة العربية: الموقع الجغرافي، والطاقة، والأسواق، والموارد البشرية، والممرات البحرية، والثقل الدبلوماسي والثقافي.

فامتلاك عناصر القوة شيء، وتحويلها إلى قوة تفاوضية وسياسية مشتركة شيء آخر؛ وهنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية أمام النظام العربي.

الخاتمة: حين يصبح الاتحاد ضرورة استراتيجية

العالم لا ينتظر المترددين، والفراغ السياسي لا يبقى فارغاً طويلاً. آن للأمة العربية أن تدرك أن وحدتها ليست رفاهية سياسية، بل ضرورة استراتيجية لحماية الأمن والتنمية والسيادة.

فالطريق يبدأ بتكامل اقتصادي حقيقي، ويمر بتنسيق سياسي وأمني أكثر فاعلية، وينتهي بقرار عربي مستقل لا يُملى من الخارج.

إن امتلاك الإرادة الجماعية هو الشرط الأول لاستعادة القدرة على التأثير وصناعة المستقبل.

يكفي تشرذماً وتآمراً؛ آن للعرب أن يصنعوا مستقبلهم بأيديهم، تحت راية الحق والسلام، وبقرار عربي يوازن بين السيادة والتعاون، وبين المصالح الوطنية والمصير المشترك.

كلمات دليلية
0% ...

آخرالاخبار

بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


الأكثر مشاهدة

رئيسة المفوضية الأوروبية: إغلاق مضيق هرمز كلف أوروبا 127 مليار يورو إضافية من دون أن تصلها ذرة طاقة إضافية واحدة


‏لجنة الحملات الديمقراطية في الكونغرس: واثقون من الفوز لكن كل السيناريوهات واردة


"القناة 12" الصهيونية: حالة من الارتباك والقلق داخل المؤسسة الأمنية عقب تصريحات ترامب بشأن وقف المساعدات لـ"إسرائيل"


الحرب على إيران ترفع تكاليف مشاريع النفط


حاكم فلوريدا الجمهوري: جمهوريون يضللون الناخبين بعدم الاعتراف بأن الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود


الجيش الايراني: إدراك طبيعة التهديد والحفاظ على اليقظة الوطنية ضرورة دائمة


كوريا الشمالية تحذر من رد أقوى على "عدائية" الولايات المتحدة


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي الحجير في جنوب لبنان


إغلاق صناديق الاقتراع في ولايات نورث كارولاينا وأوهايو ووايومينغ


فوز الديمقراطيين بـ41 مقعدا والجمهوريين بـ31 مقعدا في مجلس الشيوخ


فوز الديمقراطيين بـ20 مقعدا والجمهوريين بـ10 مقاعد في مجلس النواب