عاجل:

من هرمز إلى الرياض... حين تتحول الحروب إلى أدوات لإعادة تشكيل الشرق الأوسط

الجمعة ٢٤ يوليو ٢٠٢٦
٠٦:٠٠ بتوقيت غرينتش
من هرمز إلى الرياض... حين تتحول الحروب إلى أدوات لإعادة تشكيل الشرق الأوسط بقلم: د. أكرم شمص - لبنان

في السياسة، لا تُشنّ الحروب دائماً من أجل الانتصار العسكري، بل كثيراً ما تكون وسيلة لإنتاج واقع سياسي جديد. فالقوة ليست غاية بحد ذاتها، وإنما لغة تُجبر الخصوم والحلفاء معاً على اتخاذ قرارات لم يكونوا ليقبلوا بها في الظروف الطبيعية. ولهذا، فإن قراءة المشهد الإقليمي اليوم لا ينبغي أن تقتصر على عدد الصواريخ والطائرات، بل على السؤال الأهم: من يريد إعادة رسم خريطة المنطقة، وبأي ثمن؟

التطورات الأخيرة، سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط، توحي بأن العالم يقف أمام مرحلة تتداخل فيها الجبهات بصورة غير مسبوقة. فالدعوات التي خرجت من الشيشان لتوسيع المواجهة مع حلف الناتو، بعد التطورات العسكرية في أوكرانيا، لا يمكن فصلها عن الصراع الأوسع بين موسكو وواشنطن. فروسيا تدرك أن استنزافها في أوروبا، بالتزامن مع إضعاف حلفائها في الشرق الأوسط، يعني نقل المواجهة من حدودها الغربية إلى عمق نفوذها الاستراتيجي.

وفي المقابل، تبدو الجمهورية الإسلامية الايرانية اليوم العقدة الأساسية في مشروع إعادة ترتيب المنطقة. فالملف لم يعد مقتصراً على البرنامج النووي، بل أصبح يتعلق بموقع إيران في معادلة الطاقة العالمية، وسيطرتها غير المباشرة على أهم الممرات البحرية، من مضيق هرمز إلى باب المندب. ولذلك، فإن أي مواجهة معها تتجاوز حدود الجمهورية الإسلامية لتطال الاقتصاد العالمي كله.

ومن هنا يمكن فهم الضغوط العسكرية والسياسية المتزايدة. فالفلسفة الأمريكية في إدارة الأزمات تقوم على مبدأ "التفاوض تحت النار"؛ أي خلق مستوى مرتفع من التهديد العسكري، ثم فتح باب التسوية بشروط أكثر ملاءمة. وفي هذا السياق، تُطرح فرضية أن الهدف لا يقتصر على دفع إيران إلى تقديم تنازلات في ملفها النووي، بل يتجاوز ذلك إلى إعادة هندسة النظام الإقليمي بأكمله.

أما السعودية، فتقف في قلب هذه المعادلة. فالمملكة ليست مجرد دولة خليجية، بل تمثل الركن العربي الأهم في أي مشروع إقليمي جديد. وإذا صحّت القراءة التي ترى أن الضغوط العسكرية في البحر الأحمر، والتوتر مع الحوثيين، تُستخدم لتعزيز الحاجة إلى المظلة الأمنية الأمريكية، فإن ذلك يفسر في نظر أصحاب هذا التحليل اقتران الحديث عن الدعم العسكري الأمريكي بعرضين كبيرين: برنامج نووي سلمي برعاية أمريكية، وتسريع مسار التطبيع ضمن اتفاقيات أبراهام.

وهنا تتحول الحرب من مواجهة عسكرية إلى عملية مقايضة استراتيجية؛ أمنٌ مقابل اصطفاف سياسي، وضماناتٌ مقابل إعادة تشكيل التحالفات. فالولايات المتحدة لا تبحث فقط عن احتواء إيران، بل عن بناء شرق أوسط جديد يكون فيه العدو الصهيوني جزءاً طبيعياً من منظومته الأمنية والسياسية.

فالفلسفة القديمة كانت ترى أن الحرب امتداد للسياسة، لكن الواقع المعاصر يكشف أن السياسة نفسها أصبحت امتداداً للحرب. فالمفاوضات تجري تحت ظلال القاذفات، والاتفاقات تُولد تحت ضغط العقوبات، والخرائط تُرسم وفق ميزان القوة لا وفق النصوص القانونية وحدها.

وفي قلب هذا المشهد، تبرز الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها إحدى أكثر العقد الجيوسياسية تعقيداً وتأثيراً. فهي ليست دولةً تختزلها مسألة برنامج نووي متنازع عليه، بل قوة إقليمية تتصل بها معادلات أمن الخليج (الفارسي)، وحركة الطاقة العالمية، وموازين النفوذ الممتدة من آسيا الوسطى إلى شرق المتوسط. ومن هنا، لا تنظر طهران إلى الضغوط العسكرية والاقتصادية والأمنية باعتبارها خلافاً تقنياً حول الملف النووي، بل تراها حلقة في مشروع أوسع يستهدف تقليص حضورها ومحاصرة دورها الإقليمي.

ولذلك تدرك أن التراجع في هذه المواجهة لن يتوقف عند حدود المنشآت النووية، بل قد يتحول إلى مدخل لفرض تنازلات متتالية تمس موقعها ونفوذها وحقها في صناعة القرار. وعليه، تصبح أوراقها الإقليمية، وسيطرتها على مفاصل حساسة من طرق الطاقة والممرات البحرية، أدواتٍ لحماية التوازن ومنع كسره، لا مجرد وسائل للرد العسكري. فإيران لا تخوض معركة دفاع عن برنامج، بل معركة دفاع عن موقعها في النظام الإقليمي وعن حقها في ألا تُدار المنطقة من دونها.

غير أن هذه المعادلة تبقى ناقصة إذا أُخرج العدو الصهيوني من قلبها. فتل أبيب لا تنظر إلى المواجهة مع إيران بوصفها صراعاً عسكرياً فحسب، بل تعتبرها معركة وجودية لإعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية المحيطة بها. فمنذ سنوات، تقوم عقيدتها الأمنية على منع ظهور أي قوة إقليمية قادرة على فرض توازن ردع دائم معها، ولذلك فإن إضعاف إيران، وتقييد برنامجها النووي، وتقليص نفوذ حلفائها في المنطقة، تُعد أهدافاً استراتيجية تتجاوز حدود الأمن الصهيوني إلى إعادة هندسة الشرق الأوسط بأكمله.

ومن هذا المنطلق، تبدو اتفاقيات أبراهام أكثر من مجرد مسار دبلوماسي للتطبيع؛ فهي، في جوهرها، محاولة لبناء منظومة أمنية وسياسية جديدة يكون العدو الصهيوني مركزها، بحيث ينتقل الكيان الصهيوني من موقع الدولة التي تبحث عن اعتراف إقليمي إلى موقع الشريك القيادي في منظومة إقليمية مدعومة أمريكياً. وهنا يتقاطع المشروعان الأمريكي والصهيوني؛ فواشنطن تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة بما يحفظ نفوذها، بينما ترى تل أبيب في هذا التحول فرصة تاريخية لتكريس تفوقها الاستراتيجي ودمجها الكامل في بنية الشرق الأوسط الجديد.

أما تركيا، فهي تمثل مفارقة السياسة الدولية. فهي عضو في حلف الناتو، لكنها لا تستطيع تجاهل أن أي تغيير جذري في الملف الكردي، سواء داخل إيران أو على حدودها الجنوبية، يمس أمنها القومي مباشرة. ولهذا فإن حساباتها لا تتطابق دائماً مع حسابات واشنطن، حتى وإن بقيت ضمن المنظومة الغربية. فتركيا لا تخشى الأكراد وحدهم، بل تخشى أيضاً أن يتحول أي فراغ في الإقليم إلى مساحة يتقدم فيها النفوذ الصهيوني حتى يلامس حدودها الجيوسياسية.

وفي هذا المشهد المتشابك، يصبح الشرق الأوسط ساحة تتقاطع فيها مشاريع متعددة: مشروع أمريكي لإعادة ترتيب الإقليم، ومشروع روسي للحفاظ على توازناته، ومشروع إيراني لمنع كسر معادلة الردع، ومشروع تركي لمنع أي تحولات تمس أمنه القومي.

لكن الفلسفة تعلمنا أن الإمبراطوريات كثيراً ما تقع في خطأ الاعتقاد بأن القوة العسكرية قادرة وحدها على صناعة التاريخ. بينما التاريخ يقول شيئاً مختلفاً؛ فالقوة تستطيع إسقاط الجيوش، لكنها لا تستطيع دائماً إسقاط الإرادات، وقد تفرض اتفاقاً، لكنها لا تضمن استدامته إذا بقيت جذور الصراع قائمة.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل أصبح: أي شرق أوسط سيولد من رحمها؟ وهل ستكون هذه الحروب بداية نظام إقليمي جديد، أم أنها ستؤدي إلى إنتاج دورة جديدة من الصراعات أكثر تعقيداً وأطول زمناً؟

إن المنطقة تقف اليوم عند مفترق تاريخي، حيث لم تعد المعركة تدور فقط حول حدود أو برامج نووية، بل حول هوية الشرق الأوسط نفسه، ومن يملك حق رسم خرائطه السياسية والاستراتيجية لعقود قادمة.

0% ...

آخرالاخبار

بقائي يرد على تصريحات وزير الخارجية الألماني


مصادر فلسطينية: تجدد المواجهات في بلدة "سلواد" شمال شرق رام الله، والاحتلال يُطلق قنابل الغاز


الصحة اليمنية: استشهاد 7 مدنيين بينهم طفلان وإصابة 6 أطفال بجراح من جراء استهداف الطائرات السعودية منزلا غربي تعز


وكالة أنباء كوريا الشمالية: تجربة إطلاق ناجحة لمنظومة صواريخ متطورة للدفاع الجوي


أكسيوس: زعيم الديمقراطيين بمجلس النواب حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة المجلس في رسالة وجهها إلى زملائه


عراقجي يؤكد على تعزيز العلاقات بين إيران وبولندا


مصادر لبنانية: غارة لطيران العدو الإسرائيلي تستهدف المنطقة الواقعة بين بلدتي مركبا وطلوسة في جنوب لبنان


القناة 13 "الإسرائيلية": هزيمة تاريخية لترامب في انتخابات التجديد النصفي وتداعيات خطيرة على "إسرائيل"


اعلام ألماني: العثور على وزير الاقتصاد بافاريا أيفانغر ميتا في أحد فنادق برلين


مصادر إعلامية: صفقة ترامب مع روسيا بشأن وقود الديزل تتوقف بسبب انخفاض مخزونات الوقود الأمريكية إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا


الأكثر مشاهدة

رئيسة المفوضية الأوروبية: إغلاق مضيق هرمز كلف أوروبا 127 مليار يورو إضافية من دون أن تصلها ذرة طاقة إضافية واحدة


‏لجنة الحملات الديمقراطية في الكونغرس: واثقون من الفوز لكن كل السيناريوهات واردة


"القناة 12" الصهيونية: حالة من الارتباك والقلق داخل المؤسسة الأمنية عقب تصريحات ترامب بشأن وقف المساعدات لـ"إسرائيل"


الحرب على إيران ترفع تكاليف مشاريع النفط


حاكم فلوريدا الجمهوري: جمهوريون يضللون الناخبين بعدم الاعتراف بأن الحرب على إيران أدت إلى ارتفاع أسعار الوقود


الجيش الايراني: إدراك طبيعة التهديد والحفاظ على اليقظة الوطنية ضرورة دائمة


كوريا الشمالية تحذر من رد أقوى على "عدائية" الولايات المتحدة


قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف وادي الحجير في جنوب لبنان


إغلاق صناديق الاقتراع في ولايات نورث كارولاينا وأوهايو ووايومينغ


فوز الديمقراطيين بـ41 مقعدا والجمهوريين بـ31 مقعدا في مجلس الشيوخ


فوز الديمقراطيين بـ20 مقعدا والجمهوريين بـ10 مقاعد في مجلس النواب